المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وصناعة الشَّك!

صراع البقاء السياسي لنتنياهو وشركائه من اليمين الديني والصهيوني يجعلهم يتمترسون في خندقهم المُحكم "الائتلاف الحاكم"، ويحرصون على عدم التفريط في هذه الذرائع لأي سبب كان.

0:00
  • في كل مكان تَدق فيه
    في كل مكان تَدق فيه "إسرائيل" "مسماراً لجحا" مكّنها من إدامة التصعيد.

الشَّك هو حالة ذهنية يكون الدماغ فيها مُعلّقًا بين افتراضين متناقضين أو أكثر، يعجز عن قبول أي منهما. وقد يتضمن الشك ارتياباً أو عدم ثقة أو قلة اقتناع ببعض الحقائق أو التصرفات أو القرارات، ما يُنتِج إرجاءً أو نبذ تصرف مناسب خوفاً من ارتكاب خطأ أو إضاعة فُرصة.

قد يبدو هذا التعريف نفسياً فلسفياً في سياق سلوك فردي عام، لكنه على مستوى المجموع يصبح سلوكاً عاماً ناظماً لعلاقة مجتمع ما بمحيطه، خاصة إذا ما كان هذا المجتمع يعيش ما يسميه "تهديدات أمنية وجودية" قد تطال كينونته ووجوده إن هو تراخى أو أخذ بحُسن النوايا، مستنداً إلى القاعدة التي تقول "انا أشُك إذاً أنا موجود".   

ومع ذلك، ليس من الضروري أن يكون الشك نابعاً من عوامل القلق الأمني أو التهديد الوجودي، بل إن بعض النظريات النفسية، كنظرية سيغموند فرويد، تُفسر الشك باعتباره عَرَضاً لرُهابٍ نابع من "الأنا" المرتبطة بإمكانات هذا المجتمع، بل وحتى طبيعة هويته الخاصة. 

والأصل في الشك أن يعمل كحائط دفاع ضد التلاعب، ويسمح بغربلة الادعاءات والروايات للعثور على ما هو موثوق، ومن المفترض أنه يلعب دوراً في الأنظمة الديموقراطية، من خلال ضمان المساءلة ومنع الاستبداد. كما تبني الحكومات الديمقراطية الشك في هياكلها من خلال الضوابط والتوازنات، بما يضمن عدم تحول أيٍ من مُركّباتها أو فرد من أفرادها إلى قوة مُفرطة. لكن الشّك في الحالة الإسرائيلية، خاصة بعد رُهاب السابع من أكتوبر، يُمثل النقيض الفج تجاه الداخل والخارج.

من الناحية السياسية، يخلق الشك جواً من انعدام الثقة، يخدم أجندة الطرف المتشكك ويُصيّر المجتمع كله اتهامياً في طبيعته، ومُدّعياً؛ إما سوء نوايا الطرف الآخر "الخصم" أو عجزه عن تلبية ما يريده المُتشكك. فالحرب التي يشنها نتنياهو وائتلافه الحاكم على خصومه في الداخل منبعها الشك القائم على أن هؤلاء لا يريدون بهم خيراً، وبأن لديهم أجندة "يسارية شريرة" لإسقاط حكومة اليمين. والشك الذي يزرعه نتنياهو وشركاؤه، يُشكل منطلقاً للتجريم ومن ثم خلق الشرعية للانقضاض على الخصوم وإطاحتهم.

وبهذا يحقّق نتنياهو مبتغاه بإشغال المجتمع الإسرائيلي بهذه الصراعات الداخلية وليأكل بعضه بعضاً؛ على أمل أن يتحوّل هذا الجدل إلى صراع يُشعِل نزاعاً بين "الأشقاء" بما يَصرِف الانتباه عن الأسئلة المتعلقة بلجان التحقيق وإخفاقات الحرب والمُحاكمات.

يمكن للمرء أن يظل مصدوماً من هذه العقلية المسكونة بالكراهية والتشكيك في المجتمع الإسرائيلي، كما يُمكنه أن يتساءل ببساطة كيف تحوّلت قضية الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة، منذ بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع، مروراً بسلاح المقاومة، إلى معركة سياسية، قبل أن يدرك أن السبب هو أن هناك من يتغذّى على هذا الجدل والتشكيك، فعندما لا تكون هناك، حتى الآن، صورة نصر حاسم من ساحة المعركة، تُنقل المعركة إلى طاولة المفاوضات ومساراتها الملتوية الطويلة.

إن حقيقة أن "إسرائيل" لا تزال غير قادرة، حتى مع الإعلان عن دخول المرحلة الثانية من خطة ترامب الخاصة بقطاع غزة، على حسم أهدافها في القطاع، كما حسم أهدافها مع خصومها في إيران ولبنان واليمن، أو عندما لا يكون هناك ما يمكن بيعه للشعب الإسرائيلي كإنجاز كبير، خاصة في عام انتخابي تتقدّم فيه الحسابات الانتخابية على أي تفكير في حلول بعيدة المدى، يُباع "التشكيك" في نيات الطرف الآخر وسلوكه كمادة تضمن استمرار خلق الشرعية للتدخل عسكرياً هنا وهناك.

وفي كل مكان تَدق فيه "إسرائيل" "مسماراً لجحا" يمكّنها من إدامة التصعيد واعتبار أي خرق أمني شرارة محتملة لجولة قتال جديدة، تستخدمه داخلياً لتغذية خطاب الحزم والردع في مجتمع إسرائيلي لا يكافئ الخطاب التصالحي، بل يَنظُرُ إلى التسوية السياسية كعبء انتخابي، وإلى القوة كضمانة للاستقرار، وكلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، تزايدت فرص التصعيد وتضاءلت فرص السلام، لا بسبب غياب البدائل، بل بسبب كلفتها السياسية.

ويبدو أن هذه النظرة المتشككة والاتجاه الاتهامي "للقوة الدولية" و "لحماس" و "للقطاع" وربما "للجنة التكنوقراط"... هما السلعتان الوحيدتان المُتبقيّتان في "ترسانة" نتنياهو السياسية لخلق الذريعة لإدامة حروبه ضد القطاع وسحق ما تبقى من مظاهر الحياة فيه.

وبالتوازي، يبدو واضحاً أنّ صراع البقاء السياسي لنتنياهو وشركائه من اليمين الديني والصهيوني يجعلهم يتمترسون في خندقهم المُحكم "الائتلاف الحاكم"، ويحرصون على عدم التفريط في هذه الذرائع لأي سبب كان.

ولا يكتفي هؤلاء بوجود ائتلافٍ سياسي يجمعهم، تتقاطع فيه ذرائعهم كما أهدافهم في استمرار التصعيد والحروب وإطالة عمرها قدر الإمكان، إنما تستمر آلة العنصرية والكراهية الادعائية التي يحرّكونها في نشر السُمّ في كلّ اتجاه؛ فإيران تُعزز ترسانتها الصاروخية وتعيد بناء برنامجها النووي، وحزب الله يُعيد بناء ترسانته العسكرية وقوته التنظيمية، والمقاومة في غزة تُصر على رفض نزع سلاحها وتتمسك بحكم القطاع.

وعلى افتراض تشكلت لجنة التكنوقراط وباشرت مهامها فعلياً، فإن "إسرائيل" لن تعدم ذريعة "التشكيك" ببقاء حماس في "الظل" من خلال "جيش موظفيها" الذين يديرون المؤسسات الوزارية المدنية، لتتهرب، أي "إسرائيل"، من التزاماتها وفق الاتفاق.   

وفي المحصّلة فإن مسألة جثة أسير إسرائيلي أخير بقيت في غزة، بحكم واقع الحرب والدمار الذي خلقته "إسرائيل" بسلاحها التدميري، تتحول إلى "شمّاعة" يُنفخ فيها وتُضخم بحيث تشكل بوابة لشرعية تعطيل عمل المعابر ورفض إدخال المساعدات، ورفض الانسحاب والإعمار!.

كما أنه من المشكوك فيه، وفق ذات العقلية التشكيكية، أن تتشكل القوة الدولية، وإن تشكلت فمن المشكوك فيه أن تتمكن من نزع سلاح حماس، والخلاصة أن "جيش إسرائيل" وحده هو القادر على تنفيذ المهمة، بعد أن خلقت "إسرائيل" التشكيك "غير القابل للطعن" أن أحداً غيرها يستطيع أن يفعل ذلك!.      

والخلاصة، أن التشكيك في نيات المقاومة وسلوكها، دافعٌ قوي للماطلة والتملص وعدم التقدم لتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، والمرحلة الثانية من خطة ترامب التي أعلن ويتكوف عنها، ما هي إلا إعلانٌ "تصريحي برتوكولي شكلي" لا يُلزم "إسرائيل" بشيء، وإن أردتم ترجمة أدق، إليكم عملية الاغتيال التي نفذها "الجيش الإسرائيلي" أول أمس في دير البلح في القطاع، نموذجاً لشكل السلوك الإسرائيلي في المرحلة الثانية من الاتفاق!