تركيا و"إسرائيل".. سوريا لمن؟
المشهد السوري مفتوحٌ على صراع نفوذ طويل الأمد، يجعل من يفرض نفوذه في سوريا لاعباً رئيسياً في مستقبل المنطقة.
-
تركيا و"إسرائيل".. سوريا لمن؟
عندما دمر الكيان الصهيوني كل البنى التحتية للجيش السوري بكل قواعده البرية والجوية والبحرية، بما فيها من السفن والطائرات والدبابات والصواريخ، لم يحرك أحد من حكام المنطقة ساكناً، بل عبروا، ولو في الخفاء، عن فرحتهم من ذلك، طالما أن هذا الدمار جاء للانتقام من نظام الأسد المدعوم آنذاك من روسيا وإيران.
كما لم يحرك أحد، بما فيهم تركيا، ساكناً تجاه التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري وحتى مشارف العاصمة دمشق بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. كما لم يحرك أحد ساكناً تجاه الاتصالات والمشاورات واللقاءات المختلفة بين دمشق وتل أبيب التي حققت العديد من الانتصارات باستلام المجموعات المسلحة المخترقة أساساً من قبل مخابراتها التي ما زالت تعمل بحرية في جميع أنحاء سوريا، كما هو الحال بالنسبة لمخابرات الكثير من الدول، وأهمها تركيا التي يعرف الجميع أنها الأكثر تأثيراً في جميع المجالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الدينية والثقافية.
وكان ذلك طبيعياً جداً، ولأن كل المجموعات المسلحة، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، كانت تتواجد في إدلب القريبة من تركيا وتحظى بدعم كبير وشامل من أنقرة التي لعبت الدور الرئيسي، إن لم يكن الأهم، في الإطاحة بنظام الأسد.
وهذا ما أكد عليه الرئيس ترامب أكثر من مرة، حيث قال: "إن الرئيس أردوغان قد أرسل رجاله واستولى على سوريا التي كان الأتراك يحلمون بالسيطرة عليها منذ مئات السنين". ومع أن الرئيس ترامب كان يقول بين الحين والحين إنه "هو الذي جاء بالشرع ليصبح رئيساً لسوريا"، يعود ويذكّر الجميع أنه "فعل ذلك مع تركيا والسعودية و"إسرائيل"".
فإذا كان كل هذا الكلام صحيحاً، وهو كذلك، فلماذا هذه الضجة المفتعلة على القصف الإسرائيلي على مطار أبو الظهور قرب إدلب، وهو ما فعله "الجيش" الصهيوني أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية ضد مطارات أخرى، ومنها التيفور قرب حماة، بحجة تواجد الضباط الأتراك فيه.
فقد اعترف الوزير الشيباني أنه كان على تواصل مع الجانب الإسرائيلي (رئيس الموساد رومان غوفمان) قبل الغارة وبعدها، وهو ما يعني أن الأتراك أيضاً كانوا على علم بذلك، ولأن الشيباني كان في لحظة الاتصال في إسطنبول وفي جلسة ودية وحميمة مع السفير توم برّاك على ضفاف البوسفور. كما كان برّاك، دون أدنى شك، على تواصل مع المسؤولين الأتراك والأميركيين قبل وبعد قصف المطار.
والسؤال الأهم في كل هذه القصة هو: ألم تكن أنقرة تدري أن الانتصار الذي حققته بالإطاحة بالرئيس الأسد سيخدم في نهاية المطاف الكيان العبري المدعوم من واشنطن، والذي يحظى بمباركة البعض من أنظمة الخليج؟ وبالتالي، لماذا تشكو أنقرة الآن من الواقع الذي كانت السبب في خلقه في سوريا والمنطقة عموماً، وهي الطرف الأساسي فيه، بعد أن استغل الكيان العبري سقوط نظام الأسد فتمادى في عدوانه على غزة والضفة الغربية، ثم لبنان وأخيراً إيران؟
ألا تدري أنقرة أنها لا ولن تستطيع أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع الكيان الصهيوني، أولاً لأنها عضو في الحلف الأطلسي، وثانياً لأن النظام الجديد في سوريا مخترق من كل جوانبه وبكل مؤسساته، وثالثاً لأن البعض من أنظمة الخليج، بما فيها السعودية والإمارات، تتمنى مثل هذه المواجهة، وكما هي تمنتها لإيران "الشيعية".
وجاء صمودها الأسطوري في مواجهة التحالف الصهيو-أميركي ليدفع الجميع في المنطقة وخارجها لإعادة النظر في حساباتهم الحالية والمستقبلية، بعد أن فشلت الدول العربية والإسلامية طيلة 70 عاماً الماضية في مواجهة الكيان العبري، والآن لمنعه من التمادي في جرائمه في غزة ولبنان، مع توغل يومي في الجنوب السوري واستيطان استراتيجي في الجولان والضفة الغربية.
وهو ما تتجاهله الدول العربية والإسلامية، بما فيها تركيا التي تعتقد أنها بحنكة سياسية هادئة ستكون صاحبة القول الأهم في تقرير مصير سوريا، كما هو الحال في ليبيا والصومال والعراق، بعد أن حظيت بدعم الرئيس ترامب الذي يبدو أنه قد سئم من تصرفات نتنياهو الذي سيستمر في استفزازاته في لبنان وفلسطين وسوريا عشية انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول.
وتتوقع السيناريوهات لها، أي لسوريا، أن تتحول لخط المواجهة الاستراتيجية بين الكيان الصهيوني وتركيا التي يتمنى لها السفير توم برّاك أن تعود إلى أيام الدولة العثمانية.
ويتحدث التاريخ منذ ما لا يقل عن 500 عام عن علاقات متشابكة بينها وبين اليهود، ثم الدولة العبرية التي اعترفت أنقرة بها بعد 11 شهراً من قيامها عام 1948. وشهدت هذه العلاقات العديد من حالات المد والجزر التي انتهت باللقاء الأخير بين نتنياهو وأردوغان في 22 أيلول/سبتمبر 2023 في نيويورك، واتفقا على تبادل الزيارات في أنقرة وتل أبيب، لولا طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ودون أن يمنع ذلك استمرار العلاقات التجارية بين الطرفين إلى أن اضطرت أنقرة ربيع 2025 لقطعها، وإن لم يكن بالكامل، حيث إن النفط الأذربيجاني يصل ميناء جيهان التركي ومنه يُنقل إلى ميناء حيفا الإسرائيلي.
وفي جميع الحالات، ومع تهرب المسؤولين الأتراك من الرد بالقول والفعل على تهديدات المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم نتنياهو، يبدو واضحاً أن أنقرة ستستمر في علاقاتها السرية منها والعلنية مع حكام دمشق الجدد لتطبيق مخططاتها ومشاريعها على المدى المتوسط والبعيد، مع التذكير أن عدداً كبيراً من هؤلاء الحكام، وفي مقدمتهم الرئيس الشرع عندما كان اسمه أبو محمد الجولاني، كانوا على تواصل يومي مع تركيا قبل سقوط نظام الأسد، والبعض منهم يحمل جنسيتها.
ويبقى الرهان في نهاية المطاف على جدية التصريحات التركية واحتمالات أن تكتسب طابعاً عملياً في استهداف الكيان الصهيوني الذي سبق لقياداته أن قالوا: "إن تركيا ستكون الهدف التالي للدولة العبرية بعد التخلص من إيران".
وهو ما يجب أن يكون سبباً كافياً لتحالف استراتيجي بين تركيا وإيران يكون كافياً لمواجهة هذا العدو المشترك، ليس لهما فقط، بل لكل الدول والشعوب العربية والإسلامية، وأياً كان تنوعها القومي والديني والمذهبي.
وهو ما نجح التحالف الصهيو-أميركي في استغلاله دائماً، وكما هو الحال عليه الآن، عندما تجاهل الجميع، ولحسابات ضيقة، عدوان هذا التحالف على إيران "الشيعية"، وقبل ذلك فلسطين ولبنان واليمن وسوريا.
ويبدو واضحاً أنها، أي سوريا، قد تحولت، وكانت كذلك، إلى قفل ومفتاح كل المعادلات الإقليمية والدولية، وحتى إن تجاهلها تحالف مكة الثلاثي، كما هو تجاهل خطر "إسرائيل" التي تهرب التحالف الثلاثي من إصدار أي بيان مشترك ضدها، وهي التي تقول علناً: "إن قصف مطار أبو الظهور يستهدف تركيا في سوريا"، ويعرف الجميع أن من يكسبها سوف يكسب الكثير في المنطقة. هذا بالطبع إن لم تنتهِ المباراة، أي المواجهة بين تركيا و"إسرائيل" في سوريا، بالتعادل!