انتخابات أوغندا واستعصاء الأنظمة السلطوية على التغيير في أفريقيا

تتلاقى ملامح الانتخابات الأوغندية مع تجارب انتخابية مماثلة في دول أفريقية أخرى، حيث تُدار العمليات الانتخابية ضمن إطار مُحكم يضمن نتائج شبه محسومة سلفًا.

  • واجهت الانتخابات الأخيرة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ومراقبين دوليين.
    واجهت الانتخابات الأخيرة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ومراقبين دوليين.

لم يكن متوقعاً أن تحدث الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أُجريت في أوغندا في الخامس عشر من كانون الثاني/ يناير 2026 تحولًا جوهريًا في بنية النظام السياسي أو في موازين السلطة القائمة، إذ كان من المرجّح، منذ البداية، أن يستمر الحزب الحاكم في السيطرة على الحكم لولاية جديدة تمتد خمس سنوات إضافية.

وبحسب الأرقام النهائية الصادرة عن مفوضية الانتخابات الأوغندية، فاز الرئيس يوري موسفيني، مرشح حزب "حركة المقاومة الوطنية" (NRM)، بولاية سابعة، بعد حصوله على نحو 71.65% من الأصوات (قرابة 7.9 ملايين صوت)، مقابل 24.72% (نحو 2.6 مليون صوت) لمنافسه الرئيس، السياسي الشاب بوبي واين، مرشح "منصة الوحدة الوطنية". ولم تتجاوز حصة بقية المرشحين نسبة 3%، في حين راوحت نسبة المشاركة بين 58% و60%، في انتخابات شارك فيها ستة مرشحين معارضين.

الانتخابات المُهندَسة وإعادة إنتاج السلطوية

تتلاقى ملامح الانتخابات الأوغندية مع تجارب انتخابية مماثلة في دول أفريقية أخرى، حيث تُدار العمليات الانتخابية ضمن إطار مُحكم يضمن نتائج شبه محسومة سلفًا. وتتجلى هذه السمات في القمع المنهجي للمعارضة، والتضييق على الفضاء السياسي، ومنع تشكّل منافسة حقيقية، بما يفضي إلى فوز الحزب الحاكم وإعادة انتخاب الرئيس القائم بأغلبية ساحقة.

وتعكس هذه الأنماط تراجع مسار الإصلاح السياسي في عدد من الدول الأفريقية، والانزياح المتزايد نحو أنماط حكم تسلطية قائمة على الحكم الفردي، والحزب الواحد المهيمن، أو التعددية الشكلية التي تفتقر إلى مضمون ديمقراطي فعلي.

شيخوخة الرئيس واستمرارية النظام

يُعد الرئيس موسفيني، البالغ من العمر 81 عامًا، من أقدم القادة الأفارقة بقاءً في السلطة، إذ يحكم البلاد منذ عام 1986. وبفوزه في هذه الانتخابات، سيستمر في الحكم حتى عام 2031، حيث سيبلغ آنذاك السادسة والثمانين من عمره.

ومنذ استقلال أوغندا عن بريطانيا في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر 1962، عانت البلاد فترات طويلة من عدم الاستقرار السياسي، والحروب الداخلية، وتعاقب الأنظمة القمعية بدل الاستقرار السياسي والديمقراطية والازدهار والتقدم الاقتصاديين. ورغم أن فترة حكم موسفيني اتسمت بغياب الحروب الأهلية الواسعة، فإن هذا الاستقرار تحقق في إطار نظام فردي ذي تعددية سياسية مقيدة، لا تتيح تداولًا حقيقيًا للسلطة.

إعادة إنتاج نموذج عيدي أمين

في بداياته، قدّم موسفيني نفسه بوصفه قائدًا ذا نزعة تحررية يسارية، يحمل مشروعًا لبناء دولة مدنية مناهضة للحكم الشخصي والهيمنة الإمبريالية. غير أن مسار حكمه الطويل أفضى تدريجيًا إلى تكريس ممارسات تناقض تلك الشعارات.

ويُشير الأكاديمي البارز والخبير بالسياسة الأفريقية، محمود ممداني، في كتابه "السم البطيء: عيدي أمين ويوري موسفيني وبناء الدولة الأوغندية"؛ (2025)، إلى أن نظام موسفيني لم يكتفِ بإعادة إنتاج أنماط الحكم الوطنية السابقة، خاصة نظام عيدي أمين الذي ثار عليه، بل أعاد كذلك إنتاج السياسات الاستعمارية في الحكم المحلي غير المباشر، التي تقوم على تقسيم المجتمع بين "مستوطنين" و"سكان أصليين".

وفي هذا السياق، ووفقًا لتحليل ممداني، لا يُقصد بالمستوطنين الأجانب الآسيويون، كما في عهد عيدي أمين، بل المواطنون الأوغنديون الذين يعيشون خارج مناطقهم القبلية الأصلية. وقد تعزز هذا الانقسام بفعل سياسة التوسع في إنشاء المقاطعات على أسس قبلية وعشائرية، ما قوّض مبدأ المواطنة المتساوية، وخدم في الوقت ذاته استراتيجية موسفيني في البقاء في السلطة عبر "مأسسة القبلية"ما حال دون تشكل هوية وطنية جامعة في إطار مشروع بناء الدولة. 

على مدار عقود حكمه، تميّز نظام موسفيني بقدرته على تكييف الإطار الدستوري لخدمة استمراريته السياسية، إذ جرى تعديل الدستور مرتين لإلغاء القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية، ما أتاح له الترشح لسبع ولايات متتالية. وبذلك، لم يقتصر الاستبداد على القمع السياسي، بل شمل أيضًا إعادة هندسة القواعد الدستورية بما يضمن احتكار السلطة.

توريث السلطة وشيخوخة النظام

في ولايته الجديدة، لا يقتصر التحدي على طول فترة بقاء موسفيني في الحكم، بل يتصل أيضًا بإمكانية توريث السلطة لنجله، الجنرال موهوزي كاينيروغابا، قائد الجيش وصاحب النفوذ المتزايد داخل المؤسسة العسكرية، حيث تُعزز تصرفاته وتصريحاته المثيرة للجدل فرضية إعداده كخليفة محتمل، بما يعكس شيخوخة النظام ومحاولته ضمان استمراريته نظام حكم عائلي بحكم الأمر الواقع.

ورغم إدخال تعديلات سياسية منذ عام 2006، للسماح بهامش من التعددية الحزبية والمشاركة العامة في الحياة السياسية، ظل النظام السياسي خاضعًا لهيمنة الحزب الحاكم، من دون أن تُفضي الانتخابات المتعاقبة إلى أي تغيير ملموس في تداول السلطة أو ترسيخ مبادئ الحكم الديمقراطي.

"النموذج الأوغندي" في الحسابات الغربية

على الصعيد الخارجي، حافظ نظام موسفيني، رغم طابعه السلطوي، على موقعه كحليف رئيسي للقوى الغربية أو بالأحرى وكيلًا لهذه القوى، ولا سيما في منطقة البحيرات الكبرى. فقد لعبت كمبالا دورًا محوريًا في الاستراتيجيات الأمنية الغربية، ما وفّر للنظام دعمًا سياسيًا واقتصاديًا متواصلًا.

داخليًا، حققت أوغندا نموًا اقتصاديًا نسبيًا وتحسنًا في بعض مؤشرات التنمية الاجتماعية، مدفوعًا بالمساعدات الغربية وتبني سياسات نيوليبرالية. وقد أسهم ذلك في "غسل" السجل السلطوي للنظام، طالما ظل يؤدي أدوارًا تخدم المصالح الغربية في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي وعمليات السلام.

وبوصفها لاعبًا إقليميًا، حظيت التدخلات الأوغندية في نزاعات دول الجوار، مثل جنوب السودان والكونغو الديمقراطية، بدعم غربي واضح، ما عزز شعور النخبة الحاكمة بدور إقليمي يتجاوز حدود الدولة أشبه بنزعة "إمبريالية فرعية" توسعية، كما في التصريحات الأخيرة لموسفيني بشأن الحصول على منفذ عبر المحيط الهندي أو ممارسة الوصاية على بعض دول الجوار.

في إطار هذا الدور الإقليمي، شكّلت أوغندا وجهة رئيسية للاجئين من دول الجوار، خاصة تلك المتأثرة بالصراعات والحروب أو الاضطرابات السياسية، عبر سياسة وُصفت بأنها "صديقة للاجئين"، الأمر الذي أكسب نظام موسفيني إشادة المنظمات الإنسانية الدولية ولوبيات المناصرة المؤثرة في دوائر صنع القرار الغربية ما عزّز أيضًا من مكانته لدى الغرب. 

محدودية سياسة الجيل الجديد

في هذا السياق، مثّل صعود بوبي واين، الفنان الذي تحوّل إلى ناشط سياسي، تعبيرًا عن تطلعات جيل جديد يسعى إلى كسر الجمود السياسي. غير أن تجربة واين كشفت حدود التغيير عبر أدوات سلمية في مواجهة نظام سلطوي متجذر.

ورغم القمع المستمر، لا يزال بوبي واين يمثل تحديًا سياسيًا حقيقيًا، خاصة في ظل رفض شريحة واسعة من الأوغنديين لنظام الحزب الواحد. وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نحو 90% من المواطنين يعارضون هذا النموذج، إلا أن نتائج الانتخابات الأخيرة أبرزت صعوبة ترجمة هذا الرفض إلى تغيير فعلي.

وفي المقابل، طوّر النظام بدوره أدوات جديدة لإحباط صعود أنماط مقاومة حديثة، من بينها قطع الإنترنت خلال الانتخابات، خشية قدرة المعارضة، ولا سيما بوبي واين، على توظيف الفضاء الرقمي في التعبئة السياسية، خصوصًا في بلد يشكّل الشباب فيه غالبية سكانية متنامية.

انتقادات نتائج الانتخابات

واجهت الانتخابات الأخيرة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ومراقبين دوليين، حيث وُثّقت ممارسات قمعية شملت الترهيب، والاعتقالات، واستخدام القوة ضد المعارضين خلال الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع.

أما موقف الاتحاد الأفريقي، فقد بدا متناقضًا؛ فبينما أبدت بعثات المراقبة المشتركة التابعة للمنظمة ملاحظات جوهرية حول انتهاكات قوضت ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، سارع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى تهنئة موسفيني بالفوز، في مشهد يعكس إشكالية الاتحاد بوصفه "ناديًا للحكومات" أكثر من كونه ضامنًا للمعايير الديمقراطية.