العرب وإيران بين الحرب والحوار.. مكاشفة مؤجلة في إقليم لا يحتمل عداوة أخرى

العلاقات العربية الإيرانية مفترق طرق بين استمرار الصراع وبناء حوار صريح يؤسس لأمن إقليمي قائم على المصالح المشتركة واحترام السيادة.

  • العرب وإيران بين الحرب والحوار.. مكاشفة مؤجلة في إقليم لا يحتمل عداوة أخرى
    العرب وإيران بين الحرب والحوار.. مكاشفة مؤجلة في إقليم لا يحتمل عداوة أخرى

في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، يكتشف العرب وإيران، بعد فوات الأوان، أن النار لا تسأل عن هوية الأرض التي تعبرها، وأن الصواريخ لا تميّز بين ضفة وأخرى، وأن الخرائط التي رسمتها السياسة لا تستطيع إلغاء حكم الجغرافيا. ومع ذلك، ما إن تخفت ألسنة اللهب قليلًا حتى يعود الطرفان إلى خنادقهما القديمة؛ يستدعيان ذاكرة مثقلة بالحروب، ويضيفان إليها جرحًا جديدًا، كأن قدر الجوار أن يبقى امتحانًا مؤجلًا، وقدر التاريخ أن يُقرأ من صفحاته الأكثر دمًا.

تغيّرت أنظمة وتحالفات، وبقي السؤال العربي–الإيراني معلقًا فوق الخليج والمشرق: لماذا يعجز طرفان جمعتهما الجغرافيا والحضارة والمصالح عن بناء علاقة تُدار بالعقل لا بالخوف، وبالمصالح لا بالأساطير، وبالحوار المباشر لا برسائل الصواريخ والوسطاء؟

ليست المشكلة في أن يختلف العرب وإيران؛ فالاختلاف بين الدول طبيعي، وقد يكون صحيًا حين تحكمه القواعد. المشكلة أن الاختلاف تحوّل إلى هوية، والشك إلى عقيدة سياسية، والتنافس إلى صراع مفتوح تستثمر فيه القوى الخارجية. كل طرف راكم عن الآخر سردية مغلقة، ثم تعامل معها كأنها الحقيقة كلها؛ فدفعت المنطقة كلفة نزاعات كان يمكن احتواؤها، بينما جنى المشروع الأميركي–الصهيوني ثمار انقسام لم يكن بحاجة إلى اختراعه، بقدر حاجته إلى إبقائه مشتعلًا.

من هنا تأتي أهمية سلسلة "الحوار العربي–الإيراني" التي قدمتها قناة "الميادين" من طهران في هذا التوقيت بالغ الحساسية. فقيمتها لا تكمن فقط في الإجابات التي قدمها المشاركون، بل في كسر أحد أكثر المحرمات رسوخًا: أن يجلس العرب والإيرانيون ليتحدثوا عن خلافاتهم بشفافية، بدلًا من أن يتحدث كل طرف عن الآخر في غيابه.

تاريخ يُستدعى للحرب لا للفهم

لا يمكن فهم العلاقات العربية–الإيرانية من دون العودة إلى التاريخ، لكن الخطر يبدأ حين يتحول التاريخ من وسيلة للفهم إلى مخزن للذخيرة. ففي بعض الخطابات القومية والمذهبية، تُستدعى وقائع تمتد من الفتح الإسلامي إلى الصراع العثماني–الصفوي، كأن شعوب القرن الحادي والعشرين مطالبة باستئناف حروب أجدادها.

والحقيقة أن هذا التاريخ لم يكن حروبًا متصلة؛ فقد كان أيضًا تفاعلًا حضاريًا عميقًا امتزجت فيه اللغة والفلسفة والأدب والفقه والعرفان والتجارة. فلا الثقافة العربية ظلت داخل حدود مغلقة، ولا الحضارة الإيرانية تشكلت بعيدًا عن العربية والإسلام. كما أن اختزال المشكلة في مواجهة بين العرب والفرس أو السنة والشيعة تبسيط مخل؛ فالمذهب لم يصنع الصراع وحده، بل استخدمته السياسة لتعبئة الجمهور في نزاعات تتعلق أساسًا بالدولة والنفوذ والأمن.

مثّلت الثورة الإسلامية عام 1979 لحظة فاصلة. ألهم خطابها المناهض للهيمنة الأميركية والكيان الصهيوني قطاعات واسعة من الشارع العربي، لكنه أثار مخاوف أنظمة رأت في "تصدير الثورة" تهديدًا لاستقرارها، ثم جاءت الحرب العراقية–الإيرانية لتقيم بين الضفتين جدارًا من الدم والخوف؛ فرأى عرب كثيرون إيران من خلال تلك الحرب، ورأت طهران محيطها من خلال الدول التي ساندت العراق.

ومنذ ذلك الحين، كلما ترسخت صورة إيران بوصفها الخطر الأول، تراجعت مركزية فلسطين، واتسع سوق السلاح، وتعززت الحاجة إلى القواعد والحماية الأجنبية. وفي المقابل، كلما اشتدت الضغوط على إيران، وسّعت دوائر نفوذها وبنت خطوط دفاع خارج حدودها؛ فتولدت مخاوف عربية جديدة، ودخل الطرفان حلقة يعيد فيها كل منهما إنتاج مخاوف الآخر.

من أسقط العراق؟ ومن ملأ الفراغ؟

شكّل احتلال العراق عام 2003 نقطة تحول أخرى. فالولايات المتحدة هي التي أسقطت الدولة العراقية وفتحت أبوابها للفوضى، لكن إيران كانت الأكثر استعدادًا لملء الفراغ. وهنا ينبغي التمييز بين السبب والنتيجة: لم تصنع طهران الاحتلال، لكنها استفادت من نتائجه ووسعت حضورها، بينما كان النظام العربي غائبًا أو عاجزًا أو منخرطًا في الحسابات الأميركية ذاتها.

تقول إيران إنها دعمت حلفاءها وحركات المقاومة في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتنظيمات الإرهابية؛ فيما رأى عرب أن هذا الدعم أنشأ قوى تتجاوز مؤسسات الدولة أو تنازعها قرار الحرب والسلم. وفي كلتا الروايتين بعض الحقيقة، لكن أياً منهما لا يختصر المشهد. وفي الرؤيتين جزء من الحقيقة. فلا يجوز إنكار دور إيران ومحور المقاومة في مواجهة المشروع الصهيوني، خصوصًا حين كانت عواصم عربية تنفتح على التطبيع وتتراجع عن فلسطين. لكن هذا الدور لا يمنح أي طرف حق تجاهل سيادة المجتمعات العربية أو حساسيتها تجاه السلاح والقرار الوطني. كما أن المطالبة بالسيادة تفقد صدقيتها حين تصمت عن القواعد الأجنبية، أو تستدعي الحماية الأميركية، أو تعتبر التدخل مقبولًا إذا جاء من واشنطن ومرفوضًا فقط إذا جاء من طهران.

بكين لم تهدم جدران الخوف

عندما توصلت السعودية وإيران، برعاية صينية، إلى اتفاق بكين في مارس 2023، بدا أن المنطقة بدأت تتعلم من عقود الاستنزاف. عادت العلاقات الدبلوماسية وهدأت اللغة، لكن الاتفاق ظل مصالحة بين دولتين، ولم يتحول إلى بنية إقليمية متكاملة أو مصالحة بين السرديات والمجتمعات. عادت السفارات، وبقيت الجدران النفسية؛ وتقدمت الدبلوماسية، من دون أن تنتج آليات تصمد أمام مواجهة كبرى.

وهذا ما كشفته الحرب الجارية منذ 28 فبراير 2026. فالعدوان الأميركي–الصهيوني على إيران لم يكن هدفه حماية العرب، بل كسر قوة إقليمية وفتح الطريق أمام هيمنة صهيونية بلا منافس، غير أن الهجمات الإيرانية التي طالت دولًا عربية، مهما كانت الذرائع المتعلقة بالقواعد أو المصالح الأميركية، أعادت إنتاج أعمق الهواجس العربية، وقادت إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي أدانها.

هنا لا تفيد المواربة: من حق إيران أن تدافع عن نفسها في مواجهة العدوان، لكن الأرض العربية ليست ساحة مباحة لتصفية الحساب مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع دولة أن تسمح باستخدام قواعد على أراضيها في العدوان على جار، ثم تتصرف كأنها خارج الحرب. السيادة لا تتجزأ؛ فهي تحمي الدولة العربية من الصواريخ الإيرانية، مثلما تلزمها بألا تتحول أراضيها إلى منصة لضرب إيران.

حقيقتان لا تلغي إحداهما الأخرى

كشفت الحرب حقيقتين لا ينبغي لخطاب دعائي أن يحجب إحداهما بالأخرى. الأولى أن الخطر الأميركي–الصهيوني لا يستهدف إيران وحدها؛ فالهدف الأبعد منع قيام أي توازن إقليمي مستقل، وإبقاء المنطقة مجزأة ومفتوحة أمام القواعد والسلاح والابتزاز، مع تكريس الكيان الصهيوني قوة مهيمنة فوق القانون. ومن يستدعي الوحش إلى بيته لن يمتلك لاحقًا حق تحديد فريسته.

والثانية أن التضامن مع إيران لا يعني منح سياساتها شيكًا على بياض. فطهران مطالبة بمراجعة أدوات وخطابات ترى فيها عمقًا استراتيجيًا، بينما تراها مجتمعات عربية انتقاصًا من سيادتها. وبالمثل، على العرب مراجعة خطاب "الخطر الإيراني" الذي جرى تضخيمه حتى أصبح، لدى بعض الحكومات والنخب، أخطر من الاحتلال الصهيوني؛ وأسهم في تهيئة الوعي للتطبيع، وتقديم الكيان الصهيوني شريكًا محتملًا ضد جار إقليمي.

هيكل ومصر.. استعادة ميزان غائب

قبل نحو عقدين، صاغ محمد حسنين هيكل في حواراته مع "الجزيرة"، بين عامي 2005 و2009، رؤية ما زالت تحتفظ بقيمتها: إيران ليست عدوًا، بل جارًا قد تكون معه تناقضات، لكنها "تناقضات غير عدائية". وحذر من استبدال "عدو حقيقي بعدو مفترض"، لكنه لم يبرئ سياسات طهران من الأخطاء والتجاوزات؛ بل ميّز بين إيران، الدولة والشعب والحقيقة الجغرافية الباقية، وبين نظام وسياسات يجوز الاختلاف معها. وفي قراءته للإقليم، رأى أن مصر وإيران "هما القوتان الأساسيتان" فيه، وأن اهتمامه بإيران جزء من اهتمامه بمصر.

تكتسب هذه الرؤية راهنيتها اليوم. فلا توجد سياسة عربية واحدة تجاه طهران، كما أن إيران ليست صوتًا واحدًا؛ ففي داخلها تيارات ومؤسسات وحسابات تتراوح بين منطق الدولة وحسابات الثورة والأمن ونزعات قومية تظهر أحيانًا في الخطاب والممارسة. ومن هنا، فمصر ليست دولة هامشية يمكن أن تغيب عن معادلة بهذا الحجم، ولا إيران دولة عابرة يمكن إبقاء العلاقة معها عند مستوى التمثيل المحدود والاتصالات الموسمية. واستعادة العلاقات المصرية–الإيرانية الكاملة ليست شأنًا ثنائيًا مؤجلًا، بل ضرورة لإعادة التوازن إلى الإقليم.

تمتلك القاهرة ما لا يتوافر لغيرها: ثقلًا عربيًا لا تحكمه الحساسية المذهبية، وموقعًا تاريخيًا يتيح لها مخاطبة الخليج وإيران معًا، وعقيدة دولة تدرك خطورة الكيانات الموازية، من دون أن تجعل من طهران عدوًا بحكم الهوية. وقد أكدت تحركاتها خلال الحرب والمفاوضات أنها تملك قنوات اتصال وقدرة على تقريب المواقف وخفض التصعيد. لكن الوساطة الظرفية، على أهميتها، لا تكفي؛ فاستعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل ينبغي أن تكون مدخلًا إلى شراكة سياسية واقتصادية وثقافية تتيح لمصر أن تكون جسرًا بين الهواجس العربية والرؤية الإيرانية. وهذا ليس انحيازًا إلى طهران على حساب الخليج، بل حماية للأمن الخليجي والعربي بالحوار، وتوسيعاً لهامش القرار العربي بعيدًا عن الاحتكار الأميركي.

الحوار ليس مصالحة احتفالية

المطلوب ليس مؤتمرًا لالتقاط الصور، ولا بيانات إنشائية عن الأخوة الإسلامية، بل مسار دائم للمكاشفة؛ يعترف بالمخاوف ولا يسخر منها، ويفصل بين الوقائع والدعاية، وينقل العلاقة من إدارة الأزمات إلى بناء قواعد تمنع نشوبها.

قاعدته الأولى أن الأمن العربي لا يُبنى ضد إيران، كما أن أمن إيران لا يُبنى داخل الدول العربية أو على حساب سيادتها. وقاعدته الثانية رفض استخدام المذهب أداة نفوذ أو تعبئة، ووضع ملفات الحدود والجزر والملاحة والسلاح خارج الدولة على طاولة السياسة والقانون. أما الثالثة فهي بناء مصالح اقتصادية وثقافية تجعل كلفة الصراع أعلى من مكاسبه، والعمل من أجل منظومة أمن إقليمي تضم جميع دول المنطقة، وتستبعد الهيمنة الأجنبية، وتضع الترسانة النووية الصهيونية في قلب أي نقاش جاد حول أسلحة الدمار الشامل.

لقد أحسنت "الميادين" حين فتحت هذا الملف من قلب طهران ورائحة البارود لا تزال حاضرة. لكن أهمية الخطوة ستزداد إذا تحول الحوار من حلقات تلفزيونية إلى مساحة مستمرة يشارك فيها مؤرخون ومثقفون وسياسيون وممثلون عن مجتمعات الخليج ومصر والعراق وبلاد الشام وإيران؛ فلا يكفي أن تتبادل الحكومات الرسائل إذا بقيت الشعوب أسيرة الخوف والتحريض.

لا يحتاج العرب وإيران إلى تحالف يلغي اختلافاتهما، بل إلى شجاعة النظر في المرآة والاعتراف بأن كل طرف أسهم، بقدر أو بآخر، في بناء الجدار الذي يشكو منه. فالشفافية ليست تنازلًا، والمراجعة ليست هزيمة، والاعتراف بالخطأ لا يعني التفريط في الثوابت. الخطر الحقيقي ليس أن يقول كل طرف للآخر ما يقلقه، بل أن يواصل الصمت حتى تنطق الصواريخ نيابة عنه.

لقد آن الأوان للانتقال من سؤال: من انتصر على من؟ إلى السؤال الأهم: كيف نمنع أن يخسر الجميع مرة أخرى؟ فإذا لم يكتب العرب والإيرانيون معًا قواعد الجوار والأمن والتعايش، فستكتبها واشنطن والكيان الصهيوني بالنيابة عنهم؛ لا بحبر الدبلوماسية، بل بدماء شعوب المنطقة كلها.