العراق على موعد مع الظهور الأول للبرلمان السادس

العراق يقف اليوم عند مفترق طرق، بين الاستمرار في نمط حكم أثبت محدوديته، وبين محاولة بناء مسار جديد أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات، ولا سيما أن الجلسة البرلمانية المقبلة، هي إحدى علامات هذا المفترق.

  • العراق يقف اليوم عند مفترق طرق.
    العراق يقف اليوم عند مفترق طرق.

تأتي الجلسة المرتقبة لمجلس النواب العراقي، التي دُعي إلى عقدها استكمالاً للمسار الدستوري لتسمية الرئاسات الثلاث ومواربة باب تشكيل الحكومة الجديدة، في مرحلة سياسية مشحونة بتراكمات طويلة من الانتظار والشكوك والتسريبات والآمال المؤجلة.

فالدعوة إلى انعقاد الجلسة، لا تمثل بحد ذاتها، حدثاً استثنائياً في النظام السياسي، بقدر ما تشكل موعداً كاشفاً لطبيعة العلاقة المُعقدة والمتقلبة بين السلطة التشريعية والواقعين: السياسي والاجتماعي، وبين النصوص الدستورية والممارسات الفعلية التي اعتادها العراقيون، على مدار خمس دورات تصرّمت، بالويل والثبور من التلكؤ المتراكم. وهنا لا يكون السؤال عن جدول أعمالها فحسب، بل عن معناها السياسي الحقيقي والسِلال المعدّة للمباركة والتصويت "التحاصصي": هل ستكون محطة فاصلة تعيد ترتيب الأولويات، وتفرض مسارات جديدة في إدارة الدولة ومؤسساتها؟ أم انها ستدور في حلقة التكرار الاستهلاكي نفسها  التي تنتهي دائماً إلى نتيجة "رجعنا لنفس الطاس ونفس الحمام" مهما تغيرت العناوين والشعارات؟

إنّ التجربة الخماسية المتعاقبة فيما مضى، مرّنت الشارع على أنّ المشكلة لا تكمُن في غياب المؤسسات أو تعطّل التنفيذ والتقيّد بالنصوص، بل في الفجوة الواسعة بين ما يُعلن وما يُنفذ، وبين ما يُتفق عليه في الغرف السياسية المغلقة، وما ينعكس فعلياً على حياة الناس، الذين لن يروا الوجوه التي انتخبوها إلا بعد ثلاث سنوات، حينما يقترب انتهاء عمر الدورة البرلمانية! فالجلسات البرلمانية، مهما بدت حاسمة في توقيتها، كثيراً ما تتحول إلى أدوات لإدارة الوقت السياسي، وإلى منصات لتدوير التوافقات نفسها؛ بدلاً من كسرها.

ومن هنا، فإن الجلسة المقبلة لا تُقرأ بمعزل عن هذا الإرث الثقيل سالف الإحباط والسوداوية، بل تحمل أسئلة تتجاوز تسمية الرئاسات وتشكيل الكابينة الوزارية، إلى طبيعة اختيار الأشخاص ومعالم الحكومة المنتظرة، وحدود قدرتها على الوفاء بوعود الانتخابات، التي رُفعت بشعارات الفرقاء تحت عناوين التغيير والإصلاح وتحسين الخدمات، أضف إليها ربابة التهديدات الخارجية والداخلية "إجاك ذيب القصف والإرهـاب، وإجاك واوي التقشف وضغط الإنفاق" لضمان رواتب الموظفين والمتقاعدين، وكأن الشعب ليس فيه إلا هاتين الشريحتين فقط!، لمَ لا: وهي حاضنة السِلال الانتخابية الأهم في المطبخ السياسي.

تعوّد الشارع العراقي على الفعل السياسي المصاحب لمراحل ما بعد الانتخابات؛ بأنه لا يُبالي باحترام الاستحقاقات الدستورية، لكن الراهن، أفرز خطاباً مختلفاً في الشكل والمضمون على لسان وقلم رئيس مجلس القضاء الأعلى الأستاذ فائق زيدان غير مرة، وبخاصة بعد انتهاء الانتخابات، بيد أن التجربة الواقعية تشير إلى أن احترام الشكل الدستوري لا يعني بالضرورة احترام جوهره. فالدستور وضع آليات لتشكيل السلطات وضمان التوازن بينها، غير أن الممارسة السياسية في العراق، كثيراً ما أفرغت هذه الآليات من محتواها، من خلال تعطيل النصوص، أو تأويلها بما يخدم موازين القوى، أو استخدامها كأدوات ضغط متبادلة بين الكتل. وبذا ستُصبح الجلسة المرتقبة اختباراً حقيقياً لمدى استعداد القوى السياسية؛ للسيطرة على زمام الانتقال من إدارة الخلافات إلى إدارة الدولة، ومن منطق المكاسب الفئوية، إلى منطق المسؤولية العامة.

إنّ الانتخابات الأخيرة، بما حملته من وعود وتوقعات، أعادت فتح ملف الثقة بين المواطن والمؤسسة النيابية- السياسية، وهي ثقة مهزوزة أصلاً بفعل سنوات طويلة من الإخفاقات في ملفات أساسية مثل: الخدمات، والوظائف، محاربة الفساد، وبناء اقتصاد مستقر. فالمواطن الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع، لم يكن يبحث فقط عن تغيير أسماء أو تحالفات، بل عن تغيير نمط وأسلوب إدارة الدولة نفسها، وعن الانتقال من سياسة ردود الأفعال، إلى سياسة التخطيط والاستجابة الفعلية للاحتياجات. لذا؛ فإن أي حكومة تنبثق عن هذا المجلس ستكون محكومة منذ يومها الأول، بسقف توقعات مرتفع، وبمقارنة مباشرة مع حكومة السيد السوداني، التي رفعت شعارات مشابهة ثم انتهت إلى نتائج محدودة.

غير أن التحدي الأعمق يتأتى من طبيعة التفاهمات التي ستُنتجها هذه الجلسة. فالتجارب السابقة أثبتت أن حكومات التوافق الواسع، التي تُبنى على مبدأ إرضاء الجميع، غالباً ما تتحول إلى حكومات مشلولة، أو تُؤخذ منها اشتراطات قاسية، تحقق مناصب ومطالب من منحوها الثقة وجواز المرور، وحينما يُحقق لهم رئيس الحكومة كل ذلك؛ يتركونه وحده يواجه مصير حلحلة عُقد المشكلات المتراكمة، وهم يتفرجون ولا يكترثون بالنتيجة، ما دام المطلوب قد تحقق، أما إذا تمرّد على شرنقتهم فسيواجه مصير "السوداني". هذا التناقض البنيوي يضع الجلسة المرتقبة، أمام معادلة صعبة: إما إعادة إنتاج الصيغة التقليدية التي تضمن استقراراً سياسياً هشّاً على حساب الأداء، أو المغامرة بصيغة جديدة تحمل في طياتها فرص الإصلاح وتجاوز مخاطر الصدام.

ولذلك: سيعود المواطن العراقي ليطوّر"الحسچة" السابقة الدارجة: "أبو جاسم خوية شگال البهلول؟!"- كخطاب مباشر للكاتب من باب الـ"الميانة"، كتوصيف شعبي دقيق لحالة الإحباط، التي تتكرر مع كلّ دورة حياة نيابية- سياسية. فهي لا تُعبر فقط عن تكرار الوجوه أو السياسات، بل عن تكرار المنهج نفسه، في التفكير والإدارة، إذ تُختزل الدولة في صفقات، والبرامج الحكومية في بيانات إنشائية، وتقتصر الرقابة البرلمانية على سجالات إعلامية، لا تغير من الواقع شيئاً. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هو ما إذا كانت الإطلالة النيابية الأولى للبرلمان السادس قادرة على كسر هذا النمط؟، أم أنها ستؤكد مرة أخرى أن النظام السياسي وعلى الرغم من الضغوط كلها؛ لا يزال يميل إلى المحافظة على توازنه الداخلي أكثر من ميله إلى الاستجابة لحاجات المرحلة، ومتطلبات المجتمع؟ وبخاصة أنّ الملفات التي تنتظر الحكومة المقبلة، ليست بسيطة ولا قابلة للتأجيل. فالأزمات المتراكمة في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، وسوق العمل، فضلاً عن التحديات الأمنية والاقتصادية والإقليمية والدولية، تفرض على أي سلطة تنفيذية مقبلة؛ أن تكون واضحة في أولوياتها، وحازمة في قراراتها.

لكنّ هذه الحزم لا يمكن أن يتحقق في ظل برلمان منقسم أو غير قادر على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بفعالية، فضلاً عن عشرات القوانين المعطلة. ومن هذه الطريق الشائكة، على البرلمان السادس؛ إعادة تفعيل دوره كمؤسسة تمثل الإرادة العامة، لا المصالح الضيقة التي تؤثر في ترجمة آليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. فالمواطن لم يعد يكتفِ بخطابات عامة عن الإصلاح، بل يريد أن يرى أثراً مباشراً في حياته اليومية. هذا التحول في المزاج العام يضع الطبقة السياسية أمام استحقاق مختلف، إذ لم يعد بالإمكان، الاعتماد على الخطاب التقليدي لتبرير التأخير أو الفشل. ومع ذلك، فإن الخشية قائمة من أن تتحول الجلسة المرتقبة، إلى مجرد محطة لامتصاص الضغط، تتقارب فيها التفاهمات الكبرى، ثم تُترك التفصيلات إلى وقت لاحق، كما حدث في مرات عديدة.

العراق يقف اليوم عند مفترق طرق، بين الاستمرار في نمط حكم أثبت محدوديته، وبين محاولة بناء مسار جديد أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات، وبخاصة أن الجلسة البرلمانية المقبلة، هي إحدى علامات هذا المفترق، لكنها ليست العلامة الوحيدة ولا الحاسمة بحد ذاتها؛ فقيمتها الحقيقية ستتحدد بما سيُنتج عنها من سياسات، لا بما سيُقال فيها من خطابات، لأنهم وصلوا إلى مرحلة متقدمة من الاحتراف في الخطاب المؤثر، الذي لا يعتمد تحت قبة البرلمان على نشر غسيل الاختلافات والانسداد السياسي أمام الرأي العام، بل في خطابات متتالية؛ لتسويقها بدايةً لمرحلة مختلفة، تعيد الاعتبار إلى العمل المؤسسي، وتضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة، والسبب في هذه المناورة أن تلك المواقف والخطابات، ستُكتب في محاضر الجلسة، فيه تمثُلُ البيانات الرسمية لخطاب الدولة أمام الرأي العام الدولي، وفي بيان قدرتها على تحويل الوعود الانتخابية إلى واقع ملموس، لكنها في الباطن لا تعدو كونها إعادة لإنتاج المشهد نفسه، تحت مسميات جديدة. وعندها سيُطل علينا المواطن بالاستفهام الاستنكاري عن الإطلالة الأولى، لا بلغة السياسة، بل؛ بلغته البسيطة التي تختصر التجربة كلها في عبارة واحدة: هل تغيّر شيء فعلاً؟، أم أن النتيجة لم تكن سوى "نفس الطاس ونفس الحمام"؟.