بوريكنا فاسو: من وهم التحرير إلى سقطة التطبيع
منطقة الساحل الأفريقي، وبوركينا فاسو خاصة، تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، وقد برز تقارب جديد مع "إسرائيل"، تزامن مع إعلان واغادوغو فك ارتباطها التاريخي بفرنسا.
-
بوريكنا فاسو: من وهم التحرير إلى سقطة التطبيع
تشهد منطقة الساحل الأفريقي، وبوركينا فاسو خاصة، تحولات جيوسياسية متسارعة، وقد برز تقارب جديد مع "إسرائيل"، تزامن مع إعلان واغادوغو فك ارتباطها التاريخي بفرنسا. وتمثل هذا التقارب في قبول أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد، بعد انتظار طويل، في خطوة تحمل دلالات سياسية لافنة.
فمن جهة، تسعى "إسرائيل" إلى استثمار الأوضاع الإقليمية الهشة، وملء الفراغ الأمني الذي أحدثه جلاء القوات الفرنسية، ومن جهة أخرى، يبحث النقيب إبراهيم تراوري عن وسيلة لكسر العزلة القارية ويواري بها إخفاقاته وسوءاته الداخلية المتفاقمة. غير أنه اختار أخطل الوسائل التي فضحت التناقض بين خطابه المناوئ للغرب الاستعماري، والمنادي بالحرية والتحرر والاستقلال، وأنتج هذا الاختيار تساؤلات جوهرية حول مدى اتساق موقف تراوري، وعلى مصداقية خطابه ومشروعه السياسي.
العلاقات البوركينية الإسرائيلية
مرت العلاقات البوركينية الإسرائيلية بحالات تذبذب منذ عام 1960 -عام الاستقلال- وحتى تاريخ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، حيث مرت بحالات قطع وعودة. بيد أن العلاقات بلغت ذروة براغميتيها في حقبة الرئيس البوركيني الأسبق بليز كومباوري، الذي تجاوز سقف العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية النمطية إلى مشاركات نوعية سياسية في المؤسسات الصهيونية. ومع تعاقب الانقلابات العسكرية، ظل مسار العلاقات خاضعاً لتقديرات آنية تتصل باحتياجات السلطة العسكرية، دون أن تبلغ مستوى القطيعة أو ترتقي لمساق استراتيجي.
حقبة تراوري: خطاب الحقل وحساب البيدر
تسنم إبراهيم تراوري السلطة في أيلول/سبتمبر 2022، وكما يفعل الانقلابيون، ابتدر عهده بخطاب ثوري منادياً بالاستقلال ومناوئاً للوجود الاستعماري الفرنسي، رافعاً شعار النهضة والسيادة، لكن هذه الانطلاقة اصطدمت سريعاً بتحديات الواقع ومعطياته، إذ فشل في الحصول على اعتراف أفريقي، بامتناع الاتحاد الأفريقي ودول القارة بسلطته، فتعززت عزلتها الدبلوماسية.
ومثلما فشلت السلطة الانتقالية في تحقيق اختراق في الفضاء الأفريقي، عجزت عن تحقيق نجاح داخلي يعالج الاحتقان السياسي ويغزل تسويات وطنية، وينسج تحالفات سياسية، في وقت تتضخم فيه الأزمات الاقتصادية والأمنية ككرة الثلج، وتبددت وعود النهضة والتقدم كالسراب، وراوحت علاقاته مع روسيا مكانها برغم الآفاق المفتوحة.
ومع ذلك، دخلت السلطة في صدام مع الأحزاب التي تم حلها، والأخطر، انتهاجها سياسات خرقاء، وخطاب سياسي اصطدم بالضمير الشعبي حين هاجم الاسلام، وهدد طلاب العلوم الشرعية، وزيف التاريخ بتحميله العرب خطايا الاستعمار وسوءاته، وهم من ذلك براء، الأمر الذي أثار احتقانات اجتماعية وسياسية عمقت الشرخ الداخلي.
وفي خضم هذه المآزق، لجأ تراوري إلى "إسرائيل" في استدارة حادة عن مساره الثوري المعلن، مستبدلاً الثورية المبدئية بالمصلحة الآنية، وانعكس ذلك سلباً على مصداقيته وصورته لدى شعبه ومؤيدي خطابه الذي نسخه التطبيع. وسقط خطاب الحقل في البيدر.
التغلغل الإسرائيلي في الساحل: الجذور والواقع
تعود جذور الاهتمام الإسرائيلي ببوركينا فاسو إلى منتصف الخمسينات، حين قادت غولدا مائير جولة أفريقية عام 1958، وأطلقت برنامج "ماشاف" للتعاون التقني، مستندة إلى نظرية "شد الأطراف" التي رأت في الدول الأفريقية الواقعة على تخوم العالم العربي وسيلة لتطويق العرب.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، أعادت "إسرائيل" تفعيل استراتيجيتها تحت شعار "إسرائيل تعود إلى أفريقيا"، وشهد عام 2009 دفعة دبلوماسية قادها أفيغدور ليبرمان، أعقبتها زيارة نتنياهو عام 2016، وكانت الأولى لرئيس وزراء الكيان إلى القارة منذ خمسة عقود.
تقوم هذه الاستراتيجية في منطقة الساحل على أربعة محاور رئيسة: استثمار موقع الساحل الجيوسياسي بوصفه شرياناً يربط شمال أفريقيا بغربها، ويتيح نفاذاً دبلوماسياً واستخبارياً، وتحويل الموقف الأفريقي الداعم للقضية الفلسطينية عبر استغلال الفجوات التنموية وبناء نخب محلية موالية، والاستثمار في الثروات، ثم مواجهة النفوذ الإيراني المتنامي، وابعادها من الثروات الأفريقية وبخاصة اليورانيوم.
وقد كشف الباحث الصهيوني يارون سلمان، أن العنصر الأمني بات المحور الأكثر تأثيراً في العلاقات مع الدول الأفريقية، إذ وظفت "اسرائيل" التدريب العسكري وبناء القدرات الاستخبارية كقنوات لتعزيز نفوذها في الدول التي تشهد توترات أمنية.
غير أن واقع التدهور الأمني في بوركينا فاسو يكشف الفجوة بين صورة "البطل المخلص" التي يسوقها تراوري وحقيقة المشهد؛ إذ وصف الكاتب زئيف أبراهامي البلاد بأنها من أخطر دول العالم، مع سيطرة الجماعات المسلحة على مساحات شاسعة، في وقت لم تحقق فيه السلطة البوركينية اختراقاً ملموساً في هذا الملف الخطير.
وفي تعضديد لما ذهب إليه يارون وأبراهامي، وضع دينس سيتروفنيتش الخبير بمعهد الأمن القومي الإسرائيلي بوركينا فاسو ضمن ساحة نفوذ روسي متسارع، بالتزامن مع تنامي أدوار تركيا وإيران، ويرسم بذلك دوافع "إسرائيل" لكسب موطئ قدم في الساحل لمراقبة منافسيها وبناء شبكات أمنية ودبلوماسية جديدة.
تزييف التاريخ ومصادم الوجدان
لم تقتصر انعطافة تراوري على المستوى الدبلوماسي، بل امتدت إلى ساحة التاريخ والهوية، في محاولة لإعادة تشكيل الوجدان الوطني على نحو يخدم تحالفاته الجديدة. ففي خطاب ألقاه في 19 تموز/يوليو 2026، زعم أن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكداً أن "آخر سوق للعبيد لم يغلق إلا عام 1962".
وتجاهل في هذه المقاربة أن تجارة الرقيق التي شكلت المأساة الكبرى في تاريخ القارة إنما كانت أوروبية بامتياز، وأن الإمبراطوريات الاسلامية التي قامت في غرب أفريقيا -كخلافة صكتو وامبراطورية التوكولور وامبراطورية واسلو- كانت أفريقية النشأة والتكوين، وقامت على أسس حضارية، لا على استرقاق الشعوب. بل إن الاسلام لم ينتشر في بوركينا فاسو نفسها إلا في منتصف القرن العشرين، بعد انهيار تلك الممالك، وارتفعت نسبته من 35% إلى نحو 63% اليوم، دون أن يصاحبه أي حضور عربي استعماري.
وما يجعل هذه الرواية التاريخية أكثر غرابة أنها تصدر عن قائد يرفع شعار التحرر من الاستعمار الغربي ويغطي ما ارتكبه من فظائع، وقد تناسى تراوري أن فرنسا هي التي احتلت بلاده بالقوة العسكرية في نهاية القرن التاسع عشر، وأنها المسؤولة عن جرائم الاسترقاق، وأنها من قتلت توماس سانكارا عام 1987، وأجهضت تجربة النهضة البوركينية.
من تزييف التاريخ إلى سياسة المواجهة
مثل تزييف التاريخ مقدمة لسياسات داخلية حادة، إذ أعلن تراوري وقف ابتعاث الطلبة لدراسة العلوم الاسلامية في الخارج، وهدد بسحب الجنسية من الراغبين في مواصلة الدراسة، واعتقل كبار علماء البلاد، وأغلق أكبر مساجد العاصمة، وأقرّ قانوناً قيد الأنشطة الاسلامية والتعليمية وكرس العالمانية، وفي خطاب تصعيدي هدد ببدء معركة مع الفاعلين في الحقل الاسلامي برغم سلميتهم واعتدالهم.
الانزلاق من الثورة إلى التطبيع
في مفارقة لافتة، تزامن الاعلان عن قبول أوراق اعتماد السفير الاسرائيلي مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب المناهض للعرب والاسلام، وكأنه غطاء لتبرير العلاقة مع كيان استعماري قام على الاحتلال والاستيطان. فبدلاً من أن يكون الخطاب الثوري مشروعاً وطنياً قائماً على العدالة والتحرر، تحول إلى أداة براغماتية قابلة لإعادة التوظيف، تبرر به السلطة الانتقالية اتبدل مواقفها، وتجرم به حلفاء الأمس الذين وقفوا معه حين كان يرفع شعارات الاستقلال، لتسهيل التحالف مع خصومهم.
بهذا وضع تراوري نفسه في مواجهة العرب الذين أثنوا على خطابه التحرري في مبتدأ عهده، وكشف أن شعارات التحرر التي رفعها لم تكن سوى غطاء لمشروع سلطوي يبحث عن البقاء بأبخس ثمن.
دروس الثورة التي انكشفت
أثبت تراوري أن الثورة التي تبيع مبادئها في أول امتحان، ليست ثورة، بل تخفي اوتوقراطي في ثياب التحرر. فمنذ اعتلائه سدة الحكم متوشحاً خطاباً مناوئاً للاستعمار، كان الرهان على مشروعه في تحقيق انجازات ملموسة تعيد تعريف السيادة الوطنية وتستجيب لتطلعات شعب يعاني ويلات الطغيان والفقر والتخلف. لكنه سرعان ما انكشف عاجزاً عن الوفاء بوعوده، معزولاً من محيطه، ومصطدماً مع وجدان شعبه وتاريخه.
وفي لحظة المفاصلة، اختار مشروعاً سياسياً يخدم السياسات الصهيونية، متنكراً لقيم الاستقلال والعدالة التي رفعها راية. وبذلك تبددت مصداقيته، وظهرت حقيقة خطابه الذي لم يكن منذ البداية سوى أداة للبقاء في كرس الحكم لا مشروعاً تحررياً.