الميدان الأوكراني ودواعي الاستعانة المستمرة بالتقنيات الجوية "العتيقة"

المناطيد، وإن كانت من أقدم التقنيات الجوية، فإنها تعود مرة أخرى بشكل جديد في إطار الميدان الأوكراني، ليس كسلاح حاسم أو رادع، بل كجزء من صراع جار بين الابتكارات الجوية ووسائط الدفاع الجوي.

  • إعادة إحياء المناطيد كسلاح حربي.
    إعادة إحياء المناطيد كسلاح حربي.

في منتصف حزيران/يونيو 2026، أعلن "مركز التقنيات المبتكرة" الأوكراني، عن تطوير صاروخ هجومي، يُدعى "دارت"، يُمكن إطلاقه من بالونات غازية تحلق في طبقة "الستراتوسفير" الجوية، على ارتفاع يتراوح بين 12 و18 كيلومترًا، ويتسم بمقاومته تدابير الحرب الإلكترونية المختلفة، وهو تطور لا يحمل فقط دلالات مرتبطة بتطور أشكال العمليات الصاروخية، بل يرتبط هذا الأمر أيضاً بتزايد اعتماد طرفي القتال في الميدان الأوكراني، على تقنيات جوية "عتيقة" مثل استخدام المناطيد الغازية.

في تفاصيل الصاروخ الجديد، يبلغ طوله نحو مترين، ووزنه فارغًا 13 كيلوغرامًا، ويحمل شحنة متفجرة تتراوح بين 4 و10 كيلو غرامات، ويُوجّه في بداية تحليقه انطلاقاً من المنطاد الحامل له، بواسطة نظام ملاحة بالأقمار الصناعية، لكن بمجرد هبوط الصاروخ إلى ارتفاع 6 كيلو مترات عن الهدف، يتم إيقاف نظام الملاحة بالكامل، وتشغيل محرك عامل بالوقود الصلب، يقوم بتوجيه الصاروخ مباشرة نحو هدفه من دون تغيير مساره، وهو تكتيك يوفر لهذا الصاروخ مناعة كبيرة من تأثيرات أنظمة التشويش والحرب الإلكترونية.

على المستوى الاستراتيجي، يمثل هذا الصاروخ الذي سيخضع للتقييم النهائي من وزارة الدفاع الأوكرانية في المستقبل القريب، أحدث خطوة في سلسلة التقنيات التي تعمل كييف على إنتاجها بشكل متسارع، لتأمين قدرات مستدامة على تنفيذ ضربات صاروخية متوسطة وبعيدة المدى على الأراضي الروسية، إلى أعماق تزيد عن مئة كيلو متر، بهدف الضغط على القرار الروسي في هذه المرحلة، سواء من زاوية الأثر النفسي والميداني لهذه الضربات، أو الخسائر التي تلحقها في المنظومة الاقتصادية والصناعية الروسية.

المناطيد.. العودة مجدداً إلى الوسائل العتيقة والزهيدة

النقطة اللافتة في ما يتعلق بهذا الصاروخ الجديد، تكمن في الاستعانة بالمناطيد الغازية كوسيلة إطلاق أساسية له، بسبب تكلفتها الزهيدة وسهولة إنتاجها، وكذا صعوبة رصدها عبر الرادارات، وقدرتها على البقاء في الجو لفترة طويلة، والأهم الاستفادة من اتجاه الرياح السائدة من الغرب إلى الشرق، وهو ما يسمح بسهولة توغل هذه المناطيد في اتجاه عمق الأراضي الروسية.

حقيقة الأمر أن هذا الملف يعدّ من الملفات "الغامضة" في المجريات الميدانية التي تتفاعل منذ نحو خمسة أعوام في أوكرانيا، إذ لم تتضح بشكل كبير أبعاد استخدام المناطيد من جانب الجيشين الروسي والأوكراني إلا مؤخراً. روسيا من جانبها، بادرت مطلع عام 2023، إلى استخدام المناطيد الغازية في تكتيك لم يكتب له النجاح – حاولت أوكرانيا تنفيذه أيضاً – ويقضي بتركيب عاكسات رادارية على المناطيد، تهدف إلى خداع الرادارات المعادية وإيهامها بوجود أهداف جوية، إلا أن اتجاه الرياح المعاكس للأراضي الروسية، أوجب تزويد هذه المناطيد بمحركات مكبسية، ما تسبب في فقدان هذه الفكرة ميزتها الأساسية، ألا وهي التكلفة الزهيدة.

أوكرانيا من جانبها استخدمت المناطيد في أغراض الاستطلاع والتمويه، لكن كان هذا الاستخدام محدوداً للغاية، ولم يبدأ في التوسع إلا في أيلول/سبتمبر الماضي، حين أطلقت أوكرانيا – خلال هجوم ليلي واسع بالطائرات المسيرة استهدف العاصمة الروسية ومناطق أخرى، أعداداً كبيرة من المناطيد الغازية، كان الترجيح حينها أن الهدف منها هو تضليل الرادارات الروسية، وإيهامها بوجود أهداف جوية كبيرة، لكن في شهر أيار/مايو الماضي، أظهرت مقاطع مصورة، أن أحد هذه المناطيد قد أطلق طائرة مسيرة من نوع "هورنيت" أميركية الصنع، وهي طائرة هجومية موجهة بالذكاء الاصطناعي، من إنتاج شركة "بيرينال أوتونومي" الأميركية، وتُستخدم على نطاق واسع في أوكرانيا ضد خطوط الإمداد الروسية.

من هنا، اتضح أن الهدف من استخدام المناطيد، كان توفير مدى إضافي لهذه الطائرة، عبر حملها إلى عشرات الأميال قبل إطلاقها من ارتفاع يبلغ 8 كيلو مترات، ما يوفر الطاقة التي تتزود بها بطاريات هذه الطائرة العاملة بمحرك كهربائي، ويسمح لها باستهداف مواقع أبعد من المدى الأقصى الذي تم تصميم هذه الطائرة على أساسه، والذي يتراوح بين 150 و200 كيلو متر.

جدير بالذكر هنا، أن الجيش الروسي بداً بالفعل في اختبار مناطيد عسكرية لأغراض مستحدثة، فبعد أن فرضت شركة "سبيس إكس" الأميركية، قيودًا على محطات "ستارلينك" للإنترنت عبر الأقمار الصناعية فوق أراضي شرق وجنوب أوكرانيا، ما أدى إلى قطع الاتصال بين الوحدات الروسية في هذه النطاقات، بدأ الجيش الروسي تجربة منطاد "باراج-1"، المصمم لحمل محطة تقوية بيانات، بهدف سد الفجوات الناتجة من هذه الخطوة، وهو دور وظيفي إضافي للمناطيد، يتوقع أن يشهد تطوراً أكبر خلال المدى المنظور.

ميزات استراتيجية وتحديات تكتيكية

بهذا النسق يمكن القول إن استخدام المناطيد الغازية كمنصات إطلاق للصواريخ والطائرات المسيرة، بات اتجاهاً اٍساسياً من اتجاهات تطور التسلح الأوكراني، بهدف استغلال عدد من الميزات التكتيكية، على رأسها صعوبة تعطيل منصة الإطلاق – المنطاد - بواسطة وسائط الحرب الإلكترونية. فالتشويش اللاسلكي قد يُؤثر في وصلة التحكم الخاصة بالطائرة المسيرة المرفقة بالمنطاد، أو نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية، أو وصلة نقل البيانات، لكنه لا يستطيع تغيير اتجاه الرياح التي تحمل المنطاد.

رغم هذه الميزة الأساسية، فإن هذا لا يعني أن المناطيد محصنة تمامًا، إذ يمكن رصد المناطيد بواسطة الأنواع الحديثة من الرادارات الجوية، أو الأنظمة الكهروبصرية، أو عناصر المراقبة بالنظر، كما يمكن اعتراضها، مع أن ذلك قد يتطلب جهدًا كبيرًا في حالة العدد الكبير. يضاف إلى ذلك أن المناطيد تبقى أنظمة جوية لا تتسم بالدقة في التحليق والتوجيه، إذ يعتمد مسارها بشكل كبير على الأحوال الجوية، وخاصة اتجاه الرياح وسرعتها على ارتفاعات مختلفة. وقد يؤدي أي تغير في الطقس إلى انحراف الحمولة عن مسارها المحدد. لذا، يتطلب الاستخدام الدقيق تخطيطًا جويًا دقيقًا على طول مسار الرحلة المتوقع، ما يجعل هذا النوع من الأنظمة الجوية، فعالًا فقط في حالة توفر أحوال جوية مثالية.

ومع هذه القيود، قد يكون لهذا المفهوم قيمة عسكرية كجزء من استراتيجية انتشار أوسع. فالطائرة المسيّرة المحمولة على منطاد، ليست بالضرورة بديلًا من الطائرات المسيّرة الهجومية بعيدة المدى أو الصواريخ الجوالة، لكن يمكنها أن تضيف طبقة أخرى من التهديد أمام الدفاعات الجوية، ما يجبرها على مراقبة الأجسام الطائرة البطيئة الحركة، والتمييز بين التهديدات والأهداف الوهمية، وتخصيص موارد إضافية لمراقبة أهداف قد تكون زهيدة التكلفة، لكنها تنطوي على مخاطر محتملة.

إعادة إحياء المناطيد كسلاح حربي

من حيث المبدأ، تعد المناطيد الهوائية الغازية، من أقدم وسائل الطيران في التاريخ الإنساني، وقد كان الاستخدام "العسكري" الأول لهذه التقنية بأيدٍ صينية، وتحديداً خلال حقبة الممالك الثلاث في الصين بين عامي 220 و280م، وذلك على يد القائد العسكري الصيني "تشوغي ليانغ" أحد أهم القادة العسكريين الصينيين خلال حقبة حكم أسرة "هان"، الذي أسس بشكل كبير لفكرة استخدام المناطيد الهوائية، خلال فترة محاصرته في مقاطعة "سيشوان" من جانب القوات التابعة لأسرة "هان".

منذ ذلك التاريخ، تطورت عمليات الاستخدام العسكري لهذه التقنية، مروراً بالقرن التاسع عشر، الذي شهد توسع الاستخدامات العسكرية للمناطيد الهوائية، إذ استُخدمت على نطاق واسع من جانب عدة جيوش أوروبية لمهام الاستطلاع الجوي ونقل البريد والمعدات. وشهد عام 1849، أول محاولة لاستخدام المناطيد الهوائية بشكل هجومي، وذلك خلال حصار القوات النمساوية لمدينة البندقية، التي تحصّنت بداخلها القوات الانفصالية الإيطالية، التي كانت تنشط في الأقاليم الشمالية في إيطاليا ضد الوجود العسكري النمساوي.

وقد استمر تطور دور المناطيد على المستوى العسكري، خلال العقود التالية، مروراً بالحربين العالميتين الأولى والثانية، إلا إنه رغم تراجع الاهتمام الدولي بهذه التقنية، في مرحلة ظهور التقنيات الجوية النفاثة في خمسينيات القرن الماضي، عادت الولايات المتحدة الأميركية للاهتمام بهذه التقنية بفعل حاجتها إلى تنفيذ عمليات مستمرة الاستطلاع العميق لأراضي الاتحاد السوفياتي والصين خلال الحرب الباردة، وقامت بإحياء عدة برامج إنتاج المناطيد العسكرية، من بينها برنامج "Mogul" الذي استهدف التجسس الصوتي على أجواء الاتحاد السوفياتي، من خلال منطاد يحلق على ارتفاعات كبيرة، ويقوم برصد أي موجات صوتية ناتجة عن التجارب النووية السوفياتية، من خلال مستشعرات صوتية مزود بها، بالإضافة إلى كشفه عن التجارب الصاروخية الباليستية السوفياتية، من خلال الموجات الصوتية التي تنتج عن تحليق الصواريخ في الغلاف الجوي.

في العصر الحالي، اقتصر بشكل كامل استخدام المناطيد العسكرية على الجانب الاستطلاعي، سواء عبر الكاميرات الحرارية والمستشعرات، أو عبر الرادارات التي تحمّل على هذه المناطيد، وتستخدم هذه المناطيد حالياً دول عدة من بينها الولايات المتحدة الأميركية، التي استخدمتها في العراق وأفغانستان، وتنتجها شركة "ايروستات" الأميركية، إلا أن دور المناطيد الغازية كسلاح نوعي، عاد للظهور مرة أخرى عبر سلسلة من التحليقات "الغامضة" لمناطيد صينية في اتجاه الأراضي الأميركية، بدأت عام 2020، وكان أهمها تحليق منطاد صيني على مدار عدة أيام في المجال الجوي الأميركي، مطلع عام 2023، قبل أن يُسقط.

في الخلاصة، يمكن القول إن المناطيد، وإن كانت من أقدم التقنيات الجوية، فإنها تعود مرة أخرى بشكل جديد في إطار الميدان الأوكراني، ليس كسلاح حاسم أو رادع، بل كجزء من صراع جار بين الابتكارات الجوية ووسائط الدفاع الجوي، ومنظومات الحرب الإلكترونية. الأكيد أنه رغم هذا الشكل الجديد لاستخدام المناطيد في الميدان العسكري، فإن تجربة تحليق المناطيد الصينية في الأجواء الأميركية، وكذا وجود عدة برامج نشطة لدى وزارة الحرب الأميركية، لتطوير الاستخدام العسكري للمناطيد، أهمها برنامج لاستخدام المناطيد المحلقة على ارتفاعات تصل إلى 50 كيلو متراً، تحت اسم "COLD STAR"، لتكون ضمن شبكات المراقبة المخصصة لمهام عسكرية وأمنية، مثل مراقبة برامج اختبار الصواريخ، أو تتبع مسارات تهريب المخدرات، هي مؤشرات تثبت جميعها أن هذه التقنية الجوية العتيقة، لم تكن قد خرجت "كلياً" من دوائر التطوير والابتكار في الصناعات الدفاعية الكبرى حول العالم، وأنها الآن على أعتاب عودة "كاملة" إلى الميادين القتالية الحديثة.