المقاتلون الأجانب في سوريا: الملفّ المؤجّل
لا ينتهي ملفّ المقاتلين الأجانب عند مصيرهم العسكري أو الأمنيّ، فهناك جيلٌ كامل من الأطفال الذين وُلدوا في سوريا من آباء فرنسيين وأوزبك وإيغور وشيشان وغيرهم، ويحمل هؤلاء الأبناء جنسية آبائهم وفق قوانين بلدانهم.
-
تجد السلطة نفسها أمام ملفٍّ يتجاوز قدرتها على الحسم
في مساء يوم الأربعاء، الـ 28 من تشرين الأول/ أكتوبر، سقط ثلاثة قتلى في ريف محافظة إدلب، مقاتلٌ فرنسيٌّ قرب بلدة حارم، وجنديّان سوريان في بلدة الفوعة.
ووراء الخبرين، تكمن حكاية أطول بكثيرٍ من أن يحتويها يوم واحد. حكاية بلدتين شيعيّتين جرى تهجير سكانهما، ثم امتلأتا بالمقاتلين الأجانب، ومخيّمٌ مسوَّر قرب بلدة حارم، يقوده فرنسيٌّ مطلوبٌ دوليًّا، وسلطةٌ جديدة لا تعلم ماذا تفعل مع آلاف الأجانب الذين قاتلوا تحت رايتها.
وما جرى في حارم، كأيّ حدث أمنيّ، له أكثر من رواية. رواية الجهة الرسميّة، ورواية المخيّم الذي يضمّ المقاتلين الفرنسيين وعائلاتهم. حيث أعلنت قيادة الأمن الداخليّ في إدلب، أنّ إحدى دوريّاتها رصدت مجموعةً مسلّحة تخرج من المخيم، خلافًا للاتفاق الموقّع مع السلطة، والذي يمنع أي مقاتل من مغادرة المخيّم حاملًا سلاحه، وأنّ أفراد المجموعة بادروا بإطلاق النّار على الدورية التي اضطرّت للرد، لينتهي الاشتباك بمقتل مسلّح وتضرّر سيارة أمنيّة.
أمّا الجماعة، فتروي الحكاية بصيغة أخرى، ومفادها أنّ أفرادها خرجوا من المخيّم في طريقهم لشراء الطعام من المدينة، حين بادر عناصر الدورية الأمنية بإطلاق النار عليهم، ما أدى إلى مقتل قياديّ يُدعى "أبو أيمن الفرنسيّ"، يقول رفاقه، الذين توعّدوا بالثأر له، إنّه قدِم إلى سوريا منذ 13 عامًا، وقاتل النظام السابق إلى يوم سقوطه، وإنّه أبٌ لستة أطفال، أحدهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.
ولِفَهم حادثة حارم، يجب العودة إلى اتّفاق تشرين الأول/ أكتوبر، العام 2025. ففي ذلك الحين، اندلعت اشتباكات بين القوات الأمنية ومجموعات داخل المخيّم، على خلفيّة شكوى تتّهم أحد القياديين الفرنسيين، بخطفِ طفلةٍ تبلغ من العمر 11 عامًا. وقد نفى القيادي المعنيّ، وهو "عمر أومسن"، المطلوب للقضاء الفرنسي منذ سنوات، تلك التّهمة. وكانت تلك أوّل مواجهة مسلّحة بين السلطة الجديدة ومقاتلين أجانب. وانتهى الأمر بوساطةٍ قام بها قادة المجموعات الطاجيكيّة والتركستانية، الذين أعلنوا استنفارهم بعد أنْ استشعروا الخطر. وتضمّن الاتفاق ستّ نقاط تبدأ بإعلان وقف إطلاق النّار، وفتح المخيّم أمام الأجهزة الحكومية، وإحالة قضية أومسن إلى القضاء، وسحب السلاح الثقيل من المخيّم، وعدم ملاحقة المشاركين في الاشتباكات.
وقبل أيام من الحادثة الأخيرة، قال المقاتلون الفرنسيون في بيان لهم على قناتهم الخاصة في تطبيق "تيلغرام"، إنّهم محاصرون منذ ثلاثة أشهر، وإنّ الغذاء يُمنَع عنهم، وإنّ مدنيين يعملون في المخيّم قد جرى اعتقالهم، وإنّ السلطات قد هدمت الأبنية المهجورة حول المخيم، ونصبت رشاشًّا ثقيلًا. وذكروا أنّهم رصدوا طائرة استطلاع يوم الـ 7 من تشرين الأول، واعتبروا ذلك تمهيدًا من السلطة لاقتحام المخيّم.
وبعد الحادثة، صعّدت الجماعة خطابها عبر بيانٍ نُشِر تحت عنوان "نداءٌ للتضامن والثأر"، اتّهمت فيه السلطات بفرض حصار خانق وتجويع عائلات المخيّم. وقدّمت مقتل "أبو أيمن الفرنسي"، باعتباره استشهادًا برصاصٍ منعهُ من الوصول إلى الطعام. ولم يقتصر النداء على طلب الغذاء والماء والتبرّعات لعائلات المقاتلين والأيتام، بل دعا إلى عودة أنشطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر" تحت مظلّة الشريعة، متوجّهًا بالخطاب إلى "الأمة الإسلاميّة". وبذلك يكون البيان قد تجاوز المطالبة بالإغاثة، إلى التعبئة الدينيّة وطلب المؤازرة بهدف "الثبات في وجه الظالمين والمجرمين" بحسب ما ورد فيه.
أمّا اسم "الفوعة" الذي ورد في الحادثة الثانية، فليس مجرّد اسمٍ لبلدة ريفيّة عاديّة في محافظة إدلب. فالفوعة وكفريا، بلدتان شيعيّتان في ريف إدلب الشمالي، حاصرتهما فصائل المعارضة (ومنهم المقاتلون الأجانب) منذ العام 2015، وجاءت صفقة "المدن الأربع" في العام 2017، لتُخرج السكّان بشكل كامل منهما، ويستقر فيهما مقاتلون أجانب من آسيا الوسطى والقوقاز والصين، بعد أن وضعوا أيديهم على البيوت التي تركها أصحابها. وبعد سقوط النظام السابق، تحوّلت البلدتان إلى ساحةٍ لصراع الغرباء مع السلطة الجديدة.
والحادثة التي جرت في الفوعة يوم الـ 28 من تشرين الأول الفائت، والتي أسفرت عن سقوط جنديّين سوريّين، لم تكن الأولى، ففي مطلع أيّار الماضي، وقعت أزمة كبرى حين اقتحمت قوات الأمن منزل مقاتل أوزبكي، لاعتقاله بتهمةٍ جنائيّة، فاستنفر المقاتلون الأوزبك في أرياف إدلب، وحاصروا فرع الأمن الجنائيّ في المدينة. ليبادر الرئيس السوريّ، أحمد الشرع، إلى إرسال موفدٍ خاصّ لاحتواء الموقف. وقد كان الأوزبك قد اشترطوا موافقة قادتهم قبل اعتقال أيّ عنصر من عناصرهم. لتتشكّل صورة لافتة جدًّا: مقاتلون أجانب يحاصرون فرعًا أمنيًّا حكوميًّا في مركز المدينة، ورئيس الدولة يبعث وسيطًا للتفاوض معهم.
لكنّ الردّ الحكوميّ لم يتأخر، فبعد أيامٍ قليلة، نفّذت قوات الأمن حملة دهمٍ في كفريا والفوعة، واعتقلت أكثر من 20 مقاتلًا أوزبكيًّا، قالت مصادر محليّة إنهم شاركوا في حصار المركز الأمنيّ. إلى أنْ أعلنت وكالة الأنباء الرسميّة "سانا" قبل أيام، عن مقتل عنصرين من وزارة الدفاع، برصاص مجهولين في بلدة الفوعة، وذلك من دون ذكر هويّة الضحيّتين أو أي تفاصيل عن الحادث، أو الإشارة إلى الجهة المنفّذة. وربطت مصادر محليّة بين الحادث وبين ما جرى في مخيّم الفرنسيين في حارم، بسبب تقارب الزمن بين الحادثتين. لكنّ هذا الربط يبقى استنتاجًا لا يستند إلى معلومات مؤكّدة. فالفوعة أصلًا، منطقة توتّر بين الأمن والأوزبك منذ أشهر، وحادثة مقتل جنديين فيها، يمكن أن تكون جريمة عادية، أو رسالة تحمل طابعًا ثأريًّا، لكنها بالتأكيد، تُبقي ملف المقاتلين الأجانب حاضرًا بقوة. وهو ملفّ فيه من التعقيدات ما يوحي بأنّ الاقتراب من حلّه غير وارد حاليًّا، فحتى أعداد المقاتلين الأجانب، ما تزال غير دقيقة، وتُصنّف في خانة التقديرات.
وعمومًا، لم يكن المقاتلون الأجانب، في نظر أغلب معارضي الأسد سابقًا، مجرّد غرباء قدموا من بلدان بعيدة، بل هم متطوّعون تركوا أوطانهم وجاؤوا لنصرة الثورة، وقاتلوا إلى جانب فصائلها في مواجهة النظام السابق، وكانوا رأس حربة في تلك المواجهة. لكنّ سقوط النظام نقل هذه العلاقة إلى مرحلةٍ مختلفة، لم تعد فيها دوافع قدومهم وحدها كافيةً لتحديد مستقبلهم.
وفي حزيران 2025، نقلت وكالة "رويترز" تفاصيل خطّة وافقت عليها الولايات المتحدة الأميركية، تقضي بضمّ نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور، إلى الفرقة 84 التابعة لوزارة الدفاع السوريّة، ومنح رتب عسكريّة لستّة من قادتهم، بينهم أربعة برتبة عقيد. بينما رفض المقاتلون الفرنسيون الذين استقروا في مخيّم "الغرباء" في حارم، والذين يبلغ عددهم 70 مقاتلًا مع عائلاتهم، الانخراط في أي جهاز حكوميّ رسميّ، وهم يتبعون نظريًّا فقط للفرقة 84. والمشكلة كبيرة هنا، فمعظم هؤلاء مطلوبون للقضاء في بلدانهم، وبعضهم مطلوبٌ دوليًّا، بتُهم تتعلّق بالإرهاب.
والمجموعات الأجنبية لا تشكّل تنظيمًا واحدًا، فالإيغور يتمركزون أساسًا حول "الحزب الإسلاميّ التركستاني"، بينما يتوزّع الأوزبك بين تشكيلات مختلفة، منها "كتائب التوحيد والجهاد"، وللشيشان والداغستانيين مجموعاتهم المستقلّة، في حين يتحلّق الفرنسيون حول قائدهم عمر أومسن، المطلوب للقضاء الفرنسيّ.
ويوجد بين هؤلاء أشخاص مؤثّرون اجتماعيًّا، لعلّ أشهرهم بلال عبد الكريم، وهو صحافيّ وناشط أميركيّ متشدّد، اعتُقل قبل أشهر بعد اتّهامه بتوفير منبرٍ لشخصيّات مرتبطة بتنظيم "القاعدة"، وترويج خطابٍ يتّهم السلطة في سوريا بالردّة. ونقلت "رويترز" أنّ الاعتقال جاء بعد انتقاد عبد الكريم انضمام سوريا إلى التحالف الدوليّ ضد "تنظيم الدولة الإسلامية".
وكذلك أبو دجانة الأوزبكي، الناشط المعروف في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي كان قائدًا في جماعة "مهاجر تكتيكال"، والتي أثارت قضيّته إشكاليّة التعامل مع قادة التشكيلات الأجنبيّة، واعتقالهم ثم الإفراج عنهم من دون أيّ معلومات أو تفاصيل رسميّة. وقد ظهر أبو دجانة بعد الإفراج عنه بفترة، وهو يروّج لمطعمٍ أوزبكي افتتحه في بلدة الفوعة.
ولا ينحصر مستقبل المقاتلين الأجانب، في قرار دمشق بشأن دمجهم أو تفكيك تشكيلاتهم وتحويلهم إلى مواطنين سوريين، فكلّ جنسيّة منهم تحمل معها ملفًّا سياسيًّا وأمنيًّا يمتد إلى خارج الحدود السوريّة. ففرنسا لا تنظر إلى مقاتليها باعتبارهم مجرّد أفراد يقيمون في سوريا، بل باعتبارهم مواطنين قد يُشكّلون تهديدُا أمنيًّا كبيرًا عند عودتهم. فيما تخشى أوزباكستان وطاجيكستان، عودة مقاتلين اكتسبوا خبرة قتاليّة وشكّلوا شبكات تنظيميّة خلال سنوات الحرب السوريّة. أمّا الصين، فتتعامل مع وجود "الحزب الإسلامي التركستاني"، بوصفه قضيّة أمنٍ قوميّ، نظرًا لارتباط المقاتلين الإيغور به، ومخاوف بكيّن من انتقال نشاطهم إلى إقليم شينجيانغ.
ووسط هذه الحسابات كلّها، تجد دمشق نفسها أمام معادلة معقّدة، فالاحتفاظ بالمقاتلين الأجانب ودمجهم في الجيش السوريّ الجديد والأجهزة الأمنية، يثيران تحفظّات دوليّة، وتسليمهم لبلدانهم قد يفتح مواجهةً مع مجموعات قاتلت إلى جانب السلطة الجديدة، أمّا تركهم خارج مؤسسات الدولة، فيعني الإبقاء على وجود قوى مسلّحة مستقلة.
ولا ينتهي ملفّ المقاتلين الأجانب عند مصيرهم العسكري أو الأمنيّ، فهناك جيلٌ كامل من الأطفال الذين وُلدوا في سوريا من آباء فرنسيين وأوزبك وإيغور وشيشان وغيرهم، ويحمل هؤلاء الأبناء جنسية آبائهم وفق قوانين بلدانهم. وغياب شهادات الميلاد والوثائق التي تُثبت النسب، يجعل الإثبات معقّدًا. وهكذا، قد يجد طفل وُلد في سوريا لأبٍ فرنسيّ، نفسه، بلا أوراق أو وثائق تثبت جنسيّته الفرنسيّة. وتبقى قضايا غياب شهادات الولادات والتعليم والإقامة ومستقبل العائلات، من أعقد المشاكل العالقة، ليُضاف إليها مشكلة النساء السوريّات اللواتي تزوّجنَ من مقاتلين أجانب وأنجبنَ أطفالًا يواجهون مشكلة انعدام الجنسية، خصوصًا بعد مقتل آبائهم أو اختفائهم.
وتكمن صعوبة هذا الملفّ أيضًا، في أنّ أيًّا من أطرافه، لا يملك حلًّا مقبولًا لدى الأطراف الأخرى. فالمقاتلون وعائلاتهم، لن يقبلوا بالحصار والعزل والتخلّي عن السلاح، من دون ضمانات تؤمّن مستقبلهم، بينما لا تستطيع السلطة منحهم حريّة الحركة والعمل والتنظيم المسلّح، خشية تحوّلهم إلى مراكز قوة مستقلّة تُنازعها القرار الأمنيّ، فضلًا عن تبعات ذلك على علاقاتها بالمجتمع الدوليّ. أمّا دولهم الأصليّة، فلا تبدو مستعدّة لاستقبالهم، ولا سيّما من ارتبط منهم بتنظيمات جهادية، أو شارك في القتال خلال الحرب السوريّة.
ووسط ذلك كلّه، تجد السلطة نفسها أمام ملفٍّ يتجاوز قدرتها على الحسم، لذلك لا تبدو سياساتها الحالية على هذا الصعيد، حلًّا، بقدر ما هي إدارة لواقعٍ مفروض تؤجّل انفجاره، من دون أن تتمكّن من معالجة أسبابه، أو رسم خطوط نهاياته.