انتخابات البرازيل.. لولا انتصر على ترامب ونتنياهو
الرئيس لولا دا سيلفا سيواجه تحديات صعبة في علاقاته مع أحزاب المعارضة التي تمتلك 303 من مقاعد مجلس النواب من أصل 513 ومقابل 124 مقعد لحزبه و 86 لأحزاب الوسط المتحالف معه.
-
فاجأ الرئيس لولا دا سيلفا الجميع وحقق انتصاره المثير.
خلافاً لكل التوقعات واستطلاعات الرأي، فاجأ الرئيس لولا دا سيلفا الجميع وحقق انتصاره المثير على منافسه الشاب بولسونارو المدعوم من واشنطن و"تل أبيب" والمتحالفين معها في الداخل البرازيلي، حيث كان والده رئيساً للبلاد للفترة 2022-2018.
فعلى الرغم من تقدم بولسونارو الابن على لولا دا سيلفا في الجولة الأولى قبل أسبوعين، وبفارق نقطتين، إلا أن دا سيلفا استطاع أن يغيّر المعادلة ويتقدم على منافسه بحوالى 4.5 ملايين صوت في الجولة الثانية التي جرت الأحد 25 الـ من أكتوبر/ تشرين الأول.
وهو ما تحقق له بإقناع الناخبين الذين لم يدلوا بأصواتهم في الجولة الأولى لأسباب عديدة ومنها الشيخوخة أو المرض أو التقاعس، للتوجه إلى صناديق الاقتراع بعد المناظرة التلفزيونية الأخيرة بينه وبين بولسونارو. وكان لولا دا سيلفا ذكياً في الرد العنيف على منافسه الذي خاطبه بلقبه المعروف به شعبياً ألا وهو "ذو الأصابع التسعة".
فقال لولا "أنا من عائلة فقيرة كحال الملايين من أبناء الشعب البرازيلي وفقدت إصبعي عندما كنت عاملاً . في الوقت الذي كنت ووالدك وأمثالكم تنهبون أموال الدولة وقوت الشعب البرازيلي وتعادون العمال والمتقاعدين والنساء وتعيشون حياة البذخ والترف المفرط". ونجح لولا دا سيلفا أيضاً في إقناع الناخبين بأن منافسه بولسونارو مدعوم من ترامب ونتنياهو، واستمر في مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني الذي تتضامن معه غالبية الشعب البرازيلي.
وكان لهذا الموقف تأثير كبير لدى الناخبين المعادين سياسياً للدول والقوى الإمبريالية وخاصة أميركا، ومواقف الرئيس ترامب ضد دول وشعوب أميركا اللاتينية، قبل وبعد عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو من منزله، ونقله إلى أحد السجون في نيويورك. ومن دون أن يتجاهل الناخب البرازيلي التطورات اللاحقة في فنزويلا، حيث قامت الرئيسة الجديدة دلسي رودريغيز بلقاء الرئيس ترامب في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ 23 من أيلول سبتمبر الماضي، وبعد أن بدأت حواراً مباشراً مع واشنطن وتل أبيب، وسمحت لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو بالعودة إلى فنزويلا الأحد الـ 25 من أكتوبر .
انتصار لولا دا سيلفا اكتسب أهمية إضافية لعدة عوامل أخرى وأهمها التوقيت الزمني للانتخابات التي جاءت بعد سلسلة من هزائم الحكومات اليسارية في العديد من دول أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية وانتصار اليمين المتطرف المدعوم من واشنطن وتل أبيب.
فبعد فوز اليميني المتطرف الصهيوني وحليف نتنياهو خافيير ميلي في الأرجنتين عام 2023، فاز اليميني خوسيه كاست المدعوم من واشنطن في انتخابات تشيلي بعد أن هزم اليساري المتضامن مع القضية الفلسطينية غابرييل بوريك. كما فاز مرشحو اليمين المتطرف المدعومين من واشنطن وتل أبيب واللوبيات اليهودية القوية في أميركا اللاتينية في كل من الإكوادور وبوليفيا وهوندوراس وكوستاريكا وكولومبيا والبيرو وهم جميعاً من حلفاء الكيان العبري وزار معظمهم تل أبيب بعد انتخابهم فوراً ونقلوا سفارات بلادهم إلى القدس.
وهو ما دفع الكيان العبري وبالتنسيق مع واشنطن، لاستنفار كل إمكانياته وعبر اللوبيات اليهودية التي تسيطر على وسائل الإعلام وقطاع المال والشركات الكبيرة، وجميع شبكات التواصل الاجتماعي، لدعم برلسونارو في حملته الانتخابية.
واقتنع الناخب البرازيلي بأنه دخل المعترك السياسي للانتقام لوالده المحكوم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها بعد فوز الرئيس لولا دا سيلفا في انتخابات 2022. وعلى الرغم من كل هذا التحالف والتكالب الداخلي والخارجي، فقد حقق الرئيس دا سيلفا انتصاره الكبير والمفاجئ، وهو ما سيزعج الرئيس ترامب، ولما للرئيس دا سيلفا من مكانة خاصة ومميزة في العلاقات الشخصية بين زعماء العالم، كما تحظى البرازيل بعدد سكانها البالغ 213 مليون نسمة ومساحتها التي تصل إلى 8.5 ملايين كم مربع بمكانة مرموقة في العلاقات الدولية، وهي من الدول المؤسسة لمجموعة بريكس في عهد الرئيس دا سيلفا عام 2009.
وأصبح لهذه المجموعة دور فعال ومؤثر في مجمل المعادلات الدولية سياسياً واقتصادياً وبعضوية روسيا والصين وجنوب أفريقيا والهند. ومع استمرار الانعكاسات المحتملة لفوز دا سيلفا في البرازيل على انتخابات المكسيك العام المقبل، حيث يستمر التدخل الأميركي والإسرائيلي للتخلص من الرئيسة الحالية كلوديا شينباوم، استنفرت واشنطن وتل أبيب كل إمكاناتهما، السرية منها والعلنية، للتخلص من رئيس الوزراء سانشيز في انتخابات الـ 29 من نوفمبر/ تشرين الثاني، بعد أن قاد سانشيز حملة عالمية ضد جرائم الكيان العبري في غزة، والعدوان الصهيو- أميركي على لبنان وإيران، وتظاهر مئات الآلاف من المواطنين الإسبان ضد جرائم هذا العدوان.
ومع التذكير بأن الرئيس لولا دا سيلفا سيواجه تحديات صعبة في علاقاته مع أحزاب المعارضة التي تمتلك 303 من مقاعد مجلس النواب من أصل 513، ومقابل 124 مقعداً لحزبه و 86 لأحزاب الوسط المتحالف معه؛ فإن أحزاب اليمين تسيطر على ثلثي مقاعد مجلس الشيوخ الذي سيسعى لمنع دا سيلفا من تنفيذ ما وعد به ناخبيه، خاصة العمال والشباب والمتقاعدين في مجال الصحة والتعليم والخدمات الإنسانية . في الوقت الذي سيستمر فيه الرئيس ترامب، وبدعم اللوبيات اليهودية التي تسيطر على الإعلام العالمي، في استفزازاته ضد الرئيس لولا دا سيلفا، وكما هو يفعل ذلك مع رئيسة المكسيك شينباو ورئيس وزراء إسبانيا سانشيز لمنعهما من الفوز في انتخابات العام المقبل .
ويبقى الرهان في نهاية المطاف على إرادة الجماهير وعزمها للنضال من أجل حقوقها الديمقراطية والتخلص من الأنظمة الفاسدة، التي لا تحترم شعوبها، وتخضع بشكل مباشر أو غير مباشر لإملاءات واشنطن وتل أبيب، وأياً كان موقعها الجغرافي أو انتماؤها القومي والديني، وكما هي الحال في المجر الذي كان رئيس وزرائه أوربان من أقرب المقربين لنتنياهو، فتخلّص منه الشعب المجري، كما تخلّص الشعب الصربيّ من فوتشيش في انتخابات الاحد !