تركيا والسعودية: رفض أي ضربة لإيران وحلف استراتيجي مع باكستان

إيران شريك اقتصادي وتجاري هام لتركيا، لا سيما في مجالات الطاقة والنقل والترانزيت. وأي ضربة عسكرية ستلحق أضراراً بالغة بهذه التبادلات، وتؤثر سلباً على قطاعات السياحة والتصدير في تركيا وتفاقم التضخم.

0:00
  • تركيا والسعودية وباكستان نحو إقامة حلف ردعي دفاعي واستراتيجي.
    تركيا والسعودية وباكستان نحو إقامة حلف ردعي دفاعي واستراتيجي.

ترفض تركيا أي ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية ضد إيران، تتشابك أسباب الرفض بين المصالح الأمنية، الاقتصادية، والسياسية الإقليمية. وترى تركيا أن استقرار إيران حيوي لأمن المنطقة بأكملها. وتخشى أن تؤدي أي ضربة عسكرية إلى زعزعة الاستقرار ما قد يفتح الباب أمام حروب أوسع وصراعات إقليمية قد تمتد لتشمل دولاً أخرى.

تشترك تركيا مع إيران في حدود طويلة تمتد لأكثر من 500 كم. وأي هجوم عسكري قد يؤدي إلى انهيار داخلي في إيران، ما سيسفر عن موجات تدفق ضخمة من اللاجئين والمهاجرين نحو الأراضي التركية، وهو ما يمثل عبئاً أمنياً واقتصادياً كبيراً ترفضه أنقرة.  

إيران شريك اقتصادي وتجاري هام لتركيا، لا سيما في مجالات الطاقة (الغاز والنفط) والنقل والترانزيت. وأي ضربة عسكرية ستلحق أضراراً بالغة بهذه التبادلات، وتؤثر سلباً على قطاعات السياحة والتصدير في تركيا وتفاقم التضخم.

تخشى أنقرة من أن يكون الهدف من استهداف إيران هو تعزيز "التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي" في المنطقة، وهو ما يقلق صانع القرار التركي من تغير ميزان القوى لصالح "إسرائيل" بشكل يهدد مصالح تركيا الإقليمية. لذلك، تعمل الدبلوماسية التركية على تشجيع المفاوضات والحوار لحلّ الملفات العالقة، مثل الملف النووي الإيراني.

وقد حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن الهجوم العسكري سيكون "خطأً"، ودعا واشنطن إلى معالجة الملفات مع طهران تدريجياً عبر الدبلوماسية بدلاً من المواجهة.

تركيا ترى أن نجاح "إسرائيل" في دفع واشنطن إلى شنّ ضربة عسكرية على إيران، ستؤدي إلى ردّ إيراني واسع النطاق يستهدف المصالح الأميركية وحلفاءها في المنطقة، بما في ذلك "إسرائيل" والقواعد الأميركية في الخليج.

وبدلاً من إنهاء البرنامج النووي الإيراني، قد تدفع الضربات طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي بشكل أسرع، أما الفوضى التي يمكن أن تنتج فهي ستسمح للجماعات المتطرفة أو الحركات الانفصالية بالاستفادة من الوضع.

وترى أن "إسرائيل" تسعى إلى زيادة حالة عدم الاستقرار وتشتيت الانتباه عن قضايا أخرى مثل الوضع في غزة. وترى أنقرة أن سياسة "إسرائيل" الاستراتيجية تهدف إلى "زعزعة الاستقرار" في المنطقة.

 في الوقت عينه ترفض المملكة العربية السعودية أي ضربة عسكرية لإيران. إذ ترى الرياض أن استقرار المنطقة شرط أساسي لجذب الاستثمارات الأجنبية. وأي صراع سيؤدي إلى تكرار سيناريو هجوم "أرامكو بقيق" (2019)، إذ قد تستهدف إيران  المواقع العسكرية الأميركية في السعودية، كذلك سيتسبب إغلاق  مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ثلث صادرات النفط العالمية لقفزات في الأسعار واضطراب سلاسل التوريد العالمية.

وترفض السعودية أن تتحوّل أراضيها إلى "ساحة معركة"، وقد أبلغ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الجانب الإيراني رسمياً بأن المملكة لن تسمح بأي عمل عسكري من أراضيها  ضد إيران.

 ترى السعودية أن "انهيار النظام الإيراني" أو دخوله في حالة فوضى شاملة يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار الإقليمي. أي ضربة قد تُنتج موجات لاجئين ضخمة وتُغذي الحركات المتطرفة في المنطقة. وأي شرارة في إيران قد تحرق مكتسباتها التنموية والأمنية. 

تركيا والسعودية وباكستان نحو إقامة حلف ردعي دفاعي واستراتيجي

في ظل هذه المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وتلك التي يشهدها العالم بأسره، تهدف كل من السعودية وتركيا وباكستان إلى حماية المصالح المشتركة وملء الفراغ الأمني الإقليمي. يسعى الحلف لدمج ثلاثة عناصر قوة، الثقل المالي والاستثماري والنفوذ السياسي والديني للعربية السعودية وخبرة تركيا العسكرية الميدانية والصناعات الدفاعية المتطورة من الطائرات المسيرة والسفن الحربية، إضافة إلى القوة النووية الوحيدة لباكستان في العالم الإسلامي، والخبرة في صناعة  الصواريخ الباليستية، إضافة إلى الكتلة البشرية العسكرية الضخمة. 

يقوم الحلف على مسودة اتفاق (تشبه المادة 5 في حلف الناتو) توفر مظلة حماية جماعية يعني أي اعتداء على دولة واحدة هو اعتداء على الكل. تشعر الدول الثلاث بحاجة متزايدة إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وتقليل الاعتماد المطلق على الضمانات الأمنية الأميركية، خصوصاً  مع تغير الأولويات السياسية في واشنطن.

يهدف الحلف إلى الردع ويهدف إلى كبح جماح العدوانية العسكرية الإسرائيلية المتزايدة في المنطقة، خصوصاً بعد العمليات العسكرية في غزة ولبنان والتهديدات الموجهة إلى إيران.

يهدف إلى منع التدخلات الأجنبية و"الهيمنة" الخارجية في شؤون المنطقة، مع التركيز على مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي. 

تعتمد إمكانية نجاح هذا الحلف الثلاثي (السعودية، تركيا، باكستان) على توازن دقيق بين المصالح الوطنية والضغوط الجيوسياسية، بينما تنظر إليه "إسرائيل" ببالغ القلق كونه يغير قواعد اللعبة التي اعتادت عليها.

ما هي فرص النجاح والتحديات؟

بدأت بوادر قدرة الدول الثلاث على توطين التكنولوجيا العسكرية  تظهر من خلال مركز التميز الدفاعي الباكستاني- التركي والتمويل السعودي للصناعات الدفاعية المشتركة. باكستان تعاني من أزمات اقتصادية ونجاح الحلف يتطلب الدعم المالي السعودي والاستثمارات التركية لتحويل باكستان إلى "درع استراتيجي". 

تخشى "إسرائيل" من تطوير التكنولوجيا النووية والصاروخية الباكستانية وتمويلها سعودياً وتطويرها تركياً .

استراتيجية "إسرائيل" تعتمد على تطبيع العلاقات مع دول عربية لعزل قوى إقليمية أخرى، تقارب الرياض مع أنقرة وإسلام آباد ينسف محاولات الاستفراد بكل دولة على حدة. وجود حلف عسكري يضم قوة نووية (باكستان) وقوة تصنيعية عسكرية (تركيا) وقوة مالية (السعودية) يعني أن أي مغامرة عسكرية إسرائيلية تجاه أحدهم ستكون لها تكلفة باهظة وغير محسوبة.

تخشى "إسرائيل" من سيطرة هذا الحلف على الممرات المائية الحيوية، ما قد يفرض حصاراً استراتيجياً على تحركاتها البحرية. ستعمل بكل ثقلها الدبلوماسي والاستخباري وبعلاقتها مع واشنطن لتعطيل هذا الحلف أو زرع الشقاق بين أعضائه.

ينتقل النظام العالمي من القطبية الواحدة إلى "عالم متعدد الأقطاب". تدرك الرياض وأنقرة أن الولايات المتحدة لم تعد موثوقة  لضمان أمن حلفائها. أما التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا فيتطلب تشكيل كتلة وازنة.  

العالم القادم يدور حول طرق التجارة (الحزام والطريق، ممر الهند-أوروبا). تحالف يربط جنوب آسيا (باكستان) بالخليج العربي (السعودية) وصولاً إلى بوابة أوروبا (تركيا) يعني السيطرة على أهم ممرات الطاقة والتجارة في القرن الحادي والعشرين، الدول الثلاث تسعى لكسر احتكار التكنولوجيا العسكرية، فهل ستتمكن من ذلك؟