بين الروايّة والرُكام: ماذا قرأَ جنود الاحتلال الإسرائيلي في بيوت "الخيّام" ؟

في الخيام، سقطت الرواية الصهيونية، وبقي الركام شاهداً، وبقي صاحب الأرض هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة أو "تعديل من الرقابة العسكرية".

0:00
  • في بلدة الخيّام تتكئ الهضاب على تاريخٍ مثقلٍ بالرصاصِ والزيتون (أرشيف).
    في بلدة الخيّام تتكئ الهضاب على تاريخٍ مثقلٍ بالرصاصِ والزيتون (أرشيف).

في بلدة الخيّام، حيثُ تتكئ الهضاب على تاريخٍ مثقلٍ بالرصاصِ والزيتون، البلدة التي ذاقت ويلات "المعتقل" الشهير وصمدت أمام أعتى الاجتياحات، لم يترك جنود الاحتلال خلفهم فقط آثار أقدامهم الثقيلة وفضلات طعامهم المُعَلَب، بل تركوا "أَدَباً" و"رواياتٍ" كانت تُقرأ على ضوءِ القذائفِ التي هَدَمَتْ أسقف المنازل التي آوتهم غصباً.

حين عادَ ابن بلدة الخيام الجنوبية الأستاذ كامل زعرور ليتلمس جراح منزله، بعد «حرب 66 يوماً» في 2024، لم يجد خلفه فقط جدراناً منتهكة فحسب، بل وجد "فائضاً" من التناقض الأخلاقي  في مشهدٍ يختصرُ صراع الوجود: ملابس مبعثرة، قبور محطمة في الجوار، وبين هذا الهراء الفوضوي، كتابان يتوسدان الغبار: «سماء حمراء» لدانيال شنار، و «معجزة في سانتا انا» جيمس ماكبرايد. هي مفارقة تثير الغثيان والتأمل في آن واحد؛  كيف لمغتصب أرض أن يقرأ عن "الإنسانية" و "الذكاء" وهو يمارس الهمجية في أكمل صورها ؟ 

هذا المشهد ليس مجرد صدفة عابرة؛ إنَّهُ وثيقة إدانة بصرية لجيش يحاول أن "يتثقف" وهو يمارس التطهير، ويقرأ عن "المعجزات" وهو يهدم الحياة.

"سماء حمراء" : نرجسية "السوبرمان" التقني وسط الركام

لم تكن الخيام يوماً مجرد نقطة جغرافيّة، بل هي رمز للصمود اللبناني. لذا، فإنَّ قراءة جندي احتلال لرواية «سماء حمراء» في هذا المكان تحديداً تُعد إهانة للعقل.

 الرواية تتغنى ب "وحدة 8200"  وبالتفوق الاستخباراتي الرقمي، وتصور الصراع كأنَّهُ لعبة شطرنج تكنولوجية نظيفة. الرواية ليست مجرد قصة جاسوسية، بل هي "إنجيل" الغطرسة التكنولوجية الإسرائيلية. تتحدث الرواية عن "ساعر"، عبقري وحدة 8200، الذي يطارد صديقه الفلسطيني القديم "علي" في أزقة نابلس.

يقرأ الجندي في الخيام جملة مثل: "في الحرب، التكنولوجيا هي عين الرب التي لا تنام". يقرأها وهو يجلس في صالون  منزل لبناني جنوبي طُرِدَ أهله منه، معتقداً أنَّ "الدرون" التي تحوم فوق الرؤوس تمنحهُ الحق الأخلاقي في التدمير.

إنَّهم يحاولون إقناع أنفسهم، عبر هذه الروايات، بأنَّ حربهم "نظيفة" و "ذكية"، بينما الواقع في الخيام يشي بعكس ذلك تماماً؛ فما الذكاء في تحطيم شاهد قبر؟ وما التكنولوجيا في سرقة ملابس مدنيين هُجروا؟

الجندي هنا يقرأ ليرمم صورته الذاتية المهتزة؛ يقرأ ليوهم نفسه أنّهُ "بطل" في رواية تشويق، وليس مجرد آلة قتل في مشروع استعماري متهالك.

أيُّ «سماء حمراء» يقرؤون عنها وهم الذين صبغوا سماء الجنوب بفوسفورهم المحرم؟

«معجزة في سانتا انا» : سرقة الضحية حتى في الأدب 

المفارقة الأكبر تكمن في الكتاب الثاني. "معجزة في سانتا انا" رواية عالمية، تروي قصة جنود سود في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، يواجهون العنصرية والنازية ويحاولون حماية طفل إيطالي.

 لماذا يقرأ جندي في "جيش" احتلال هذه الرواية؟ هنا تكمن "سيكولوجية الإحلال". يحاول الجندي الإسرائيلي أن يتماهى مع دور "الضحية"  أو "المنقذ" الذي جسده الجنود السود في الرواية. يقرأ عن "المعجزة التي تنبت من وسط الموت"،  بينما هو يزرع الموت في بيوت الجنوب اللبناني.

إنَّ اقتباس الرواية لجميلة مثل: "في الحرب، تضيع الحقيقة، لكن الروح تبحث عن مأوى"، تتحول في يد هذا الجندي إلى نكتة سمجة. أي مأوى يبحثُ عنه وهو الذي جعل آلاف اللبنانيين بلا مأوى؟ إنَّهُ يحاول اختطاف  "أخلاقيات الضحية" ليغطي بها عورة "الجاني".

همجية "المثقف": القبر المحطم والكتاب المفتوح

إنَّ العثور على هذه الكتب يكشف عن عقيدة "الهمجية المتعلمة". فالاحتلال لا يريد فقط تدمير الحجر، بل يريد إيهام نفسه (والعالم) بأنَّهُ جيش "مثقف" يقرأ الأدب العالمي.

لكن ما وجده ابن الخيام هو الدليل القاطع على أنَّ "الثقافة" لا تمنع "الوحشية" إذا كانت مبنية على عقيدة الإلغاء.

الجندي الذي وضع علامة عند صفحة معينة في الرواية، هو نفسه الذي خرج ليركل حجارة المقابر ويحطم ذكريات الأحياء والأموات. ترك هذه الكتب في بيوت الخيام هو رسالة اعتراف ضمنية بفشل مشروعهم الأخلاقي. إنَّهم يحاولون طوال الوقت "إقناع أنفسهم" بأنَّهم على الجانب الصحيح من التاريخ، لذا يحيطون أنفسهم بنصوص تتحدث عن البطولة والمعجزات، لأنَّ واقعهم في جنوب لبنان يخلو من أي بطولة؛ هو مجرد تفوق نارٍ على أجساد مدنيين وحجارة تاريخية.

هؤلاء الجنود يعيشون في حالة "انفصام معرفي". يقرؤون عن "الصداقة المستحيلة"  في «سماء حمراء» ليخدروا ضمائرهم، كي لا يشعروا بأنَّ "علي" الفلسطيني أو "محمد" اللبناني هو إنسان بدم ولحم، بل مجرد "هدف" في شاشة عرض.

لماذا يحاولون اقناع أنفسهم؟ إنَّ ترك هذه الكتب في المنازل المدمرة ليس صدفة، بل هو أثر لجيش يصارع ليعرف "من هو". إنَّهم يقرؤون ليثبتوا لأنفسهم أنَّهم ينتمون إلى "العالم الغربي المتنور" الذي يقرأ الروايات المترجمة، لكن سلوكهم في الخيام، من سرقة وتخريب، يُعيدهم إلى أصلهم كحركة استيطانية لا تتقن سوى المحو.

خاتمة من قب الرماد

إنَّ الكتب التي وُجِدَت في الخيام لن تذهب إلى المكتبات بل يجب أن تذهب إلى المتاحف كأدلة "سيكوباتية". هي شاهدة على أنَّ "العدو" ليس قوياً كما يدعي، بل هو هش لدرجة أنَّهُ يحتاج لرواية كي يشعر ببطولة زائفة وسط منزل لم يبنِ فيه حجراً واحداً.

إنَّ هذه الروايات الملطخة بغبار الخيام ستبقى شاهداً على أنَّ الاحتلال مهما حاول تجميل صورته بالأدب والترجمة، سيبقى في نظر التاريخ والواقع مجرد سارقٍ يقرأ قصص الأبطال وهو يرتعد خلف جدرانٍ ليست له، فوق أرضٍ ستظل دائماً "حمراء" بدمائها، و "سوداء" في وجه غازيها، و"عصية" على كل معجزاتهم الزائفة.

في الخيام، سقطت الرواية الصهيونية، وبقي الركام شاهداً، وبقي صاحب الأرض هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة أو "تعديل من الرقابة العسكرية".