العدوان المتجدد على إيران مقارنة بين واقعتين في عامين

ماذا تغير في إيران والمنطقة منذ حزيران حتى الآن؟ وكيف انتقلت الحرب الهجينة ضد إيران طوال عقود منذ انتصار الثورة، لتدخل طور الحرب التقليدية كما هو متوقع؟

  • ماذا تغير في إيران والمنطقة منذ حزيران حتى الآن؟
    ماذا تغير في إيران والمنطقة منذ حزيران حتى الآن؟

يظهر أن خيارات ترامب وحليفه نتنياهو تضيق رويداً رويداً، وقد أصبحت تراوح بين أن تتجرأ على اتخاذ قرار الحسم العسكري ضد إيران، أو ستكون الهزيمة نتيجة طول أمد التعثر الذي نتج عن فشل عمليات العملاء داخل إيران، وكلما طال هذا الأمد تستثمره إيران في اتساع فضاء خياراتها الدفاعية أو حتى الهجومية، ما دامت المعركة قد أصبحت حتماً مقضياً، على الرغم من فارق القوة الهائل بين الطرفين.

 وكانت إيران قد اختتمت عامها الماضي، وهي لم تكد تخرج من أصداء عدوان حزيران الإسرائيلي الأميركي، لتدخل في هزيع محطة متجددة من هذا العدوان المتصاعد منذ أن انتصرت ثورتها الإسلامية عام 1979، وقد تجاوزت إيران في هذه المحطة من مستهل هذا العام، عدواناً خبيثاً من طراز جديد، فإذا بالجيوش الأميركية تحتشد حولها براً وبحراً وجواً، في أكبر حشد أميركي في تاريخ الشرق الأوسط، والهدف هذه المرة لم يعد برنامج إيران النووي، وقد تبين أنه لم يعد مجرد منشأة، إنما إيران كدولة ونظام ونفوذ وبنية عسكرية ومنارة علمية.

يبدو طبيعياً بعد فشل عدوان حزيران 2025 على إيران، أن يتجدد هذا العدوان وإن بطرق مختلفة، فقد سبق للعدوان الماضي أن نجح في تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية عبر موجات من عملاء الداخل، وهو يستهل هذا العدوان بعمليات تخريب وحرق وقتل في الشوارع عبر خلايا عملاء الداخل، وجاءت توقعات الثنائي المتغطرس مخيبة للآمال، عندما نجحت إيران في احتواء هذه الموجة، وإن لعقت جراحات دامية في شوارع مدنها ومراكزها الدينية والعلمية، فإذا بالدعوات الغربية المزعومة حول حقوق الإنسان في إيران، تتلاشى أمام قرار التحشيد العلني بهدف الانقضاض على إيران بشعبها وكيانها قبل مرشدها ونظامها السياسي الإسلامي.

ماذا تغير في إيران والمنطقة منذ حزيران حتى الآن؟ وكيف انتقلت الحرب الهجينة ضد إيران طوال عقود منذ انتصار الثورة، لتدخل طور الحرب التقليدية كما هو متوقع؟ وما هو سبب القرار الإيراني بتحويل أي هجوم عسكري ضدها، ليشعل حرباً شاملة لا تبقي ولا تذر؟

أسئلة يتردد صداها طوال هذا الشهر من هذا العام الميلادي الجديد، عام يريد فيه نتنياهو أن يدخل انتخابات مصيرية على رأسه السياسي قبل أكتوبر الممقبل، ليعلن نجاحه في تغيير الشرق الأوسط على وجه الحقيقة، وليس لنجاحه فقط في اغتيال سماحة السيد حسن نصر الله، وقد تكشف أن هذا التغيير لن يحدث ما دامت إيران قوة عسكرية وعلمية ترفد حلفاءها بالمال والسلاح والدعم السياسي في كل الظروف، خاصة وفق معادلة مركزية القضية الفلسطينية.

شهور قليلة مضت على حرب حزيران، لكنها حملت في أحشائها مناخاً متغيراً يمكن وفقه فهم ترددات الضجيج الراهن، كما يلي:

أولاً: عند المقارنة بين الواقع الراهن، وبين عدوان حزيران فيما يتعلق بالمفاجأة الإيرانية، يتبين أن إيران في هذه المواجهة احتوت موجة الهجوم الأولى في الداخل بالقضاء على عمليات التخريب والحرق والقتل، بذكاء أجهزتها الأمنية ثم عبر ما ألحقته من هزيمة مهندسيها لنظام الستارلنك الأميركي، ولأن عنصر المفاجأة انتهى وإن بشكل نسبي غير حاسم، على الرغم من أن أساليب الخداع والتضليل لن تنفد من العقل الأميركي الإسرائيلي، ويظهر أنها باتت تتغير تبعاً لليقظة الإيرانية، نجد أن إيران باتت نتيجة ذلك ترفع شعار الحرب الشاملة، ليس مجرد شعار إنما كخطة عمل، بحسب ما يظهر من تصريحات كل المسؤولين في إيران سواء كانوا سياسيين أم عسكريين.

ثانياً: الفشل الإسرائيلي الأميركي في القضاء على برنامج إيران النووي في حزيران، وإن تضررت بعض منشآته بشدة، مثّل ذروة ذلك العدوان، وهو ما يدفع الثنائي المتغطرس لاعتبار الحرب المتوقعة هذا العام موجهة صراحة ضد منصب المرشد وليس ضد شخصه بالضرورة، للتداخل بين الأمرين، ولا يخفى أن تناقضات ترامب بهذا الخصوص سواء بزعمه تغليب الدبلوماسية، أم باحتمال توجيه ضربة محدودة للضغط السياسي أو الاكتفاء بفرض حصار بحري، أو ما يتردد حول عدم جاهزية الكيان، كله لم يعد ينطلي على صانع القرار الإيراني، ليس لمجرد تركيز الحرب الإعلامية على المرشد، إنما لأن تحقيق الأهداف الأميركية الإسرائيلية في الشرق الأوسط بات متعذراً في ظل صمود إيران وإصرارها على مشروعها الإسلامي الثوري.

ثالثاً: أن تبدأ أميركا حربها على إيران في موجتها الأولى عبر عملاء الداخل، وإن فشلت بالنتيجة حتى الآن، يشير إلى حقيقة المراهنة على تغيير نبض النظام الإيراني، مهما تقلبت تصريحات ترامب، وهو نبض مرتبط بتركيبته السياسية، حيث يمثّل منصب مرشد الثورة، تكريساً متجدداً يذكّر العالم بلحظة هزيمة الشعب الإيراني لأميركا عام 1979 عبر ثورة شعبية قادها فقهاء الدين وعلى رأسهم الإمام الراحل آية الله الخميني، وكان من أبرزهم السيد علي خامنئي، الذي ارتقى من رئيس منتخب للجمهورية الإسلامية، ليحل مكان الإمام الخميني بعد وفاته، عبر انتقال قانوني دستوري طبيعي، نفذته ثلاثة مجالس هي الخبراء وصيانة الدستور وتشخيص مصلحة النظام.

رابعاً: شكّل عنصر المفاجأة العسكرية قوة عدوان حزيران، فيما أن عملاء التخريب في الداخل شكلوا عنصر موجة الحرب الراهنة، وعلى الرغم من أن إيران نزفت في كليهما، إلا أن نزيفها في حزيران مهّد لاستهداف برنامجها النووي، فيما أن فشل موجة التخريب الراهنة أدخل الحرب في تعثر مخططها، ما دفع ترامب للتحشيد العسكري، ما يشير إلى أنه أصبح أمام خيارين صعبين غير مرغوب بهما، تبعاً لسياساته في الحروب الخاطفة ثم الزعم أنه يطفئ نار الحروب، وهما:

1- الضغط السياسي عبر التحشيد، وهو سلاح الضعيف الذي يعجز عن الحسم، وقد ثبت أن إيران ومعها حزب الله وغزة، نجحوا طوال عقدين في رسم قواعد اشتباك دقيقة ومحدودة، تبعاً لتطوير القدرات المتدحرج وصولاً إلى السابع من أكتوبر، من خلال اللعب على وتر هذه الضغوط السياسية المتبادلة التي يخشى وفقها الأميركي ومعه الإسرائيلي من الدخول في حروب غير مأمونة النهاية، وهو ما جرى تجاوزه إسرائيلياً عقب السابع من أكتوبر، وترتبت عليه أضرار عميقة في قوة حزب الله والمقاومة في غزة والضفة.

2- الضربات الخاطفة التي باتت غير مضمونة النتائج، سواء بتحقيق أهدافها، وهي الآن أهداف ثقيلة، أم في الحد من شموليتها الزمانية والمكانية، حتى لو نجحت في اغتيال المرشد، على خطورته، فإن مؤسسات الدولة الإيرانية التي بُنيت على مدى خمسة عقود تحت الحصار والصبر الاستراتيجي، قادرة على تعيين قائد جديد، خاصة أن مجلس الخبراء المكون من 88 عالم دين، والمكلف بتعيين المرشد الجديد، جرى انتخاب أعضائه شعبياً في الدورة السادسة للمجلس قبل عامين اثنين لا أكثر، وذلك في آذار 2024، وهذه الجاهزية من مجلس الخبراء تمثل ضمانة صمود، وإن كان أبناء السيد علي خامنئي غير مرشحين بقرار شخصي منه، على الرغم من أهليتهم القانونية، حفاظاً على خط الثورة ونزاهتها، كما سبق أن فعل الإمام الخميني باستثناء ابنه أحمد من وراثته، على الرغم من أهليته العلمية والقانونية وقتها.

ويشكل خطر تحول أي ضربة أميركية إسرائيلية خاطفة، إلى حرب واسعة وشاملة وطويلة، تنغيصاً جوهرياً في مخطط الحرب الراهنة حيث انطلقت في تعثر محطتها الثانية، حيث يفضح التريث الحالي مستوى التردد في مراكز صنع القرار في واشنطن و "تل أبيب"، وهو ما بات يدركه الإيراني في لحظة انحسار الخيارات السياسية لتصبح في وجهتها الإيرانية فضاءات عسكرية وأمنية واسعة، سواء كانت دفاعية أم تحولت إلى هجومية في لحظة استباقية محتملة، وإن كانت غير مرجحة حتى الآن.

سبق لترامب أن فشل في عدوان حزيران عندما خرج من القمة في كندا، ليطالب سكان طهران بإخلائها فوراً، وكانت النتيجة أن خرجت إيران كلها من ذلك العدوان أكثر تماسكاً خلف الدولة بقيادة نظامها الإسلامي، وضمان هذه المواجهة الراهنة الحتمي هو صمود الشعب الإيراني، لا فقط خلف دولته، إنما بات عليه أن يعتصم خلف المرشد، باعتبار أن رمزيته أضحت مفرقاً حاسماً في ميدان هذه المواجهة، وهو ما يستوجب ابتداءً إفشال أدنى محاولة لاغتيال المرشد، باعتبار أن إفشالاً كهذا هو حسم إيراني معاكس للمعركة.

 إضافة إلى أهمية الحرص على إفشال أي مسعى لاغتيال المرشد، فإن أي حديث إيراني داخليّ ولو خفي ينال من منصب المرشد، ولو بصيغة إصلاحية إدارية محضة، سواء كان وهو يعتليه الخامنئي أم دونه، هو حديث يصبّ مباشرة في صلب مشروع ترامب - نتنياهو، في وقت أصبحت فيه مكانة المرشد، بما يمثله على الصعيد الفكري والنفسي والقيادي، عين تلك الضمانة الداخلية وصمام الأمان لدى ربان السفينة الإيرانية وهي تبحر نحو عالمية الإسلام الثانية.