العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران: قراءة في انعكاساته الأفريقية
يرى صنّاع السياسات الأفريقية أنّ العدوان على إيران ينعكس على قارتهم في ثلاثة مستويات: اقتصادية تهدّد الأمن الغذائي، وأمنية تخلخل استقرار مناطق هشّة كالساحل، وجيوسياسية تعيد تشكيل التحالفات الدولية.
-
انعكاسات انتصار إيران على علاقتها بأفريقيا.
انطلاقاً من إدراكها العميق لخطورة العدوان الأميركي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتداعياته المحتملة على دولها، سارعت الدول الأفريقية إلى اتخاذ مواقف واضحة تعبّر عن قلقها البالغ إزاء هذه الحرب.
فمنذ اللحظات الأولى، حذّر الاتحاد الأفريقي من التداعيات الاقتصادية الوخيمة التي قد تنجم عن تفاقم هذا الصراع، مؤكداً أنه "سيزعزع الاستقرار الاقتصادي العالمي، ويؤثّر على أسواق الطاقة ويقوّض الأمن الغذائي، خاصة في أفريقيا التي ستواجه ضغوطاً إضافية كبيرة على الصعيدين الاقتصادي والأمني". وشدّد الاتحاد على أنّ "السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا عبر الدبلوماسية، وليس بالقوة".
كما أعرب رئيس مفوّضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، عن "قلقه العميق" إزاء الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على أهداف في إيران، واصفاً إياها بأنها "تصعيد خطير للأعمال العدائية" في المنطقة. ودعا إلى "ضبط النفس، والتهدئة الفورية، والعودة إلى الحوار"، مذكّراً بضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة كأساس للحفاظ على السلام والأمن الدوليين.
على المنوال نفسه، تبنّت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) موقفاً مماثلاً. فقد حذّر رئيسها الحالي، رئيس دولة سيراليون جوليوس مادا بيو، من أنّ تكثيف العمليات العسكرية قد يزيد من عدم الاستقرار الإقليمي، وستترتّب عليه آثار كبيرة على السلام العالمي وسلاسل الإمدادات الغذائية، ولا سيما في أفريقيا والمناطق الأكثر فقراً. وحثّت المنظّمة جميع الأطراف على إظهار أقصى درجات ضبط النفس والتصرّف وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ولا سيما مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية وتسوية النزاعات بالطرق السلمية.
يرى صنّاع السياسات الأفريقية أنّ العدوان على إيران ينعكس على قارتهم في ثلاثة مستويات رئيسة: اقتصادية تهدّد الأمن الغذائي، وأمنية تخلخل استقرار مناطق هشّة كالساحل، وجيوسياسية تعيد تشكيل التحالفات الدولية. وفيما يلي قراءة في هذه الانعكاسات.
التأثيرات الاقتصادية
يشكّل العدوان على إيران تهديداً كبيراً لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج. فقد دفعت العمليات العسكرية بعض الدول الخليجية، مثل قطر، إلى تفعيل بنود "القوة القاهرة" في عقودها الدولية لتوريد الهيدروكربونات، مما أعفاها من التزاماتها وترك الدول المستوردة تواجه تقلّبات سعرية غير قابلة للسيطرة.
وقد شهد سعر برميل النفط تقلّبات حادة منذ بداية العدوان، حيث قفز من أقل من 70 دولاراً قبل الحرب إلى 119 دولاراً في 9 آذار/مارس 2026. ويتوقّع المراقبون أن يتراوح سعره بين 120 و150 دولاراً إذا استمرت الحرب لفترة أطول. وتعزى هذه الزيادة الصاروخية إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- استهداف البنية التحتية للطاقة: تزايد الهجمات على آبار النفط والغاز ومصافي التكرير وخزّانات الوقود، سواء في إيران أو الدول الخليجية أو الكيان الصهيوني.
- ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري: قفزت أسعار تأمين السفن المبحرة في الخليج إلى عشرة أضعاف بسبب مخاطر الهجمات، كما تجنّبت كبرى شركات الشحن الإبحار في هذه المنطقة.
- تعطّل الممرات البحرية الحيوية: أدّى الإغلاق شبه التامّ لمضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 20% من النفط والغاز الخليجي المصدّر للعالم، إلى تعطيل الإمدادات. فلا يسمح بعبور الناقلات إلا بإذن من البحرية الإيرانية. كما يلوح تهديد بإغلاق باب المندب من قبل قوى متحالفة مع إيران كأنصار الله في اليمن أو عناصر أخرى في الصومال والسودان. وقد أدّى تحويل مسار السفن عبر رأس الرجاء الصالح إلى مضاعفة المسافات وزيادة مدة الرحلات بين آسيا وأوروبا بأسبوعين، مما رفع تكاليف النقل البحري والجوي بشكل كبير.
سيترتّب على هذا الارتفاع الحادّ في أسعار الوقود والنقل ضغوط اقتصادية هائلة على الدول الأفريقية، خاصة المستوردة للطاقة. ستتحوّل هذه الزيادة إلى أعباء لا تطاق على فواتير الاستيراد، مما يجبر هذه الدول على إجراء مراجعة جذرية لميزانياتها لعام 2026 التي بنيت على سعر مرجعي للنفط عند 70 دولاراً. وستضطر إلى اتخاذ إجراءات استثنائية للسيطرة على أسعار المنتجات الأساسية ودعمها، ولا سيما السلع الصناعية والغذائية المستوردة كالأسمدة والبذور الزراعية، مما يهدّد الأمن الغذائي للقارة بشكل مباشر. كما سيتعيّن عليها مواجهة ارتفاع التضخّم وزيادة الدين العامّ وانخفاض قيمة العملات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهي عوامل قد تؤجّج التوترات وتؤدّي إلى أزمات إنسانية. ومن المؤكّد أنّ عدد الفقراء والمهمّشين في أفريقيا سيزداد، خصوصاً في الدول الـ22 التي يصنّفها البنك الدولي بأنها مثقلة بالديون أو معرّضة لخطر المديونية الحرجة.
في هذه الأحوال، ستجد البنوك المركزية الأفريقية نفسها عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما رفع أسعار الفائدة لكبح التضخّم مع المخاطرة بخنق الاستثمار المحلي، أو الإبقاء على أسعار فائدة منخفضة مع المخاطرة بانهيار قيمة العملات المحلية أمام الدولار. هذا الوضع قد يدفع صانعي القرار الأفارقة إلى اللجوء إلى اقتصاد المقايضة، حيث يتمّ تبادل المواد الخامّ المحلية كالذهب والليثيوم مقابل المنتجات النفطية المكرّرة والسلع الأساسية، لتجاوز ضغوط النظام المالي الذي يهيمن عليه الدولار. وهذا التحوّل، إن حدث، قد يشكّل خطوة إيجابية نحو تحرير بعض الدول الأفريقية، خاصة تلك الخاضعة لعقوبات اقتصادية، من هيمنة الدولار ونظام "سويفت" المالي.
بطبيعة الحال، ستستفيد الدول الأفريقية المصدّرة للنفط والغاز كنيجيريا وأنغولا والجزائر وليبيا من ارتفاع الأسعار. لكنّ مكاسبها قد تتبدّد بسبب ارتفاع تكلفة وارداتها من الغذاء والدواء والسلع المصنّعة، وارتفاع أعباء خدمة ديونها بفعل انخفاض قيمة عملاتها، والضغط المتزايد على ميزانياتها الاجتماعية.
التداعيات الأمنية والجيوسياسية
طالما كانت أفريقيا ضحيّة للتداعيات الجانبية لحروب الشرق الأوسط. ويسود قلق لدى القادة الأفارقة من أنّ عدواناً بهذا الحجم على إيران سيؤثّر على قارتهم ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً أمنياً وجيوستراتيجياً. فتركيز الولايات المتحدة لاهتمامها وقدراتها العسكرية في الخليج سيضطرّها حتماً إلى تقليص وجودها ونفوذها في أفريقيا، في وقت يشتدّ فيه التنافس مع الصين وروسيا على القارة.
الخطر الأمني يتعاظم أيضاً مع إعادة ترتيب القوى الغربية لأولوياتها الاستراتيجية، حيث تنصبّ اهتماماتها اليوم على أوكرانيا وإيران وأزماتها الداخلية. وقد تجلّى هذا التراجع في الاهتمام بالقارة السمراء بوضوح في اجتماعات مجموعة السبع وحلف الناتو الأخيرة، مما يشير إلى انخفاض قيمتها الجيوستراتيجية في العقل الأمني الغربي.
تركيز الغرب لجهوده الاقتصادية والعسكرية على حرب أوكرانيا والصراع مع إيران سينعكس سلباً على المساعدات الأمنية المقدّمة للدول الأفريقية. فقد تجد القطاعات الأمنية في أفريقيا نفسها تعاني من نقص متزايد في الموارد، مما يعوق قدرتها على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود كما هو الحال في نيجيريا والكاميرون وتشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر. وعندما يمتزج انعدام الأمن الغذائي بانعدام الأمن الأمني، ستكون الدول الأفريقية، ولا سيما دول الساحل، أمام وصفة انفجارية غير مسبوقة.
هنا يبرز سؤال: هل نشهد تراجعاً للتحالفات الاستراتيجية التي تربط بعض الدول الأفريقية بالغرب لصالح تحالفات بديلة مع الصين وروسيا وتركيا والهند واليابان وحتى إيران؟ الإجابة هي نعم، لأنّ القوى المنافسة لأميركا والغرب في أفريقيا ستستغلّ هذه الفرصة لتعزيز نفوذها. خاصة وأنّ هذه الدول في أمسّ الحاجة إلى دعم أمنها الداخلي لمواجهة عدم الاستقرار، وحماية ثرواتها الاستراتيجية كالمعادن النادرة واليورانيوم والذهب، وتأمين ممرات النقل البري ضدّ أيّ أعمال تخريبية قد تنفّذها جهات تخدم أجندات القوى الأجنبية المنخرطة في صراعات غرب آسيا وأوكرانيا.
من ناحية أخرى، قد تشجّع سياسة "القوة الغاشمة" التي ينتهجها الرئيس ترامب بعض القادة الأفارقة ذوي النزعة التوسّعية، كآبي أحمد في إثيوبيا (الذي يسعى لمنفذ بحري على البحر الأحمر)، وبول كاغامي في رواندا (الذي له أطماع إقليمية وطموحات للسيطرة على مناجم المعادن النفيسة في الكونغو الديمقراطية)، على تبنّي سياسة "القوة فوق القانون" لتحقيق طموحاتهم. قد يستغلون الفوضى العالمية للتخلّي عن القانون الدولي، الذي يوفر حماية نسبية للدول الأصغر والأقل قوة، لصالح منطق القوة الغاشمة.
في ظلّ هذه الأوضاع الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية الهشّة، سيتآكل حتماً الوزن الجماعي لأفريقيا في المحافل الدولية. وستتراجع معه قدرتها التفاوضية بشأن قضايا حاسمة مثل إعادة هيكلة الديون، وتمويل برامج مكافحة الإرهاب، ومعالجة تغيّر المناخ، والحصول على مساعدات التنمية.
انعكاسات صمود/ انتصار إيران على علاقتها بأفريقيا
على الرغم من الحصار المفروض عليها، كان لإيران حضور ملحوظ في أفريقيا، سواء عبر التأثير الثقافي والديني في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة أو التي تضمّ أقليات مسلمة كنيجيريا وغرب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
كما كانت، قبل العدوان، مصدراً مهماً لتسليح بعض دول القارة، حيث زوّدتها بأسلحة متطوّرة بأسعار مناسبة، ولا سيما طائرات "شاهد" المسيّرة، المعروفة بتكلفتها المنخفضة والتي تستخدم على نطاق واسع في نزاعات الساحل والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما كانت تبيع نفطها للدول الأفريقية بأسعار مخفّضة، وكان يتمّ توريده عبر أساطيل "شبحية" تستأجرها هذه الدول.
اليوم، تسطّر إيران بكلّ فخر ملحمة صمودها في وجه أقوى قوة عظمى، بفضل عمقها الاستراتيجي وحسن تخطيط قيادتها وتسليحها المناسب لحرب غير متكافئة وتنسيقها مع محور المقاومة. هذا الصمود الذي فاق كلّ التوقّعات، هو في حدّ ذاته انتصار كبير، سينعكس إيجاباً على الدور الذي ستؤدّيه إيران بعد الحرب على الساحة الدولية، والمكانة المرموقة التي ستحتلها بين دول العالم. ومن المؤكد أنّ هذا الصمود والانتصار سيشكّلان حافزاً كبيراً للدول الأفريقية للانفتاح أكثر على هذه القوة الإقليمية الصاعدة.