اهتزاز الناتو.... ممكن؟
إذا كانت الخلاصات الأميركية قائمة على مبدأ التفوق على الحليف الأوروبي "ليس أمامكم إلا اللحاق بخياراتنا الخاصة"، فما الذي يقوله الأوروبيون؟
-
مستقبل غامض للناتو؟
تقول وثيقة الأمن القومي الأميركي الصادرة في نوفمبر 2025، أن الولايات المتحدة يجب أن تكون متفوقة في نصف الكرة الغربي كشرط لأمنها وازدهارها. تعتبر الوثيقة أن تقديم المساعدات لحلفاء الولايات المتحدة يجب أن يكون مشروطاً بالسيطرة الأميركية على البنية التحتية والموانئ والقواعد العسكرية، وشراء الأصول الاستراتيجية.
فكرتان مطروحتان في الوثيقة كفيلتان بتحديد موقع غرينلاند في الأجندة الأميركية، وكذلك موقع الأوروبيين؛ غرينلاند هي جزء من نصف الكرة الغربي، وهي ليست فقط موقعاً استراتيجياً عسكرياً فقط، وإنما أيضاً هي موقع مهم في شبكات التوريد المقبلة، وحاضنة غنية للمعادن النادرة؛ لذلك فإن السيطرة الأميركية عليها ليست مرتبطة فقط بمنافسة الخصوم (روسيا والصين)، وإنما أيضاً بتجاهل رأي الحلفاء الذين يتلقون المساعدات، أي الأوروبيين.
تقول غريلاندا نيوس، العاملة في هيئات الناتو التنسيقية لمدة 25 عاماً، إن الاعتماد الأوروبي على السلاح الأميركي لم يتراجع، بل ارتفع بنسبة 12% خلال السنوات العشر الماضية، ما يجعل عتبة التفاوض الأوروبية منخفضة مقارنة بمستوى الشروط الأميركية.
في الوثيقة، تتجلّى نظرة ترامب الاستعلائية تجاه الأوروبيين، ومن ذلك:
1. تراجع المساهمة الأوروبية في الناتج الإجمالي العالمي من 25% عام 1990 إلى 14% اليوم، وهو ما اعتبرته الوثيقة مؤشراً إضافياً على "اضمحلال الحضارة الأوروبية". وهذا الاضمحلال يدفع واشنطن إلى التفكير في جدوى الاعتماد على الحليف الأوروبي أصلاً.
2. اعتبار الهيئات الأوروبية الجامعة، ومنها الاتحاد الأوروبي، معيقاً للهويات الوطنية وسبباً في إعاقة حرية التعبير والثقة بالنفس.
3. بعد أن كانت الولايات المتحدة، خلال الحرب الباردة، تعتبر الصراع مع الاتحاد السوفياتي أساساً لعمل حلف الناتو، تطرح الوثيقة صيغة قائمة على ضرورة التفاهم الأوروبي الروسي، الذي يحتاج إلى"انخراط دبلوماسي أميركي". باختصار "يجب على الأوروبيين التخلي عن أوهامهم فيما يتعلق بنتائج الحرب في أوكرانيا".
4. على المدى الطويل، تعتقد الوثيقة أن معظم أعضاء الناتو قد يكونون غير أوروبيين، ومع ذلك تقول إن على الأوروبيين التخلي عن تصورات التوسع الدائم للحلف.
إذا كانت الخلاصات الأميركية قائمة على مبدأ التفوق على الحليف الأوروبي "ليس أمامكم إلا اللحاق بخياراتنا الخاصة"، فما الذي يقوله الأوروبيون؟
في دراسة صدرت في منتصف 2025 لمنظمة فريدريتش إيبرت المعروفة، بعنوان "مستقبل غامض للناتو"، تصدير لمحاور الخلاف الأوروبي الأميركي داخل إطار الناتو:
1. معالجة الملف الروسي: تريد النخبة الأوروبية الحاكمة استمرار المواجهة، ولكنها أيضاً لا تريد الخروج المطلق من التعامل الاقتصادي الطاقوي مع روسيا، وفي المقابل يقول ترامب إذا أردتم المواجهة أوقفوا شراء النفط الروسي، وتقول الوثيقة الأميركية إن ألمانيا تنقل مصانع لتعمل في الصين كي تستفيد أكثر من النفط الروسي.
لا يتوقف الخلاف على المستوى الأوروبي الأميركي، وإنما يتمدد إلى المستوى الأوروبي الداخلي، فإن كان أغلب الأعضاء الأوروبيين يعتبر أن ما يسميه "نظام بوتين" في روسيا هو السبب في الحرب في أوكرانيا، يعتبر عدد منهم أن السبب هو طموحات توسع الناتو المفرطة.
2. معالجة الملف الصيني: تستورد فرنسا من الصين ما قيمته 77 مليار دولار ، و تصدر إليها ما قيمته 26 مليار دولار. المملكة المتحدة تستورد 98 مليار دولار، وتصدر 40 ملياراً، ألمانيا تستورد 169 مليار دولار وتصدر 94 مليار دولار.
حرب التعرفات الجمركية لا تعني الأوروبيين كثيراً ، ولكنها تعني لترامب الكثير!
بحسب الدراسة، وحدها الولايات المتحدة وليتوانيا تعتبران مستوى التوتر مع الصين عالياً، وخطر الحرب متوسط.
-
الولايات المتحدة وليتوانيا تعتبر مستوى التوتر مع الصين عال، وخطر الحرب متوسط.
3. الإنفاق والمساهمة في ميزانية الدفاع: الدول الوحيدة التي تجاوزت حاجز ال 2% المطلوبة عام 2014 هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليونان (ضمن عينة الدراسة). أما بعد عام 2024، فالأغلبية تجاوزت حاجز الـ 2% باستثناء إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وكندا وبلجيكا ولوكسمبرغ وسلوفينيا.
يبدو هدف 5% عائقاً أمام النمو الاقتصادي، أو حتى مشكلة اقتصادية لعدد كبير من الدول الأوروبية، ولا سيما في ظل التراجع الاقتصادي الذي تناولته الوثيقة الأميركية نفسها.
-
يبدو هدف 5% عائقاً أمام النمو الاقتصادي.
-
الدول الوحيدة التي تجاوزت حاجز ال 2% هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليونان.
تطرح الورقة الأوروبية عدداً من سيناريوهات المستقبل لحلف الناتو، بعناوين لافتة:
1. "ناتو ناقص" Transatlantic Minus : تخفف أميركي عسكري من أوروبا، من دون مغادرتها الحلف.
2. الناتو كصندوق أدوات (Nato As a toolbox): بمعنى تغير شكل الدفاع المشترك، والعمل بالقطعة بحسب الاهتمامات والأولويات والمصالح المشتركة بين أعضاء الحلف؛ عندما يكون الذهاب لاحتلال أفغانستان لا يفيد الأوروبيين مثلاً، يذهب الأميركيون وحدهم، وعندما تكون مواجهة روسيا لا تهم الولايات المتحدة الآن، يخوض الأوروبيون مغامرتهم الخاصة بأنفسهم، وهكذا...
3. حلف دفاعي أوروبي " A European Defense Union ": يعني خروج واشنطن من الحلف واستبدال الناتو بحلف أوروبي خالص.
4. ولادة جديدة: سياسة أميركية داعمة للأعضاء الأوروبيين مساهمة أوروبية أعلى
5. سيناريو "يوم القيامة" أو "بوتين في دومو": سياسة أميركية غير داعمة للأوروبيين ومعادية لهم ربما، مع فشل الأوروبيين في الاعتماد على أنفسهم.
قبل أعوام، كانت الأطروحات السياسية تتحدث عن احتمالات توسع مفرط للناتو شرقاً، وصولاً إلى اليابان كشريك آسيوي في الحلف الغربي، ولكننا اليوم، وبلسان الأميركيين والأوروبيين أنفسهم، نقف أمام احتمالات مختلفة وبعيدة عن هذا التصور، وكأننا نتأرجح بين اهتزاز الروابط التاريخية والتفسّخ الجزئي والتفكك الدراماتيكي، وتراجع احتمالات "الولادة الجديدة" للحلف أكثر من أي وقت مضى.