العدوان على لبنان.. ماذا تخفي "إسرائيل" وراء التصعيد المفاجئ؟

ما يجري في لبنان لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الأجندات السياسية، ويتحول الميدان إلى أداة تفاوض بوسائل أخرى.

0:00
  • ماذا تخفي
    ماذا تخفي "إسرائيل" وراء التصعيد المفاجئ؟

يشهد المشهد الإقليمي، بعد الضربة الأخيرة على لبنان، تصعيدًا مركّبًا يتجاوز كونه حدثًا عسكريًا معزولًا، ليعكس نمطًا متقدمًا في إدارة الحرب الدائرة، تقوده كلٌّ من الولايات المتحدة الأميركية و "إسرائيل" من جهة، وإيران وحزب الله وحلفاؤهما من جهة أخرى.

التطورات الأخيرة توحي بأننا أمام لحظة تقاطع دقيقة وحساسة بين مساري الحرب والتفاوض، حيث تُستخدم الغارات العسكرية كوسيلة ضغط وأداة لتحسين شروط التفاوض، وليس فقط لتحقيق أهداف ميدانية مباشرة. يبرز في هذا السياق سؤال جوهري إزاء الحدث الكبير الذي جرى في لبنان ، كيف يمكن قراءة الضربة الإسرائيلية المفاجئة على لبنان؟

 الاعتداء على بيروت لا يمكن فصله عن محاولات "إسرائيل" المستمرة لإعادة تثبيت معادلة ردع، خاصة بعد ما اعتبرته تآكلًا كبيراً في قدرتها على فرض قواعد الاشتباك التقليدية،  وفي ضوء الحديث عن وساطة باكستانية تهدف إلى وقف الحرب في المنطقة، تبدو هذه الضربة محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى، ولا سيما فيما يتعلق بحزب الله على وجه الخصوص.

أثبتت المقاومة الإسلامية في لبنان، خلال الأربعين يومًا الماضية، قدرة عالية على إحداث استنزاف كبير وشلل لـ"إسرائيل" على الجبهة الشمالية، سواء من حيث الكلفة العسكرية أم التأثير النفسي والسياسي، هذا الأداء عزّز من مكانة حزب الله كفاعل ردع إقليمي، وكحليف استراتيجي لإيران، ما يجعل استهدافه أولوية في أي مقاربة إسرائيلية أميركية لإعادة ضبط إيقاع الحرب أو الحل السياسي في المنطقة.

التصريحات الأميركية، بما في ذلك الإشارة إلى الضوء الأخضر لبدء جولة من المفاوضات مع إيران، تعكس مستوى من التنسيق السياسي والعسكري مع "إسرائيل"، أو على الأقل توافقًا ضمنيًا على إدارة التصعيد ضمن سقف محسوب، و هذا النمط لا يعني بالضرورة وجود اتفاق كامل، بقدر ما يشير إلى نوع من التناوب الوظيفي بين الطرفين أو تبادل الأدوار، حيث تُترك لـ"إسرائيل" مساحة أوسع للعمل العسكري في لبنان، بينما تحتفظ واشنطن بخيوط التفاوض مع إيران، ساعيةً إلى توظيف الضغط الميداني لتحسين موقعها وشروطها في أي اتفاق محتمل.

محاولة إضعاف حزب الله تمثل هدفًا أساسيًا بل استراتيجياً لكلٍّ من الولايات المتحدة و "إسرائيل"، وتُعد هذه فرضية مركزية تتيح لاحقًا ممارسة ضغوط أكبر على طهران. فنجاح هذا السيناريو، من منظور واقعي، قد يفتح الباب أمام فرض شروط سياسية وأمنية جديدة على إيران، عبر التلويح بخيارين، إما القبول بتسوية بشروط أميركية خالصة، أو مواجهة تصعيد أوسع قد يمتد إلى استهداف مباشر لمصالحها.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بعامل بالغ الأهمية، يتمثل في إدراك إيران لهذا السيناريو إذ تشير كل المؤشرات الأخيرة إلى انتقالها، خلال الأربعين يومًا الماضية من الحرب ، من استراتيجية الصبر الاستراتيجي إلى استراتيجية قوة الردع.

ما حدث في لبنان يضع المشهد أمام سيناريوهين رئيسيين، فإذا امتنعت إيران عن الرد، قد تُقدم "إسرائيل" على تصعيد أكبر واستهداف أوسع للبنان، ما يجعل الرد سواء كان مباشرًا أم غير مباشر عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة. فعدم الرد قد يُفسَّر كإشارة ضعف تشجّع على مزيد من التصعيد، بينما قد يسهم الرد المدروس في إعادة التوازن وفرض معادلة ردع متبادلة، تُجبر الأطراف الأخرى على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر توازنًا.

قد يرى البعض أن الرد الإيراني قد يؤدي إلى إغلاق مسار التفاوض الحالي، إلا أن ثمة احتمالًا آخر يتمثل في أن يسهم هذا الرد في ردع "إسرائيل" والولايات المتحدة، ويفتح باب التفاوض على قاعدة الندية، لا على قاعدة فرض الشروط بالقوة العسكرية.

وفي ظل الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية باكستانية، تبرز تساؤلات حول السيناريوهات المحتملة لهذه التطورات الدراماتيكية ،فالاعتداء على بيروت يحمل طابعًا استباقيًا ومباغتًا، يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، قد تُترجم لاحقًا في أي مسار تفاوضي، لكن في المقابل، يضع هذا التصعيد حزب الله وإيران أمام اختبار حقيقي، هل يجري احتواء الضربة ضمن إطار الضغوط السياسية، أم يتم الرد بما يعيد رسم الخطوط الحمر من جديد؟

ثمة سيناريوهات محتملة إزاء هذه المشهدية من الأحداث الحساسة بالغة الأهمية والتعقيد:

السيناريو الأول: التصعيد المتدرج الذي  يقوم على الرد بالمثل وفق حسابات دقيقة، بما يعيد تثبيت معادلة الردع، ويمنع إسرائيل من التمادي في استهداف العمق اللبناني أو تغيير قواعد الاشتباك من دون ثمن.

قد يؤدي هذا السيناريو إلى إغلاق نافذة التفاوض والدخول في مواجهة أوسع، لكنه في المقابل يعزز موازين القوى لصالح حزب الله وإيران، ويُكسبهما دعمًا أكبر على مستوى الحاضنة الشعبية التي ترى في المقاومة أداة لحماية السيادة وردع العدوان الإسرائيلي الأميركي ، كما يمكن أن يفتح هذا المسار المجال لاحقًا أمام مفاوضات جديدة، ولكن على قاعدة توازن القوة، لا على قاعدة الإملاءات.

السيناريو الثاني: احتواء التصعيد يقوم على سعي الإدارة الأميركية للضغط على "إسرائيل" لوقف القصف عبر قنوات دبلوماسية، إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات جوهرية، في ظل حجم الاعتداءات، إذ قد يُفسَّر كإشارة ضعف في قوة الردع، ما يشجع "إسرائيل" على المضي قدمًا في سياساتها التصعيدية ضد حزب الله وإيران وكل حلفائها.

في المقابل، قد يمنح الرد الإيراني ورقة قوة إضافية على طاولة التفاوض، تتيح له التحدث من موقع الندية بدلًا من موقع المتلقي للضغوط.

فما يجري في لبنان لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الأجندات السياسية، ويتحول الميدان إلى أداة تفاوض بوسائل أخرى.

لعل أهم ما لفت انتباهي إزاء التطورات  بعد إعلان باكستان عن اتفاق وقف إطلاق النار هو هشاشة التفاهمات بين واشنطن وطهران، إذ تبدو هذه التفاهمات أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى حل جذري، ما يجعلها أقرب إلى حلول مؤقتة لا إلى تسويات دائمة، وعليه فإن أي تصعيد ميداني قد يعيد خلط الأوراق، ويفرض على الأطراف إعادة تقييم مواقفها.

في هذا الإطار، قد ترى إيران في الرد فرصة لإثبات أن أي تفاهمات لا يمكن أن تكون على حسابها أو حساب حلفائها، وأنها قادرة على حماية مصالحها في الميدان، رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية والكلفة الكبيرة التي تدفعها .

في المحصلة، تبدو الخيارات أمام حزب الله وإيران محكومة بمعادلة دقيقة على قاعدة ، كيف يمكن تثبيت الردع من دون الانزلاق إلى حرب أوسع وأشرس؟ وكيف يمكن الحفاظ على أوراق القوة من دون انهيار المسار السياسي بالكامل؟

صحيح أنها أسئلة تعكس تعقيدات المرحلة، وتؤكد أن أي قرار لن يكون مجرد رد فعل، بل جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة الصراع مع "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية.

في نهاية المطاف، فإن ما سيحدد المسار ليس فقط طبيعة الرد، بل أيضًا قدرة الأطراف على قراءة المشهد بدقة، وتقدير كلفة كل خيار، لا على المدى القريب فحسب، بل على المدى الاستراتيجي أيضًا وهذا مهم جداً بالنسبة لحزب الله وإيران. 

بين تثبيت الردع والانفجار مجددًا، تقف المنطقة على حافة معادلة شديدة الحساسية، قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة بأكملها، ننتظر ونرى. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.