باب المندب.. اللعنة القادمة ضد نتنياهو وترامب
باب المندب سيكون في مقدمة الأوراق التي ستلوي ذراعَي ترامب ونتنياهو، ويراها البعض أنها ستكون أشد إيلاماً من ورقة مضيق هرمز خاصة إذا ما أقدمت واشنطن على ضرب البنية التحتية الإيرانية.
-
باب المندب سيكون ورقة استراتيجية أخرى وصادمة لمن يديرون هذه الحرب.
الحروب العمياء تخلّف ألف نقطة رمادية، وتزيد النار ضراوة إن لم تتوقف في سقفها الزمني، خاصة أن الحرب إن لم تحقق أهدافها الاستراتيجية فهي تنتقل إلى مرحلة أشد ضراوة.
نتنياهو يرى ما بعد السابع من أكتوبر وإلى اليوم فرصة استثنائية، فهو يتحدث لحكومته المصغرة وللأيباك بأن "إسرائيل" لن تجد كترامب فرساً يحقق لها طموحاتها ويختصر عقوداً من العمل للوصول الى "إسرائيل" الكبرى، فضلاً عن صمت دولي أمام يده المنفلتة في غرب آسيا.
أما العدوان على إيران فقد مثل محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، كشف بشكل واضح أهمية المضائق البحرية، وبدأ بتفكيك الناتو، وخلق مرحلة جديدة من القيادة والسيطرة العسكرية الحديثة، ودفع أذرع واشنطن لتحسس رأسها مئة مرة في اليوم، وأكسبهم صبراً لم يكن معهوداً أمام خصوم غير إيران، وفي المقابل نجحت طهران بشكل كبير في امتصاص الضربات وتوجيه الداخل ضد "تل أبيب" وواشنطن.
إن إيران الدولة ذات التاريخ الضارب، ترى في الحرب فرصة لإعادة تموضعها جيداً، ليس في المنطقة فحسب، بل وفي مصافّ الدول الكبرى، ولذا فهي لا ترى في الحرب مشكلة استراتيجية بقدر ما تراها فرصة تاريخية ثمينة، تنسف من خلالها العقوبات وترسل للبيت الأبيض الذي لا يحكمه إلا إسرائيلي الانتماء بأن أي حرب على إيران أو مخطط يهدف إلى حصارها، ستدفع إلى زعزعة الوجود الأميركي في المنطقة.
لقد حولت إيران الحرب عليها إلى وسيلة ضغط استراتيجية ضد نتنياهو أيضاً واللوبي الذي يتحكم في جزء كبير من السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، فإيران بسقفها العالي في المفاوضات كأنما تقول لنتنياهو ومن يقف خلفه، إنني أساعد أميركا مستقبلاً في الابتعاد عن مخططات الإيباك، وأقدم درساً كافياً ومؤلماً لكل من يريد الذهاب بعيداً خلف "إسرائيل" بأن الثمن كبير.
باب المندب سيغلق في وجه واشنطن و "تل أبيب" في الحرب القادمة
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى هرمز والمفاوضات وكل طرف يستعد لجولة جديدة، ثمة ما هو أخطر بكثير من مضيق هرمز، وفيما يبدو أن ترامب كما لم يدرس جيداً العدوان على إيران لم يدرس بعد الأوراق الخطيرة التي ستقف في وجهه في حال فكر وشنّ حرباً جديدة، ومن ضمن هذه الأوراق باب المندب الذي تم اتخاذ قرار إغلاقه في وجه واشنطن و "تل أبيب" في أول أيام الحرب القادمة.
إن باب المندب سيكون ورقة استراتيجية أخرى وصادمة لمن يديرون هذه الحرب، خاصة أن صنعاء فيما يبدو حسمت أمرها في خيار قطع باب المندب وعدم السماح للسفن الأميركية والإسرائيلية عسكرية كانت أم اقتصادية بالمرور من هذا المضيق، خاصة بعد التشدد الإيراني في بند الحلفاء وإصرار طهران على التمسك بهم وبقوة مهما كلفها من ثمن.
كما أن باب المندب سيكون في مقدمة الأوراق التي ستلوي ذراعَي ترامب ونتنياهو، ويراها البعض بأنها ستكون أشد إيلاماً من ورقة مضيق هرمز، خاصة إذا ما أقدمت واشنطن على ضرب البنية التحتية الإيرانية، وكانت الجولة أشد ضراوة من سابقاتها، لأنها ستكون حرباً وجودية وستستفيد اليمن من القوة الإيرانية لتحارب عدو الجميع، وهو عدو يعد لجولة جديدة بعد إيران ضد اليمن، كما أنها ستكون ورقة أخرى قوية، تضاف إلى أوراق عسكرية قد تدخل المنطقة برمتها في أتون حرب طويلة ومكلفة، أو قد تدفع إلى إيقاف سريع للحرب وقبول بالحد الأدنى من تحقيق الأهداف لكل الأطراف.
إن إيران ومعها المحور قد عزموا على خوض الحرب دفعة واحدة، خير من خوضها متفرقين، واستعدوا لاحتمالات التصعيد المتوسط والعالي، وأقروا خطة استخدام الأوراق واحدة تلو الأخرى، ومنها باب المندب، الذي سيشكل سلاحاً مؤلماً في وجه أميركا و "تل أبيب" بدرجة أساسية، وفي وجه العالم الذي لا ناقة له ولا جمل في حروب نتنياهو العشوائية.
تاريخياً يمكن الجزم بأن المضائق البحرية الحساسة كمضيق هرمز وباب المندب تُعتبر نقاط ضغط جيوسياسي، والسيطرة الكاملة عليها أو إغلاقها لفترة طويلة _مع صعوبة ذلك_ أمر معقد بسبب التوازنات العسكرية الدولية وحجم المصالح المرتبطة بها، لكنها إن حدثت ستمثل صفعة تاريخية في وجه ترامب ونتنياهو، وقد تجعل محور المقاومة قوة إقليمية صلبة ومتقدمة، وهذا ما تراه إيران واليمن مهماً بل جزءاً من مستقبل هذه الدول ومكانتها الاقتصادية والدبلوماسية.