تحقيق: إبستين رعى العلاقات بين "إسرائيل" والإمارات قبل التطبيع

استفاد جيفري إبستين من صداقته مع رئيس شركة "موانئ دبي العالمية" سلطان أحمد بن سليم، لتقديم عروض المنتجات الإسرائيلية والاستثمارات في الأمن السيبراني على الإمارات.

  • جيفري إبستين ورئيس شركة موانئ دبي العالمية سلطان سليم. (صورة من مقر إقامة إبستين)
    جيفري إبستين ورئيس شركة موانئ دبي العالمية سلطان سليم. (صورة من مقر إقامة إبستين)

موقع "Dropsite News" ينشر تحقيقاً يكشف الخلفيات الخفية لتشابك النفوذ الإماراتي–الإسرائيلي–الأميركي خلال العقود الماضية، مع التركيز على الدور غير المعلن لجيفري إبستين كوسيط بين النخب السياسية والاقتصادية والأمنية.

أدناه نص التحقيق منقولاً إلى العربية:

لقد قامت الإمارات، على مدى العقد الماضي، بمحاولة طموحة لفرض هيمنة إقليمية تمتد من شواطئها إلى القرن الأفريقي وما بعده، مع إيلاء اهتمام خاص بالسيطرة على البحر الأحمر. وإلى جانب مغامرتها الأخيرة مع "إسرائيل" لترسيخ كيان انفصالي في أرض الصومال، رغم اعتراض كلٍّ من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، بدأت أبو ظبي أيضاً في تحدي جيرانها عبر تعزيز انتفاضة انفصالية فاشلة في جنوب اليمن. وقد جرى قمع هذا التحرك بهجوم عسكري سريع مدعوم من السعودية، ما أفضى إلى توترات حادة مع الإمارات.

لقد تعلّمت الإمارات كيفية تجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي من خلال إتقان فن شراء النفوذ لدى النخب العالمية، ولا سيما في واشنطن، إضافة إلى شراكة استراتيجية معمّقة مع "إسرائيل" خرجت إلى العلن مع توقيع "اتفاقيات أبراهام" عام 2020. غير أنّ القصة الكاملة لكيفية اقتراب دولة خليجية صغيرة إلى هذا الحد من مركز القوة العالمية لم تُروَ بعد بشكل تام، إذ أدى جيفري إبستين دوراً في تدريب النخبة الإماراتية والمساهمة في بناء العلاقة بين "إسرائيل" والإمارات.

ويستند التقرير أدناه إلى مراسلات خاصة لإبستين تمتد لأكثر من عقد، تروي قصة علاقته الوثيقة مع الرئيس النافذ لإمبراطورية "موانئ دبي العالمية"، سلطان أحمد بن سليم، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائلات الحاكمة في الإمارات. كما يكشف التقرير الخلفية الخفية لـ"اتفاقيات أبراهام"، التي وُقّعت بعد عام واحد من وفاة إبستين.

ومؤخراً، أصبحت "إسرائيل" أول دولة تعترف بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة، ووقّعت معها إعلاناً متبادلاً "بروح اتفاقيات أبراهام"، في خطوة مفاجئة جاءت بعد أشهر من دعوة علنية أطلقها أحد أبرز المستثمرين الأجانب في الصومال، وهي شركة "موانئ دبي العالمية". وقد جادل رئيس الشركة بأن الاعتراف بأرض الصومال مبرَّر بحجم الاستثمارات التي ضخّتها الشركة في ميناء بربرة، والتي تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات.

وقد أثارت هذه الخطوة الإسرائيلية غضب حكومة الصومال، كما واجهت انتقادات من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. غير أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يعزز الموقع اللوجستي للإمارات في ميناء بربرة، حيث تقوم "إسرائيل" بالفعل ببناء قاعدة عسكرية لحماية مصالحها في البحر الأحمر من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي يشنّها الحوثيون في اليمن. وتأتي هذه الجهود الإسرائيلية لتعزيز سلطة الحكومة في أرض الصومال في وقت تواصل فيه الإمارات سلسلة تدخلاتها الجريئة في القرن الأفريقي، بما في ذلك دعمها لـ"قوات الدعم السريع" في سياق الإبادة الجماعية في السودان.

وتمثّل هذه المناورة الاستراتيجية في أرض الصومال فصلاً جديداً في تعمّق العلاقة بين "تل أبيب" وأبو ظبي. ففي العقدين الأخيرين من حياته، عمل المموّل الأميركي جيفري إبستين كجسر دبلوماسي غير رسمي بين "إسرائيل" والإمارات، من خلال صديقه المقرّب سلطان أحمد بن سليم، رئيس شركة "موانئ دبي العالمية" والمقرّب من حاكم دبي. وقد أبدى إبستين اهتماماً كبيراً بالشركة، وهي إحدى أكبر مشغّلي محطات الحاويات في العالم، وتسيطر على منطقة جبل علي الحرة في دبي، التي تُعدّ المركز اللوجستي الأساسي للتجارة العابرة للخليج. وتُعدّ منطقة جبل علي الحرة أكثر الموانئ الأجنبية التي تزورها البحرية الأميركية، إذ ترسو فيها سفن أميركية بأعداد تفوق أيّ ميناء آخر خارج الولايات المتحدة.

بعد تعافيه من أول فترة سجن له بتهمة دعارة الأطفال عام 2009، تفاخر إبستين بعلاقته مع مالك ميناء جيبوتي العميق على الساحل الأفريقي، سلطان أحمد بن سليم، الذي كان يُعرف حينها بـ"جنة المهرّبين"، ويضم أكبر محطة حاويات في أفريقيا في ذلك الوقت. وقد زعم إبستين أن علاقته بسليم كانت وثيقة جداً، إلى درجة ادّعائه أنه "كان المسؤول فعلياً" عن الميناء.

وبدت تصريحات إبستين بشأن الميناء وكأنها مبالغة كبيرة. غير أن ادعاءه بوجود صداقة حميمة مع سليم بات اليوم مدعوماً بكمٍّ هائل من مراسلاته الإلكترونية، سواء تلك المحفوظة لدى لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي، أو الواردة في قضية أخرى أمام محكمة اتحادية أميركية، إضافة إلى البريد الإلكتروني المخترق لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك. وتكشف هذه المراسلات عن علاقة وثيقة للغاية بين إبستين وسليم، امتدت على الأقل من عام 2006 حتى وفاة إبستين عام 2019، وهي الفترة الزمنية التي تغطيها الرسائل الإلكترونية المتاحة من حسابه المسرَّب على موقع "ياهو". وقد جرى التحقّق من صحة بيانات البريد الإلكتروني وتزويد موقع "دروب سايت نيوز" بها من قبل منظمة "ديستريبيوتد دينيل أوف سيكرتس". ولم يردّ سليم على طلبات التعليق بشأن علاقته بإبستين.

وكان إبستين صديقاً موثوقاً ومستشاراً لسليم، كما بدا أن شبكته تمتد عبر طبقة النخب الإماراتية. فقد لاحظ صحافي زار إبستين عام 2013 صورة معروضة في غرفة انتظار قصره في نيويورك، تُظهر إبستين إلى جانب محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي آنذاك، وهما يرتديان ملابس السباحة ومعدات الغوص. وفي العقود التي سبقت "تطبيع اتفاقيات أبراهام" عام 2020، بنت "إسرائيل" والإمارات بهدوء علاقات استخباراتية وتجارية واسعة النطاق.

وقد خرجت هذه العلاقة لاحقاً تماماً من الظل، لتبدأ الرحلات الجوية المباشرة خلال أشهر، وتتجاوز التجارة الثنائية حاجز مليار دولار خلال عام واحد، قبل أن تدخل اتفاقية التجارة الحرة حيّز التنفيذ في العام التالي، مع إلغاء معظم الرسوم الجمركية بين الطرفين. كما استثمرت صناديق الاستثمار الإماراتية بكثافة في شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والدفاعية الإسرائيلية.

وقد توفي إبستين قبل عام من توقيع هذه الاتفاقيات، ولم يعش ليرى العلاقة بين أبو ظبي و"تل أبيب" تتكشّف إلى العلن. غير أنّ جهوده خلف الكواليس لتعزيز الروابط بين النخب الإسرائيلية والإماراتية أسهمت في تمهيد الطريق لشراكة استراتيجية تعيد تشكيل المنطقة اليوم.

"الوحيد الذي قابلته مجنون مثلي"

في أوائل عام 2006، تعرّضت النخبة الإماراتية للإذلال، عندما منع السياسيون الأميركيون شركة "موانئ دبي العالمية"، من الاستحواذ على 6 موانئ بحرية أميركية رئيسية، مما حوّل المحاولة إلى فضيحة أمنية ووطنية كبرى. وبعد أن اضطرت الشركة إلى التراجع، تعهّد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بأنّ الأمة لن تتعرّض للدهشة في واشنطن مرة أخرى.

وفي أعقاب الفضيحة، ومع انسحاب الشركة من العمليات الأميركية، أرسل سلطان أحمد بن سليم بريداً إلكترونياً إلى جيفري إبستين لترتيب اجتماع في نيويورك في تشرين الثاني/نوفمبر 2006. كان إبستين متحمّساً للقاء، وضغط على سليم بقوله، "تعال في وقت أبكر". وفي العام التالي، تمّ تعيين سليم رئيساً لمجلس إدارة "موانئ دبي العالمية"، حيث واصلت الشركة التوسّع الدولي وعملت على تثبيت علاقتها مع واشنطن.

لقد تمتع إبستين وسليم بعلاقة شخصية وثيقة تجاوزت الأعمال. وفي العام 2007، بعد عدة أشهر من توجيه الاتهام إليه في فلوريدا بتهم الاعتداء الجنسي، ذكر إبستين لسليم أنّه سمع "قصة مضحكة" يعرفها كلاهما. فأجاب سليم، "نعم بعد عدة محاولات (خطأ مطبعي)، ولعدة أشهر تمكّنا من اللقاء في نيويورك. كان هناك سوء تفاهم، لقد أرادت هي بعض الأعمال، بينما أردت أنا فقط بعض العلاقات الحميمة"، أجاب إبستين، الحمد لله، لا يزال هناك أشخاص مثلك.

وفي وقت سابق من عام 2007، وأثناء تقديمه نصيحته بشأن طرح عام أولي متوقّع لشركة "موانئ دبي العالمية"، راجع إبستين الترجمات الإنكليزية المبكرة غير المنشورة التي أرسلها إليه سليم لكتاب ألّفه محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي، وقدم إبستين ملاحظاته على الترجمة لتحسين استقبال الكتاب في الخارج.

وكتب إبستين، "ينبغي على صاحب السمو أن يحرص بشدة على أن يُترجم كتابه "رؤيتي"، بحساسية ودقة. فالترجمات التي قرأتها لا تُنصف أفكاره". واقترح إبستين عنواناً جديداً هو "قصيدة بلادي"، مُبدياً رأيه الأدبي، "أنا متأكّد من أنّ جمهوراً واسعاً من الناطقين بالإنكليزية سيقرأه، ولن يفهموا عمقه إذا كانت الكلمات فظة والجمل ركيكة". وكان المكتوم قد نشر الكتاب باللغة الإنكليزية بعد عدة سنوات من دون العنوان الذي اقترحه إبستين.

وظلّ الاثنان على اتصال دائم، يناقشان استراتيجيات الأعمال، وينسّقان اجتماعاتٍ مع كبار رجال الأعمال والسياسيين، ويرتبان إجازات في جزيرة إبستين الخاصة، ليتل سانت جيمس. وكتب إبستين إلى سليم بعد رحلة ممتعة قضياها معاً في العام 2007، "أتمنى أن تكون قد استمتعت، أنا سعيدٌ بصداقتك، أنت الشخص الوحيد الذي قابلته والذي يُشاركني جنوني. وبعد وفاة إبستين، كشفت صحيفة "ميامي هيرالد" أنّ جزيرة إبستين المجاورة، ليتل سانت جيمس، قد اشتُريت باسم سليم في عام 2016. وقد صرّح أحد مساعدي سليم للصحيفة بأنّه لم يمنح إبستين إذناً باستخدام اسمه في سند ملكية العقار.

كانت مشكلات إبستين القانونية المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال تتفاقم في خلفية المرح والفساد بين الصديقين. وفي حزيران/يونيو 2008، بعد أن تمّ قبول صفقة إقرار بالذنب المثيرة للجدل منحت حصانة شاملة لـ "المتآمرين المجهولين مع إبستين"، ونصّت على عقوبة سجن قصيرة لمدة 18 شهراً، أبلغ إبستين سليم أنّهما سيضطران لأخذ استراحة من مغامراتهما معاً، "للأسف، يبدو أنني ذاهب في إجازة قسرية لمدة عام، وأتطلّع لأن أُلقي هذا الأمر جانباً، ثم أقضي وقتاً معك.

أعتقد أنه يجب أن تلتقيا

تحتوي المراسلات في حسابات إبستين على "ياهو" على عدة فجوات، ويبدو أنّ الرسائل قد حُذفت بكميات كبيرة، بما في ذلك فترة غياب كبيرة تعود إلى عام 2008، وخلال فترة سجنه الأولى في بالم بيتش. ولكن بعد عودة إبستين إلى الحياة العامة في عام 2010، أظهرت مجموعة ثانية من رسائل البريد الإلكتروني من صندوق بريد إيهود باراك المخترق استمرار ازدهار علاقة إبستين وسليم، حيث بدأ إبستين جهوداً حثيثة لتعزيز العلاقات بين النخب الإسرائيلية والإماراتية. 

وفي عدة مناسبات خلال منتصف العقد الماضي، رتّب إبستين لقاءات بين باراك وسليم، وسوّقها كفرصة لباراك للتقرّب من حاكم دبي، وتعزيز المصالح الدبلوماسية والأمنية الإسرائيلية في الخارج. وكتب إبستين إلى باراك في 18 حزيران/ يونيو 2013، "أعتقد أنَّه يجب أن تلتقيا. إنه الذراع الأيمن لمكتوم". وفي ذلك اليوم، كان باراك يزور روسيا لحضور اجتماع خاص مع فلاديمير بوتين على هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي. وكان الاجتماع مع بوتين جزءاً من قناة اتصال دبلوماسية سرية نُسّقت بمساعدة إبستين، بشأن تغيير النظام في سوريا بوساطة روسية.

ولقد كان لدى إبستين نمط في تنسيق اجتماعاته مع اجتماعات باراك، وبحسب برنامج سفر أرسله مساعده إلى إبستين عبر البريد الإلكتروني، سافر إبستين إلى دبي وأفريقيا لعدة أيام، بينما كان أصدقاؤه مجتمعين في روسيا. وبعد عودة باراك إلى "إسرائيل" من سانت بطرسبرغ، حاول إبستين تسهيل صفقة استثمارية لسليم في البنية التحتية اللوجستية الإسرائيلية، وأرسل بريداً إلكترونياً إلى باراك في 4 تموز/يوليو 2013، مرفقاً برابط لمقال إخباري حول الاستثمار الأجنبي الخاص في موانئ "إسرائيل"، وكتب، "هل هذا مناسب للسلطان؟". بينما رأى باراك أنّ الاقتراح سابق لأوانه، وقال، "أعتقد أنّه مبكر جداً. ربما عندما وإن حدث نبدأ بالانخراط بشكل أعمق في عملية سلام جادة. أو بعد الثورة المقبلة على جانبي منطقة الشرق الأوسط". لكن باراك شجّع إبستين على مواصلة تطوير العلاقة، وكتب، "أعتقد أنّه علينا التفكير ملياً في كيفية الاستفادة من هذه العلاقة.

وقد التقى باراك وسليم مجدداً في مؤتمر سانت بطرسبرغ الصيفي في حزيران/يونيو 2015، حيث تولى إبستين مرة أخرى ترتيبات الاجتماع. وكتب باراك، "أنا مدين له. في المرة الماضية دفع ثمن قهوتي ومقبلاتي". فردّ إبستين مازحاً، "بما أنه يعرف عاداتك الغذائية، فأنت مدين له بالكثير". واستمرت العلاقة التي أسسها إبستين في الازدهار، وفي 5 آب/ أغسطس 2018، راسل سليم إبستين بشأن شركة "كارباين"، وهي شركة إسرائيلية للأمن السيبراني موّلها إبستين ويرأسها باراك، والتي تُمكّن موظفي الطوارئ وخدمات الأمن من الحصول على بيانات دقيقة عن الموقع وبث مباشر للفيديو والصوت من الهواتف. وفي رسالة موجّهة إلى كل من إبستين وباراك، أبلغ سليم إبستين بأنّه ينوي أيضاً الاستثمار في الشركة، وأنّه ناقش مع مؤسسها أمير إليشاي، سبل استخدام هذه التقنية لخدمة "دبي 911" ولأمن الأفراد في الموانئ البحرية التي تديرها "موانئ دبي العالمية".

وقد أعاد سليم توجيه بريد إلكتروني من إليشاي، وهو أحد قدامى المحاربين في وحدة الاستخبارات الإلكترونية 8200 الإسرائيلية، يقترح فيه مشاركة سليم في حملة التمويل الثانية لشركة "كارباين" في ذلك العام. وبعد لقاء إبستين وباراك، استثمر بيتر ثيل أيضاً في هذه الجولة. وقد عرّف إبستين باراك وإليشاي على أحد "الصناديق الاستثمارية"، بينما ساعد باراك في بناء علاقات مع كبار المسؤولين الأمنيين في منغوليا. وقد تطورت تلك المحادثات إلى اتفاقية أمنية رسمية بين "إسرائيل" ومنغوليا في عام 2017، تضمنت خططاً لدمج منتجات "كارباين" في جهاز الطوارئ المنغولي.

لم يتمكّن موقع "دروب سايت" من تأكيد ما إذا كان نظام "كارباين" قد نُشر في دبي أو في عمليات الموانئ في دبي. ومع ذلك، تشير التقارير العامة اللاحقة إلى أنّ مستثمرين إماراتيين انخرطوا سريعاً في "كارباين" بعد تطبيع العلاقات بموجب "اتفاقيات أبراهام" في عام 2020. وفي أيلول/سبتمبر 2022، أعلنت كارباين عن جولة تمويل من الفئة "ج" بقيمة 56 مليون دولار، وذكرت "صندوقاً إماراتياً" ضمن المستثمرين المشاركين. وفي عام 2024، استثمر رجل الأعمال الإماراتي محمد الظاهري أيضاً في "كارباين"، كجزء من محفظة استثمارية مرتبطة بمنظومة مطار أبو ظبي والبنية التحتية الأمنية.

واستمر تدفّق الأموال الإماراتية إلى شركة "كارباين"، وفي تموز/يوليو 2025، جمعت الشركة 100 مليون دولار بمشاركة من شركة تالك للاستثمار وشركة كاف للاستثمارات، وهي المكتب العائلي لمشعل حمد كانو، ومقره دبي. وتضم صفحة المستثمرين في "كارباين" الآن يوسف العتيبة، سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، الذي عيّنه محمد بن زايد لإعادة هيكلة عمليات الضغط الإماراتية في الولايات المتحدة بعد فضيحة "موانئ دبي العالمية"، وقد نسج علاقات طويلة الأمد مع مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ديفيد بترايوس، وهو أيضاً من داعمي "كارباين".

أسلحة ومخدرات والماس

منذ ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت الإمارات العربية المتحدة مركزاً رئيسياً لعبور الأحجار الكريمة والمعادن والبضائع المهرّبة من جميع أنحاء العالم. وخلال ذلك العقد، تحوّلت هذه الإمارة الهادئة سابقاً، والمعروفة بصناعات صيد الأسماك والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، إلى مركز لرأس المال العابر للحدود، بما في ذلك تهريب الأسلحة والألماس وغسيل الأموال.

وكان بنك "الاعتماد والتجارة الدولي" محورياً في هذا التحوّل، وهو بنك أُنشئ برأس مال تأسيسي من حاكم أبو ظبي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، واكتسب سمعةً كونه القناة المالية المفضّلة لأجهزة الاستخبارات والجريمة المنظمة خلال "فضيحة إيران كونترا"، وهي شبكة سرية لتهريب الأسلحة والكوكايين ارتبط بها إبستين وعدد من شركائه، حيث مُوّلت صفقات الأسلحة السرية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية باستخدام حسابات في "بنك الاعتماد والتجارة الدولي" وشبكته الواسعة من الكيانات الوهمية، مما سمح بإخفاء المعاملات غير المشروعة عبر الحدود، مثل شحنات الأسلحة والمخدرات التي تُقدّر بملايين الدولارات، عن أعين الجهات الرقابية والرأي العام. 

وبينما قامت طائرات تابعة لشركة "ساوثرن إير ترانسبورت"، وهي شركة طيران واجهة مملوكة لوكالة المخابرات الأميركية المركزية، بنقل الأسلحة والكوكايين عبر شبكة لوجستية معقدة تربط الولايات المتحدة، ونيكاراغوا و"إسرائيل" وإيران. وبعد أن كشف الصحافيون "فضيحة إيران كونترا"، داهمت السلطات عمليات بنك "الاعتماد والتجارة الدولي" العالمية، وانهار البنك عام 1991. وبعد عام، أشار تحقيق أجرته لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي إلى العلاقة الوثيقة بين آغا حسن عابدي، الرئيس الباكستاني للبنك، والشيخ زايد حاكم أبو ظبي. ووفقاً للتقرير، أغدق عابدي على الشيخ اهتماماً بالغاً، وأرضاه بينما كان يُنسّق كل شيء، "بدءاً من بناء قصور الشيخ في باكستان، وتأثيث فلله في المغرب وإسبانيا، ومواعيده الطبية، وصولاً إلى حفر الآبار لمنازله في الصحراء.

وقد أدلى مسؤولون في مجلس بنك "الاعتماد والتجارة الدولي" لاحقاً بتصريحات أمام محقّقي مجلس الشيوخ، تفيد بأنّ عابدي هو من أسس دولة الإمارات العربية المتحدة فعلياً من خلال علاقته بالشيخ زايد، بل وأشاروا إلى أنّ رئيس المجلس كان صاحب فكرة هيكلة الدولة في الأصل على شكل اتحاد من الإمارات شبه المستقلة المعروفة باسم "الإمارات"، والتي استمدت منها اسمها. ونفى محامو عائلة آل نهيان أي دور للشيخ زايد في عمليات مجلس بنك "الاعتماد والتجارة الدولي" غير المشروعة، وزعموا أنّ مسؤولي البنك أخفوا أنشطتهم الإجرامية عنه. وخلال فترة ازدهار بنك دبي التجاري الدولي، وسط استثمارات عالمية متسارعة في الإمارات العربية المتحدة، ساهم سليم في قيادة تطوير البنية التحتية للشحن والخدمات اللوجستية في دبي. وفي عام 1985، عُيّن رئيساً لجمعية المنطقة الحرة لجبل علي "جافزا"، وهي المنطقة الصناعية الملحقة بميناء دبي البحري والجوي الرئيسي، حيث يمكن للشركات استيراد وتخزين وإعادة تصدير البضائع بسرعة، بحراً أو جواً، من دون المرور عبر الجمارك..

ونظراً لعدم إبلاغ المناطق الحرة في الإمارات الأمم المتحدة ببيانات الشحنات، فقد أصبحت نقاط عبور رئيسية للبضائع غير المشروعة المتجهة من وإلى أفريقيا، حيث يُهرّب التبغ من منطقة دبي الحرة إلى ميناء جيبوتي لتوزيعه في أنحاء أفريقيا. وبالمثل، كانت الأسلحة تُنقل على نحو متكرر من الإمارات إلى جيبوتي، حيث كانت شهادات مزورة تخفي البنادق والقنابل اليدوية والذخيرة في أثناء نقلها إلى الصومال

كما كانت الإمارات مركزاً لوجستياً حيوياً خلال الحرب الأهلية الأنغولية التي انتهت في مطلع القرن الجاري. وفي ثمانينيات القرن الماضي، حلّقت طائرات "شركة النقل الجوي الجنوبي" مئات الرحلات فوق أنغولا، ناقلةً شحنات من وإلى مناجم الألماس، بينما يُزعم أنها كانت تُسقط أسلحة من الجو لجيش يونيتا المتمرد، وهي جماعة مسلحة تشن صراعاً ضد الحكومة الأنغولية. كذلك، أصبحت مدينتا دبي والشارقة أساسيتين في إمداد الأسلحة والألماس الذي غذّى الحرب. وفي تسعينيات القرن الماضي أيضاً، خلال العقد الأخير من تلك الحرب، استخدم فيكتور بوت، تاجر الأسلحة الروسي المعروف باسم "تاجر الموت"، المناطق الحرة كمراكز جوية لنقل الأسلحة المخصصة لجنود يونيتا.

وقد فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظراً على الألماس عام 1998، بهدف تقييد استيراد الألماس المستخرج من مناطق النزاع في أنغولا. وفي مطلع عام 2000، ومع ازدياد التدقيق العالمي على "الألماس الدموي" المقبل من مناطق الحرب، قامت الحكومة الأنغولية بتوحيد صناعة الماس الخام القانونية في كيان واحد يهيمن عليه تاجر ألماس إسرائيلي اسمه ليف ليفيف، في خطوة تهدف إلى إقصاء حركة يونيتا من السوق. وفي شباط/فبراير 2002، اغتيل زعيم يونيتا جوناس سافيمبي، على يد الجيش الأنغولي، الذي كان مدعوماً آنذاك من قبل مدير الموساد السابق داني ياتوم وعدد من كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين المتقاعدين.

وبعد 3 أشهر من وفاة سافيمبي أسس سليم مركز دبي للسلع المتعددة، ومقر بورصة دبي للألماس في برج الماس التابع لمركز دبي للسلع المتعددة، ويضم مكتباً لعملية كيمبرلي، حيث يُفحص الألماس الخام واعتماده للتصدير. ومع إنشاء قناة تصدير منظمة، فُكّكت شبكات تجارة الألماس غير المشروعة التابعة لحركة يونيتا بسرعة، واقتربت حرب أنغولا من نهايتها.

وبحلول عام 2007، عُيّن ابن سليم رئيساً تنفيذياً لمركز دبي للسلع المتعددة، حيث أصبح المركز نقطة الاختناق البيروقراطية الرئيسية لتوجيه الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة من أفريقيا إلى بقية أنحاء العالم. وبحسب الصحافية فيكي وارد من مجلة "رولينغ ستون"، تفاخر إبستين لاحقاً بأنّه جمع ثروته من "الأسلحة والمخدرات والألماس". وعندما داهمت السلطات الفيدرالية قصر إبستين في نيويورك في تموز/يوليو 2019، عثرت على ثمانية وأربعين حجر ماس غير مرصّع، وخاتم ماس كبير في خزنة مقفلة. وتشير وثائق نُشرت في كانون الأول/ديسمبر 2025 بموجب قانون شفافية ملفات إبستين إلى أنّ الألماس خضع لتقييم مختبر متخصص في تصنيفه بين عامي 1998 و2004، بينما لا يزال المصدر الأصلي لحصول إبستين عليها مجهولاً.

صافح ترامب

مع استمرار الإمارات في تطورها لتصبح عاصمة مالية عالمية في العقد الأول من القرن الجاري، ساعد إبستين في تنمية العلاقات بين الدولة وعملاق الاستثمار "جي بي مورغان". وفي عام 2009، قام إبستين بربط سليم بصديقه جيس ستالي، الرئيس التنفيذي آنذاك لبنك "جيه بي مورغان" للاستثمار، في محاولة لتعزيز مكانته في الخليج، حيث فضّلت العائلات المالكة منذ فترة طويلة المصارف السويسرية.

في كانون الأول/ديسمبر من ذلك العام، رتّب إبستين اجتماعاً مع ستالي وسليم لبدء مناقشات حول مشاريع مختلفة تخص بنك "جيه بي مورغان"، بما في ذلك استحواذ صيني مقترح على شركة موانئ دبي العالمية. ونصح إبستين ستالي بالظهور بمظهر "رجل دولة كبير" والاحتفاظ بالتفاصيل الدقيقة للموظفين ذوي الرتب الأدنى. ونصحه وقال له، إنَّ "السلطان يمهّد لك الطريق لتأسيس وجود قوي". وتابع إبستين الاجتماعات من كثب، وكتب في اليوم التالي، "هل تستمتع"، فأجاب ستالي، "رائع، لقد اجتمعت مع ولي العهد تواً.

ولم تكن المحادثات جميعها بين الرجلين ذات طابع تجاري بحت. فقبل بضعة أشهر، ووفقاً لوثائق دعوى قضائية رفعتها جزر العذراء الأميركية ضد بنك "جيه بي مورغان" بشأن أنشطة إبستين الإجرامية، أرسل سليم إلى إبستين مقالاً عن ويليس ناكلز، وهو سياسي ليبيري أُجبر على التنحي عن السلطة بعد ظهور صورة له وهو يمارس علاقات جنسية غير شرعية مع امرأتين. ثم قام إبستين بإعادة توجيه البريد الإلكتروني من سليم، إضافة إلى صورة فاضحة مرفقة، إلى ستالي.

وفي أواخر عام 2009، كان يوسف العتيبة سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة والذي استثمر لاحقاً في شركة "كارباين" الإسرائيلية، يعمل من كثب مع المحتال الماليزي سيئ السمعة جو لو، الذي عرّف العتيبة على رئيس صندوق الثروة السيادية الإماراتي، ووفقاً لدعوى قضائية رُفعت ضد لو في محكمة المقاطعة الشرقية لنيويورك، استغل لو هذه العلاقة لإقناع المسؤولين الماليزيين بإنشاء صندوق ثروة سيادي خاص بهم، وهو صندوق التنمية الماليزي. وقد تبيّن لاحقاً أنّ جو لو اختلس مليارات الدولارات من الصندوق المذكور، ولا يزال طليقاً، وأصبحت قصته موضوعاً للعديد من الأفلام والكتب.

وفي رسالة بريد إلكتروني تعود إلى عام 2013، حصل عليها موقع "دروب سايت"، أرسل العتيبة تعليمات بتحويل مبلغ 30 مليون دولار أميركي، الذي استلمه مؤخراً من بنكه السويسري "لومبارد أودير"، إلى حساب مصرفي لدى بنك "جيه بي مورغان تشيس" في ولاية ديلاوير، وذلك في 9 تموز/يوليو من ذلك العام. ولا يزال مصدر هذا المبلغ غير واضح، إلا أنّ صحيفة "وول ستريت جورنال" ذكرت آنذاك أنّ العتيبة وزميلاً له اختلسا ما لا يقل عن 66 مليون دولار أميركي من حسابات خارجية مرتبطة بجو لو.

وفي نيسان/أبريل 2013، أي قبل نحو 8 أسابيع من إيداع 30 مليون دولار في حساب عتيبة السويسري، جمعت شركة صندوق التنمية الماليزي مبلغ 3 مليارات دولار من خلال بيع سندات مشتركة مع أبو ظبي. ووفقاً لرسائل عتيبة الإلكترونية، كان مع شريكه شاهر عورتاني، هما جهة الاتصال الرئيسية لجو لو في الإمارات، حيث قدّما له تعريفات بالممولين اللازمين لإتمام مثل هذه الصفقات. ولم يرد عتيبة على طلب التعليق بشأن عملية التحويل

وفي وقت لاحق، تورّط بنك "لومبارد أودير" في فضيحة غسيل الأموال. وأُدين بنك إدموند دي روتشيلد، ومقره لوكسمبورغ، بتهمة غسيل الأموال المتعلقة بقضية صندوق التنمية الماليزي. كذلك كان إبستين على علاقات وثيقة بالبنك من خلال صداقته مع مالكته أريان دي روتشيلد، واستغل هذه العلاقة لاحقاً على أمل تمويل تطوير أسلحة إلكترونية إسرائيلية. 

وبعد عودته إلى واشنطن، عمل العتيبة من كثب مع السفير الإسرائيلي آنذاك لدى الولايات المتحدة رون ديرمر، مُوفراً له غطاءً عربياً في الوقت الذي عارض فيه الاثنان الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما مع إيران. وقال مسؤول رفيع في البيت الأبيض في حينه، "العتيبة لديه نفوذ في بعض أروقة الكونغرس، يستخدمه للتشكيك في موقف الإدارة تجاه إيران. ويبدو الأمر أقل اندفاعاً سياسياً حين يتعلق الأمر بـ"إسرائيل" أو دولة عربية أخرى.

عندما خاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الكونغرس معارضاً الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، دعا ديرمر العتيبة ليكون ضيفه في قاعة البرلمان، لكن العتيبة رفض الدعوة، لأن المناخ السياسي آنذاك لم يكن مهيأً لمثل هذا التنسيق العلني. وعند سؤاله عن التحالف بينهما آنذاك، قال مسؤول رفيع المستوى في السفارة الإسرائيلية، كان له نفوذ لدى نتنياهو: "إن وقوف إسرائيل والدول العربية معاً هو الورقة الرابحة في نهاية المطاف، لأنّه يُبعد الأمر عن السياسة والأيديولوجيا. فوقوف إسرائيل والدول العربية معاً يمنح قوة هائلة".

الخروج من الخزانة

اتخذت الشراكة الاستراتيجية الناشئة بين الإمارات و"إسرائيل" بعداً شخصياً متزايداً، حيث ساعد إبستين عائلة سليم في الحصول على رعاية طبية إسرائيلية عالمية المستوى لابنة سليم، التي أصبحت غير قادرة على الكلام بعد تعافيها من مرض خطير. وبين عامي 2014 و2017، ساعد إبستين في ربط سليم بمعالجين وأطباء، واستفسر سليم عن إمكانية تلقّي العلاج من طبيب الأعصاب الإسرائيلي شاي إفراتي. وأرسل سليم عدة رسائل بريد إلكتروني إلى إبستين حول إفراتي، بما في ذلك مقال من "بي بي سي فيوتشر" بعنوان "إعادة الموتى إلى الحياة"، ومعلومات عن علاج إفراتي بالأكسجين عالي الضغط، ورابط لمحاضرة إفراتي على منصة "تيد إكس" بعنوان "عكس الشيخوخة". وسأل سليم إبستين إن كانت لديه جهات اتصال مع هؤلاء الأشخاص، وكتب، "هل يمكنك التحقق مما إذا كان هذا العلاج مناسباً لابنتي.

وتُظهر رسائل بريد إلكتروني نشرتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي، أنّ الحصول على خدمات طبية متميزة كان أحد مزايا صداقة إبستين، وقد رتب إبستين ترتيبات طبية مماثلة لستيف بانون في الفترة نفسها. وكتب إبستين إلى بانون في آب/أغسطس 2018، "إذا سافرت إلى بالم بيتش، يُمكنك إجراء جميع فحوصات الدم وغيرها لدى رئيس عيادة مايو وهو صديق عزيز". وأضاف نصيحة، "تذكير، المال والطب وقانونهما، لليهود فقط.

وقد بدت جهود إبستين لربط سليم بأفضل رعاية طبية إسرائيلية واعدة في عام 2018، عندما أرسل سليم وثيقة تأكيد علاج تُدرج اسم زوجته وأطفاله في مركز أساف هاروفيه الطبي (مركز شامير الطبي حالياً)، حيث يقع مركز ساغول للطب بالأكسجين عالي الضغط التابع لإفراتي. وبعد أسابيع، أرسل سليم لإبستين تفاصيل حملة لجمع التبرعات لمرضى سرطان الأطفال في مؤسسة خيرية إسرائيلية، كان ينوي دعمها.

كما تُظهر الرسائل الإلكترونية مستوىً استثنائياً من الثقة الشخصية بين الرجلين، والتي استمرت خلال السنوات الأخيرة من حياة إبستين. ففي أوائل عام 2017، وبعد تلقّيه دعوة من توم برّاك مستشار حملة دونالد ترامب آنذاك والسفير الأميركي الحالي لدى تركيا، لحضور حفل تنصيب ترامب الأول، تواصل سليم فوراً مع إبستين ليطلب منه نصيحةً حول كيفية التعامل مع هذه الدعوة. وكتب سليم، "هل تعتقد أنّه سيكون من الممكن مصافحة ترامب"، فأجابه إبستين، "سيحضر الكثير من الناس. سيكون المكان مزدحماً للغاية. ولكن إذا استطعت مقابلة بعضهم قبل أو بعد الحفل في واشنطن أو نيويورك، فقد يكون الأمر يستحقّ العناء، ولكنه أمرٌ مستبعد.

وفي العام ذاته طلب سليم 30 مجموعة اختبار الحمض النووي من شركة للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، لتُسلَّم إلى قصر إبستين واستلامها لاحقاً من قبل مسؤولي شركة طيران الإمارات. وقد استمرت المراسلات والصداقة بين إبستين وسليم حتى اعتقال إبستين للمرة الثانية بتهمة الاتجار بالجنس في تموز/يوليو 2019، ووفاته في السجن بعد شهر واحد. في أثناء ذلك، واصلت العلاقات بين الإمارات و"إسرائيل" تطورها السريع، مما أدى إلى توقيع "اتفاقيات أبراهام" في أيلول/سبتمبر 2020، إضافة إلى اتفاقيات تجارية رفيعة المستوى كان سليم في طليعتها.

وبعد شهرين من توقيع الاتفاقيات، وقّع سليم مذكرة تفاهم مع شركة "موانئ دبي العالمية "لتقييم فرص تطوير الموانئ والمناطق الحرة الإسرائيلية وإنشاء خدمة بحرية بين إيلات في "إسرائيل" وجبل علي في دبي". وأشاد ابنه أحمد بهذه الخطوة باعتبارها خطوة مثمرة نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. وفي مقابلة أجريت في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 حول "اتفاقيات أبراهام" قال إيهود باراك الصديق المقرّب لإبستين، للصحافي أفشين راتانسي،"أنا سعيد لأن الإمارات والبحرين أعلنتا عن استعدادهما لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات معنا، وآمل أن تحذو دول أخرى حذوهما. إنّه تطور إيجابي، بالطبع، ليس سلاماً حقيقياً، ولا يُعدّ اختراقاً كبيراً. نعرف هؤلاء الأشخاص منذ 25 عاماً، وتربطنا بهم علاقة وثيقة للغاية في العديد من المجالات". ثم انسحب باراك من المقابلة بعد أن ألمح راتانسي إلى تورّط "إسرائيل" في دعم سري لجماعات إسلامية متشددة.

ولم تزد العلاقات بين "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة إلا عمقاً في السنوات اللاحقة، على الرغم من أنّ الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة أثارت استنكاراً دولياً واسعاً. ومنذ نحو عام، وقّعت الإمارات صفقة دفاعية بقيمة 2.3 مليار دولار مع شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية، وتُعدّ من أكبر صفقات بيع الأسلحة في تاريخ "إسرائيل". ورغم أنّ إبستين لم يعش ليرى هذه الاتفاقيات تُثمر، إلا أنّ القنوات الخاصة التي ساهم في بنائها بين النخب الإماراتية والإسرائيلية سهّلت إتمامها. واليوم، تتلاقى هذه الشبكات نفسها لدعم أرض الصومال، حيث يُعدّ سلطان سليم، صديق إبستين القديم، من أبرز الداعمين الإماراتيين لهذا الاتجاه.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.