تسارع انحدار الإمبراطورية وهزيمة الهيمنة ولا بقاء للكيان الصهيوني

تدرك دول الشرق الأوسط بشكل متزايد أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حمايتها بعد الآن. وتبدو اتفاقية الدفاع السعودية- التركية- الباكستانية جزءاً من هذا التكيّف، وردًا على تهديد يُمثله مشروع "إسرائيل" الكبرى. 

  • إيران تنتزع زمام المبادرة!
    إيران تنتزع زمام المبادرة!

تتواتر تقديرات الخبراء وتنبؤاتهم المتشائمة حول مصير الإمبراطورية الأميركية ومآلات انحدارها وانحسار هيمنتها على الصُعُد كافة، اقتصادية وسياسية وعسكرية ومكانتها العالمية وقدرتها على الردع والإكراه وفرض إرادتها على النظام الدولي أو حتى إدارته بحد أدنى مما كان عليه عقب الحرب العالمية الثانية. ورغم إدراكها لتدهور موقفها، فقد عجزت عن إدارة التدهور بما يجنبها خسائر فادحة وتراجعات فاضحة.

لا تقتصر هذه التنبؤات على مفكرين أكاديميين في القضايا الجيوسياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية أمثال ريتشارد وولف وجيفري ساكس وجون ميرشايمر وستيفن والت وروبرت پيپ وغلين ديزن وتريتا پارسي وپول غرينييه وكريس هيدجز، وضباط ومسؤولين سابقين أمثال تشاس فريمان ودوغلاس ماكغريغور ودانيال ديفيز ولورنس ويلكرسون وإيان پراو د، وغيرهم كثير.

يرى ريتشارد وولف، أستاذ الاقتصاد بجامعة برنستون، أنّ القضية الأساسية أنّ الولايات المتحدة تشهد تراجعًا متسارعًا لمكانتها الإمبراطورية، ما بات جليًا في الشؤون الاقتصادية والسياسية والعسكرية. لقد أصبح الاقتصاد العالمي الحديث شديد الترابط، فمحاولات حلّ أزمةٍ ما قد تُولّد هشاشة جديدة بأماكن أخرى. فالتجارة والعملات وأسواق المال والديون وأسعار السلع الأساسية مترابطة، وأيّ اضطراب في اقتصادٍ رئيسيّ ينتشر بسرعةٍ عالمياً.

تُجسّد الصعوبات المُحيطة بإدارة الصراع مع إيران ومضيق هرمز هذه الدينامية. فأدّى ارتفاع أسعار النفط وانقطاع إمدادات الطاقة إلى ضغوطٍ على اقتصاداتٍ آسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية. وأدّى ضعف الين الياباني إلى زيادة تكلفة النفط المُستورد، بينما قادت جهود مبذولة لتحقيق استقرار العملة إلى زيادة مبيعات سندات الخزانة الأميركية وانخفاض أسعارها لرفع أسعار الفائدة الأميركية طويلة الأجل، ما يهدد سوق الإسكان والاستثمار. والنتيجة حلقة مفرغة، إذ يحل صناع السياسات مشكلةً ما ليخلقوا أخرى.

عبء القوة الأميركية

بحسب وولف، جوهر النقاش ليس افتقاد الولايات المتحدة الموارد، فلا تزال تتمتع بثروة وقوة هائلتين. وغدت ثروتها المتراكمة مصدر ضعف وهشاشة، لأنها تشجع السياسيين على الاعتقاد بإمكانية التغلب على أي مشكلة عبر توفير موارد كافية.

بُني الموقف الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية جزئيًا على انهيار إمبراطوريات أوروبا واليابان. فمع انسحاب القوى الأوروبية من آسيا وأفريقيا، توسعت الولايات المتحدة لتشغل فضاءً سياسيًا واقتصاديًا كانت تحتله القوى الأوروبية. فورثت العديد من مزايا النظام الإمبراطوري القديم، بينما قدمت نفسها حليفاً للدول المستقلة حديثًا وبطلاً للديمقراطية.

أدى ذلك إلى تركيز غير مسبوق للقوة الاقتصادية والسياسية الأميركية خلال نصف  القرن العشرين الأخير. لكن هذا النظام الدولي ارتكز على بقاء بقية العالم متماسكًا حول قيادة أميركا.

إيران تنتزع زمام المبادرة

في حواره مؤخراً، مع غلين ديزن، أستاذ العلوم السياسية النرويجي وصاحب مدونة Greater Eurasia، قال الكولونيل دوغلاس ماكغريغور، مستشار وزير الدفاع الأميركي الأسبق، إن الولايات المتحدة خسرت الحرب ضد إيران، وإن تداعيات ذلك تتجاوز ساحة المعركة بكثير. ويؤكد أن إيران انتزعت زمام المبادرة بكسر الحصار، وضرب المواقع الأميركية، وإثبات أن القوة البحرية الأميركية لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالخليج. 

يؤكد الكولونيل أن مزاعم الولايات المتحدة بالسيطرة على مضيق هرمز باطلة. وأن البحرية الأميركية عاجزة عن التأثير بمجريات الأحداث، بينما أجبرت القدرات الصاروخية الإيرانية مجموعات حاملات الطائرات الأميركية على الانسحاب. ويرى أن استهداف ناقلات النفط يظهر استنفاد واشنطن خياراتها العسكرية الفعالة.

ويرى أن الولايات المتحدة لا تستطيع هزيمة إيران بقصف البنية التحتية المدنية أو تدمير السفن. أثبتت إيران قدرتها على فرض تكاليف باهظة مع الاحتفاظ بزمام المبادرة، فواشنطن لا تملك ردًا فعالًا على قدرات إيران الصاروخية والاستخبارية والاستطلاعية والمراقبة.

يعتقد ماكغريغور أن الولايات المتحدة قد وصلت بالتالي إلى حدود قوتها العسكرية بالمنطقة. ويجادل بأن الحرب كشفت ضعفاً جوهرياً: فلم تعد القوات الأميركية قادرة على العمل بحرية ضد خصم مُجهّز بصواريخ حديثة وطائرات مسيّرة ومنظومات مراقبة فضائية.

إيران ونهاية حقبة

من ناحية أخرى، يرى وولف أن إيران تُقدَم رمزاً قوياً لهذا التراجع التاريخي الأميركي. شاركت الولايات المتحدة في الإطاحة بمحمد مصدّق عام 1953، ودعمت الشاه حتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979. وأصبحت إيران لاحقًا من أهم الدول المقاومة للنفوذ الأميركي في المنطقة.

في هذا السياق، تُظهر قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط الأميركية حدود القوة الأميركية. وتسعى دول أخرى، حليفة ومعادية لأميركا، بشكل متزايد لإيجاد سبل للحد من تعرضها لعقوبات أميركا وضغوطها العسكرية ونفوذها المالي ودبلوماسيتها القسرية.

يسهم هذا في تفكك الاقتصاد العالمي الذي يتمحور حول الولايات المتحدة. وبالتالي، لا تُصبح الرسوم الجمركية والعقوبات مجرد أدوات للقوة الأميركية، بل هي أعراض لنظام متدهور يجهد مُرهقًا للحفاظ على نفسه.

يعتبر وولف الانتقال من الاقتصاد النيوليبرالي إلى القومية الاقتصادية تحولًا رئيسيًا آخر. فبدل التركيز سابقاً على أسواق حرة وعولمة، استحدث التدخل الحكومي المباشر في الشركات والعملات والتجارة والأسواق المالية.

وفي الوقت ذاته، يتزايد السخط الداخلي، واستياء الشباب الأميركي من الرأسمالية والحزبين الحاكمين، لكن هذا لا يُمثل بالضرورة رفضًا واعيًا للرأسمالية ذاتها. واكتسبت الحركات التقدمية دعمًا، لأنها تُعتبر – ولو جزئيًا – مُقدمة لحل المشكلات الاقتصادية، في حين تبدو المؤسسة السياسية استنفدت طاقتها.

مشروع "إسرائيل الكبرى"

باتت السياسة الأميركية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ"مشروع إسرائيل الكبرى". فالدعم الأميركي غير المشروط لـ"إسرائيل" حوّل واشنطن من قوة إقليمية بالشرق الأوسط إلى أداة تحقيق أهداف الاستراتيجية إسرائيلية. 

يؤكد ماكغريغور أن المشروع يتجاوز غزة والضفة الغربية، ليشمل لبنان والأردن وسوريا وأجزاء من مصر والسعودية والكويت والعراق. ويرى أنه لا مصلحة قومية حقيقية للولايات المتحدة في السعي وراء هذه الأجندة.

ويرى أن "إسرائيل" لا يمكنها البقاء قوةً إقليمية مهيمنة من دون دعم عسكري أميركي. في الواقع، لن تتمكن "إسرائيل" بتاتاً من البقاء ما لم تتكيف مع التوزيع الدولي الجديد للقوة وتُقلّص طموحاتها. وإذا أُجبرت القوات الأميركية على الانسحاب من الشرق الأوسط، فستواجه "إسرائيل" ميزان قوى إقليميًا مختلفًا جذريًا. ستكون إيران وتركيا، لا واشنطن ولا "تل أبيب"، هما من سيُحددان مستقبل المنطقة بنهاية المطاف.

نظام إقليمي جديد

في ضوء ذلك، تدرك دول الشرق الأوسط بشكل متزايد أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حمايتها بعد الآن. وتبدو اتفاقية الدفاع السعودية- التركية- الباكستانية جزءاً من هذا التكيف، وردًا على تهديد يُمثله مشروع "إسرائيل الكبرى". 

يعتقد الكولونيل أنه حتى الدول التي عارضت إيران تاريخيًا لا تُريد تدميرها، لإدراكها أنها قد تُصبح الهدف التالي. وفي حين تمتلك الصين القدرة المالية والصناعية لإعادة بناء البنية التحتية المُتضررة، وأن تُصبح قوة اقتصادية رئيسية بالمنطقة، فالنتيجة انهيار النظام القديم بقيادة الولايات المتحدة. ومع تزايد تداول النفط بعملات أخرى غير الدولار، يَضعُف نظام البترودولار، في حين تواجه الولايات المتحدة ارتفاع الديون والتضخم والتراجع اقتصاديًا.

أوروبا وأوكرانيا ونظام عالمي مُتغير

بنهاية المطاف، يتوقع وولف أن تواجه أوروبا خيارًا حاسمًا. فقد ربطت دول أوروبا مصائرها بالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لتصبح شريكًا ثانويًا في نظام تقوده الولايات المتحدة. وكلما ضعف هذا النظام، باتت تكاليف الحفاظ على هذه العلاقة أصعب. 

في ضوء صعود حزب البديل لألمانيا (AfD)، بأقصى اليمين، القريب من روسيا وأميركا، فقد تكتسب ألمانيا أهمية خاصة. فالتحول السياسي نحو استعادة الطاقة الروسية الرخيصة وإنهاء دعم الحرب بأوكرانيا يُوفر للناخبين الألمان فوائد اقتصادية فورية لدى خفض تكاليف الطاقة وتقليل الإنفاق العسكري. وقد يُشجع هذا التحول على إعادة تنظيم أوروبا والتوجه الأوسع نحو روسيا والصين. 

كذلك، يرى ماكغريغور أن أوكرانيا قد انتهت وأن الحرب ستنتهي بشروط روسيا. فأوكرانيا تعاني نقص القوى البشرية وتُظهر جهود تعبئة وتجنيد النساء مدى خطورة الأزمة. كما تزداد حكومات أوروبا انفصالاً عن شعوبها. فأوروبا الغربية، برأيه، تدخل حقبة تُشبه ثورات عام 1848، حيث تزداد الانقسامات بين الحكومات والشعوب والمؤسسات العسكرية.

في المقابل، تُمثل روسيا نموذجًا لتماسك الدولة والمجتمع والجيش. ليس لروسيا مصلحة في غزو أوروبا، لكنها لن تقبل بتسوية تُبقي مصالحها الأمنية من دون حل.

نهاية الهيمنة الأميركية

بحسب ماكغريغور، تشهد الولايات المتحدة تراجعاً استراتيجياً تاريخياً. لم تعد الهيمنة البحرية والقوة المالية والتدخل العسكري تمنح واشنطن السيطرة التي تمتعت بها سابقًا. تبرز روسيا والصين وإيران كقوى قارية [كلاسيكية] مؤثرة، بينما تواجه أميركا تبعات عقود من التدخلات وتراكم الديون. لذلك، يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، لم تعد فيه واشنطن مركز النظام الدولي.

هذا التحول حتمي. فالنظام القديم ينهار، وسيتعين على الولايات المتحدة أن تتعلم كيف تعيش في عالم لم تعد فيه القوة المهيمنة.

بالنسبة إلى وولف، قصارى القول، إن الظروف الداعمة للهيمنة الإمبريالية الأميركية قد بلغت الغاية والنهاية بدرجة يصعب معها منع تحللها. فالعالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تشظيًا اقتصاديًا وسياسيًا، بينما تَجهَد الولايات المتحدة للتكيف مع فقدان مكانة استثنائية اكتسبتها بالقرن العشرين.