الكرد السوريون ونهاية حلم تغيير "سايكس- بيكو"

أدى التوافق الأميركي-العربي-التركي إلى الضغط على "قسد" لقبول الاندماج في الدولة السورية، ما أدى إلى انهيار مشروعها الذي كانت "إسرائيل" تستفيد من استمراره لضمان حالة عدم الاستقرار في الجارة الشمالية. 

0:00
  • هل انتهى عهد

دعم حكومة مركزية قوية في دمشق قادرة على ضبط الحدود واستعادة الاستقرار، بدلاً من دعم كيانات غير تابعة للدولة، هو عنوان السياسة الأميركية في المنطقة اليوم وتجريد الفاعلين من غير الدول أي الأحزاب والحركات المسلحة التي تم دعمها في بداية الحرب السورية من مشاريعها السياسية خدمة للمشروع الأكبر، وهو إقامة أنظمة قوية (استخبارات وجيش) مرتبطة بالولايات المتحدة من أجل تمكين الاتفاقات التطبيعية مع كل  من "إسرائيل" والولايات المتحدة  بالتفاهم مع دول المنطقة.

وهكذا يندرج رفع الغطاء عن "قسد" أي "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن هذه السياسة، فما هي الأدوار الإقليمية التي عملت على إنهاء هذا التنظيم سياسياً وعسكرياً بعد سنوات طويلة من الخلاف الأميركي- التركي على وجود "قسد" والدعم المقدم لها.

"قوات سوريا الديمقراطية": دعم أميركي وإسناد خليجي 

تأسست "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بمبادرة من الولايات المتحدة، لتكون تحالفاً يضم ميليشيات عرقية بقيادة الكرد وجماعات أخرى لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال وشرق سوريا. تشكلت في أواخر عام 2015، كانت السعودية والإمارات في ذلك الوقت تدعمان فصائل المعارضة التي كانت تقاتل نظام الأسد.  

في عام 2018، بدأ الدعم المحدود والعمل على إقامة العلاقات بين السعودية والإمارات و"قسد" من أجل إنشاء مكوّن عربي داخل "قسد" بتنسيق أميركي ودعم استخباري. تلقت العشائر العربية في شمال شرق سوريا دعماً مالياً وسياسياً من السعودية والإمارات حسب المراحل التي اختلفت من فترة إلى أخرى.

أتى الدعم  لأسباب عديدة  أهمها تعزيز دور المكوّن العربي وموازنة النفوذ الكردي. عملت السعودية على تعزيز نفوذها عبر التواصل المباشر مع زعماء القبائل العربية في دير الزور والحسكة مثل قبائل شمّر والعكيدات والبقارة، حيث استضافت بعض زعمائهم في الرياض وقدمت دعماً مالياً لتعزيز دورهم المحلي.

شاركت الإمارات إلى جانب الولايات المتحدة في دعم وتدريب وحدات من "قسد" بين عامي 2017 و2018، كما دعمت "حركة سوريا الغد" وقوات النخبة التابعة لها، والتي كانت منضوية ضمن "قسد" في فترة معينة.

لعب الخلاف مع تركيا حافزاً مهماً في دعم "قسد" كمكوّن كردي في وجه أنقرة، كذلك دعمت العشائر العربية في وجه منع التمدد الإيراني.

شهدت المواقف السياسية لكل من السعودية والإمارات تحوّلاً جذرياً تجاه سوريا في الفترة التي تلت سقوط نظام الأسد (ديسمبر 2024) حيث انتقلت الدولتان من دعم "قسد" كطرف موازن، إلى دعم حكومة أحمد الشرع ورفع الغطاء السياسي عن أي كيانات انفصالية.

لا سيما بعد تمدد دور "إسرائيل" العسكري في الجنوب السوري، دعمت الدولتان في أواخر عام 2025 وبداية 2026 فكرة دمج "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن مؤسسات الجيش والقوات المسلحة للجمهورية العربية السورية الجديدة.

زار الرئيس السوري أحمد الشرع، في ديسمبر 2025 كلاً من السعودية والإمارات وتركيا، وأكّد وجود تنسيق لبناء مؤسسات الدولة وبحث تعزيز الاستقرار وتأمين المرحلة الانتقالية. توافقت السعودية والإمارات مع تركيا في دعم الحكومة الجديدة بدمشق، ما أنهى سنوات من التناقض بين هذه الأطراف حول الملف السوري.

مع بداية عام 2026، شهدت مناطق شرق الفرات توترات بين بعض العشائر العربية و"قسد"؛ حيث أعلنت بعض القبائل التي كانت تتلقى دعماً سعودياً ولاءها للحكومة السورية الجديدة في دمشق لمواجهة سيطرة "قسد" المركزية على المنطقة.

لعبت الإمارات والسعودية دوراً في الوساطة بين الإدارة الذاتية والحكومة الجديدة في دمشق للوصول إلى تفاهمات سياسية تضمن حقوق المكونات السورية وتمنع الصدام العسكري

التنسيق الإقليمي والدولي ورفع الغطاء عن "قسد" 

رفعت الولايات المتحدة الغطاء عن "قسد" بالتوافق  مع الدول الإقليمية العربية وتركيا ما أدى إلى سقوط "مشروع الإدارة الذاتية" ككيان شبه مستقل، وتحويله إلى جزء من الدولة السورية الموحدة.

لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى "قسد" كشريك محلي وحيد لمحاربة "داعش" أو لموازنة النفوذ الإيراني. ومع تولي الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع السلطة وتقديمها ضمانات أمنية لواشنطن، لأول مرة منذ عقد، توحدت رؤية السعودية والإمارات وتركيا تجاه سوريا: حصلت تركيا على ما كانت تريده بإنهاء الكيان المسلح أما القبائل العربية التي كانت مدعومة من السعودية والإمارات داخل "قسد"، فسارعت في الانحياز إلى دمشق فور استشعارها تغيّر الموقف الإقليمي، ما أفقد "قسد" الحاضنة الشعبية الضرورية للاستمرار في مشروعها.

تضمن اتفاق 18 يناير بنوداً أنهت "مشروع قسد" عبر تحويل مقاتلي "قسد" إلى "فيلق" ضمن الجيش السوري الجديد ودمج قواها الأمنية (الأسايش) في وزارة الداخلية. تسليم  المؤسسات الحكومية والمعابر الحدودية ومنشآت النفط في شرق الفرات للحكومة المركزية في دمشق. استبدال "الإدارة الذاتية" بقانون الإدارة المحلية السوري، مع منح بعض الصلاحيات الخدمية للمجتمعات المحلية، ما أنهى أي طابع سياسي انفصالي. 

حاولت "إسرائيل" تشجيع "قسد" على مقاومة الاندماج، فهي تخشى أن يؤدي الاتفاق إلى تعزيز النفوذ التركي في سوريا، وهو ما يشكّل مصدر قلق لها، خاصة في ظل التوتر القائم بين أنقرة و "تل أبيب" في قضايا إقليمية أخرى مثل غزة.

في مرحلة سابقة، حاولت بعض قيادات "قسد" جس نبض "إسرائيل" من أجل الدعم إلا أن "تل أبيب" رأت مع أميركا أن دعم الدول مفيد لها، لا سيما بعد جولات من المفاوضات مع حكومة الشرع  بدعم عربي- تركي- أميركي ودولي. 

في النهاية، أدى التوافق الأميركي-العربي-التركي إلى الضغط على "قسد" لقبول الاندماج الكامل في الدولة السورية، ما أدى إلى انهيار مشروعها الذي كانت "إسرائيل" تستفيد من استمراره لضمان حالة عدم الاستقرار في الجارة الشمالية. 

هل انتهى عهد "قوات سوريا الديمقراطية" كقوة مستقلة تماماً؟

تم  سحب السلاح الثقيل من التشكيلات الكردية داخل المدن، وأُعيد نشره ضمن استراتيجية الدفاع الوطني السورية، مع دمج عناصر "الأسايش" (الشرطة الكردية) في سلك قوى الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية السورية.

مُنحت المناطق الكردية (مثل القامشلي وعين العرب/كوباني) صلاحيات واسعة ضمن قانون الإدارة المحلية السوري المطور، ما يسمح للكرد بإدارة شؤونهم الخدمية والتعليمية والصحية محلياً.

تم الاعتراف باللغة الكردية كلغة محلية تُدرس في المناطق ذات الغالبية الكردية إلى جانب اللغة العربية مع ضمان الحقوق الثقافية والاحتفال بالأعياد القومية مثل "النوروز".

حسمت قضية "مكتومي القيد" والأجانب من الكرد، وتحوّل "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) من سلطة حاكمة إلى تيار سياسي سوري معارض أو مشارك ضمن الحياة السياسية البرلمانية في دمشق، ملتزماً بالوحدة الترابية لسوريا ورافضاً لأي مشاريع انفصالية، وذلك استجابة للضغط التركي والعربي والأميركي المشترك.

تحوّل ملف "داعش" ومخيمات الاحتجاز من مسؤولية "قسد" المنفردة إلى قضية سيادية تديرها الحكومة السورية في دمشق بالتنسيق مع الدول المعنية.