بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية... من يستنزف الآخر؟؟

الحقيقة لاستراتيجية الاستنزاف الأميركية لن تتبلور على أرض الواقع من خلال الخطابات المتكرّرة للرئيس الأميركي وإدارته، وإنما من خلال مراقبة الواقع الذي يُظهر حتى الآن ميلاً محتملاً لمصلحة الجمهورية الإسلامية.

0:00
  • إيران ليست خصماً عاجزا لا يملك القدرة على المبادرة.
    إيران ليست خصماً عاجزاً لا يملك القدرة على المبادرة.

رغم أنّ الرئيس الأميركي قد أعلن في بداية العدوان على الجمهورية الإسلامية أنّ الأهداف الرئيسية للحرب قد تمحورت حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إضافة إلى هدف القضاء على التهديدات الوشيكة التي باتت تحيط بالأميركيين من قبل النظام وما أسماهم الوكلاء، فإنّ دعوته للشعب الإيراني إلى استعادة بلاده وتولّي السيطرة على حكومته مع ما سبق ذلك من تصريحات طالت المنظومة الصاروخية والقدرات العسكرية ومن أسماهم بالوكلاء وكذلك اعترافه بتسليح الكرد، كلّها كانت تدلّل على أنّ الهدف الحقيقي لم يكن أقلّ من محاولة إسقاط النظام الإيراني من خلال خطة محكمة كانت تجمع بين أساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة.

وإذا كان من الممكن حتى هذه اللحظة الحديث عن أنّ الجمهورية الإسلامية قد استطاعت الصمود في وجه هذه الحملة المركّبة وفرضت خلال العدوان الأخير إيقاعها الذي أدّى في المرحلة اللاحقة للعدوان إلى توقيع مذكّرة التفاهم الشهيرة التي كانت باعتراف أكثر المحلّلين الغربيين بمثابة تسليم أميركي بفشل العدوان وتغيّر موازين القوى بين الطرفين، فإنّ ذلك لم يؤدِ إلى وقف الحرب والانتقال إلى مرحلة التفاهمات والسلم المحكوم لاتفاق نهائي، حيث أعادت الولايات المتحدة تدوير أدوات عدوانها على الجمهورية الإسلامية وعملت على إعادة بناء استراتيجيتها وفق أهداف مختلفة عن أهدافها الأساسية من حيث الشكل، ولكنها مطابقة في مضمونها لما أرادته الولايات المتحدة دائماً.

اللافت في هذا الإطار أنّ الولايات المتحدة قد بدأت منذ عدة أيام التسويق لآليات حرب مختلفة ستنتهجها في مواجهة إيران، من الحصار الاقتصادي الذي تحدّث عنه وزير المالية الأميركي إلى الضربات الدورية المحدودة التي تحدّث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من دون أن ننسى التصريحات المتكرّرة حول سيطرة البحرية الأميركية على مضيق هرمز وخروج النفط منه بشكل طبيعي.

وبالتوازي مع ذلك، لم يخفِ الجانب الأميركي أنّ كلّ هذه الآليات لن تكون كافية لتحقيق نصر سريع بما يؤدّي إلى استنتاج مفاده أنّ العنوان الأساسي للمعركة الحالية سيكون الاستنزاف. وعليه يصبح السؤال عن ردّ الفعل الإيراني مشروعاً لناحية قدرات طهران على التحمّل أولاً، ولناحية مدى قدرتها على استنزاف الولايات المتحدة في قدرتها على تحمّل حرب طويلة ومدى قدرتها على حماية أصولها في المنطقة ثانياً.

في إطار الملاحظات التي من الممكن استنتاجها من خلال البحث في الحدود القصوى التي من الممكن تحقيقها من خلال هذه الآليات، يمكن القول إنها لن تصل إلى حدّ اسقاط النظام وسيبقى حدود طموحها عند سقف إحضار الجمهورية الإسلامية إلى طاولة تفاوض محكومة بسقف ما تعتبره الولايات المتحدة مقبولاً بالنسبة إليها.

وعليه، بدل البحث عن النصر العسكري الذي أفشلته إيران، تذهب الولايات المتحدة باتجاه تحويل المعركة إلى معركة إرادات هدفها محاصرة الجمهورية الاسلامية في مربّع تكون فيه غير قادرة على تحمّل أكلاف المعركة، بما قد يؤدّي وفق القراءة الأميركية إلى القبول بواقع استرتيجي جديد عنوانه تقييد القدرات الإيرانية وتحجيم موقعها ودورها الإقليمي.

ورغم أنّ الصورة التي يتمّ العمل على تضخيم نتائجها هي صورة الضربات الجوية التي تنفّذها الولايات المتحدة بشكل متواتر على الجمهورية الإسلامية بالتوازي مع تقليل أثر الردّ الإيراني الذي بات يحدث بشكل سريع ويمكن إعتباره أكثر كثافة ودقة، فإنّ الولايات المتحدة لا تراهن على هذه الضربات التي لم تثبت جدواها خلال العدوان رغم أنها كانت أكبر وأكثر عدداً بآلاف المرات، حيث صرّح الأميركيون بأنّ عدد الغارات على الجمهورية الإسلامية قد تجاوز خلال 40 يوماً الـ 13000 غارة.

فالتركيز الأساسي في هذه المرحلة هو على الحصار الاقتصادي، حيث تعتبر الولايات المتحدة أنّ تمكّنها من الحدّ من صادرات النفط الإيراني ومنع التحويلات الأجنبية إلى إيران، وحرمان الدولة من الوصول السلس إلى مفاصل التجارة الدولية ومصادر التكنولوجيا اللازمة لاستمال دورة إنتاج الأسلحة ستكون كفيلة ولو بعد حين لإخضاع الجمهورية الإسلامية.

غير أنّ السؤال الذي يُطرح هنا هو حول المدة الزمنية التي تحتاجها الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف. فالواقع والتاريخ قد أثبتا قدرة الجمهورية الإسلامية على تحمّل آثار العقوبات لفترة طويلة، إذ إنها كانت منذ انتصار ثورتها هدفاً لأشكال متنوّعة من العقوبات الأميركية التي تخطت الـ7000 عقوبة مسجّلة لدى OFAC.  وبطبيعة الحال، ترتبط تلك المدة الزمنية بمدى التزام الأطراف الثالثة بتلك العقوبات، حيث إنّ الولايات المتحدة تربط حتماً نجاحها في هذا الإطار بمدى التزام تلك الدول. وعليه، كلما قلّ عدد الدول الملتزمة كلما طالت المدة هذا الصراع مع الإشارة إلى أنّ عدم التزام حلفاء الجمهورية الإسلامية سيعني حتماً فشل هذه الاستراتيجية. فالتزام فرنسا مثلاً بهذه العقوبات لن يؤدّي إلى أيّ نتيجة تُذكر متى كانت الصين أو روسيا أو باكستان أو الهند رافضة لهذا المسار.

إضافة إلى ذلك، يجب القول إنّ إيران ليست خصماً عاجزاً لا يملك القدرة على المبادرة. فقد أثبتت الجمهورية الإسلامية أنها لا تكتفي فقط بإفراغ السلوك الأميركي من مضمونه، إذ أنه لا ينبغي اختصار سلوكها بالعمل على إفشال مخطّطات الولايات المتحدة فقط. فقد أثبتت  أنها تملك القدرة على المبادرة والمناورة.

فمن خلال إثبات قدرتها على الإمساك بورقة هرمز وشلّ الملاحة فيه متى أرادت، إضافة إلى استهدافها المتكرّر والفاعل للقواعد العسكرية الأميركية في الخليج وتثبيت معادلة "إما الأمن للجميع وإما لا أمن لأحد"، من دون أن ننسى أنها هي التي تبنت أولاً استراتيجية تستهدف استنزاف الولايات المتحدة في المنطقة، إضافة إلى الواقع الدولي المتعاطف معها والذي تظهر في قمة شنغهاي الأخيرة في بيشكيك، حيث كان واضحاً أنها ليست معزولة وأنّ القوى التي اجتمعت في قيرغيزستان لن تلتزم بالعقوبات الأحادية.

وعليه، بين الجمهورية الإسلامية التي اعتادت على الحصار لفترات طويلة وتأقلمت مع واقع العدوان لناحية نجاحها في فرض معادلاتها وكذلك تغيير عقيدتها العسكرية التي باتت توصف بالهجومية، إضافة إلى امتلاكها للبعد المعنوي الضروري للثبات والمواجهة لناحية علاقاتها الدولية ولناحية أنّ شعبها ينظر لهذه المعركة على أنها معركة وجود ودفاع عن سيادة، وبين الولايات المتحدة التي تنظر لحربها على الجمهورية الإسلامية من باب الكلفة المالية والتأثير على الداخل الأميركي، حيث لا يتوانى الديمقراطيون عن التصويب على هذه الحرب على أنها فاشلة وباتت تؤثّر على موقع الولايات المتحدة في العالم، وعلى أنها مكلفة يدفع ثمنها المواطن الأميركي من دون أيّ مكسب موعود قد يحقّقه في المستقبل.

يمكن القول إنّ النتيجة الحقيقة لاستراتيجية الاستنزاف الأميركية لن تتبلور على أرض الواقع من خلال الخطابات المتكرّرة للرئيس الأميركي وإدارته، وإنما من خلال مراقبة الواقع الذي يُظهر حتى الآن ميلاً محتملاً لمصلحة الجمهورية الإسلامية، فأسعار النفط في ارتفاع دائم واستطلاعات الرأي في الداخل الأميركي تظهر تراجعاً قوياً لشعبية دونالد ترامب والحزب الجمهوري بما يعكس شعوراً شعبياً بالفشل في مواجهة إيران.