السيادة العراقية ليست يوماً.. تاريخ من المقاومة والتضحيات كُتب بـ"الدم"
لا تغادر القوات الأجنبية أوطان الآخرين من تلقاء نفسها، وإنّ رحيلها يأتي غالباً حصيلة مقاومة مسلحة، أو رفض شعبي عارم، أو احتجاجات وضغوط سياسية متراكمة، كما تشهد بذلك تجارب تحرر عديدة سجلتها سطور التاريخ الحديث.
-
السّيادة التي تُبنى على حساب من صنعوها بدمائهم لا تلبث أن تنقلب وبالاً على بانيها.
قيل قديماً إنّ الحرية التي لا تُصان بالقوة تبقى وعداً معلّقاً في الهواء، وإنّ السيادة التي لا يسندها سلاح وطني جامع لا تعدو كونها لافتة تُرفع في المناسبات ثم تطوى مع نهاية الاحتفال.
وهذا هو لسان الحال عند العراقيين الذين تابعوا إعلان الحكومة أنّ الثلاثين من أيلول/سبتمبر الجاري؛ سيكون يوماً وطنيا يحمل اسم "يوم السيادة"، فبدت المناسبة في ظاهرها استحقاقاً مشروعاً، بينما انطوت في جوهرها على التباس يستحق أن يقف عنده القرّاء العرب والعراقيون على حدّ سواء.
من البديهي معرفة أنّ السيادة في أدبيات العلوم السياسية وفي تجارب الأمم التي مرّت في مخاض التحرّر لا تقاس بيوم يُعلن من فوق منصة، وإنّما تُقاس بجملة من الثوابت اجتمعت عليها الشعوب قبل أن تجتمع عليها الحكومات، وفي مقدمتها خروج آخر جندي أجنبي من الأرض، وانفراد المؤسسة الأمنية الوطنية بحماية البرّ والبحر والجو، واستقلال القرار السياسي والاقتصادي عن أي إملاء خارجي، وسيادة الخيار الديمقراطي على ما عداه من خيارات مفروضة؛ فإذا توافرت هذه الشروط غدا التاريخ رمزاً يُحتفى به، أما إذا غابت فإنّ أيّ يوم يُراد له أن يَحمل هذا الاسم يبقى عنواناً بلا مضمون.
وعلى مستوى الجدل الذي أُثير في الأوساط السياسية والإعلامية العراقية، فإنّ الإشكال الحقيقي لم يكنْ في أصل تسمية اليوم، بل في محاولة ربطه ضمناً أو صراحة بملف نزع سلاح فصائل المقاومة، وهو ربط أراه خطأ منهجياً قبل أن يكون خطأ سياسياً. ذلك أنّ أدبيات السيادة كما استقرّت عليها تجارب الدول التي خرجت من عباءة الاحتلال، تربط المفهوم بجلاء القوات الأجنبية واستقلالية القرار، لا بتجريد القوى التي صنعت هذا الاستقلال من عتادها، فسلاح المقاومة في الحالة العراقية لم يكنْ يوماً أداة تمرّد على الدولة، بل كان الرافعة التي دحرت تنظيمَي "القاعدة" أولاً ثم "داعـش" لاحقاً، وطهّرت به الأرض العراقية من مشروع إرهابي عابر للحدود، وامتد أثره إلى ما هو أبعد من الجغرافيا العراقية حين وقف إسناداً لمحاور المقاومة الأخرى في المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولا يفوت القارئ الحصيف ملاحظة أنّ هذا التساؤل نفسه طُرح بصيغ متقاربة في اجتماع ضم قيادات سياسية وعسكرية وحشدية إلى جانب رئيس الحكومة، حين دار النقاش حول جدوى وتوقيت أيّ مساس بسلاح المقاومة وقياداتها، في ظلّ الامتداد الاجتماعي العميق الذي تحظى به هذه القوى في الشارع العراقي، وما قد يترتب على ذلك من ردود أفعال يصعُب ضبط مسارها.
وفي مجلس ضمّ أحد أبرز القيادات العسكرية والسياسية المعنية بهذا الملف مباشرة، جرى التداول بأنّ التوجّه نحو حصر السلاح أو نزعه لا يُعبّر عن مطلب شعبي عراقي أصيل، بقدر ما يعكس ضغطاً خارجياً مقروناً بتلويح نحو التضييق على الأموال العراقية، وهو ما نُقل عن أوساط قريبة من صُنّاع القرار أنفسهم لا عن خصوم هذا التوجّه فحسب، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤل جوهري حول من يملك فعلياً صياغة أجندة "يوم السيادة"؟.
لا يمكن قراءة الملف العراقي بمعزل عن سياقه الإقليمي الأوسع، فالمنطقة برمتها تعيش مواجهة مفتوحة بين واشنطن و"تل أبيب" من جهة، ومحور المقاومة من جهة مقابلة، وأي حديث عن نزع السلاح في بغداد لا ينفصل عن هذا الصراع الممتد. وليست هذه المسألة وليدة اللحظة؛ بل هي حلقة في صراع طويل على موازين القوى العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط عملت خلاله واشنطن و"تل أبيب" وحلفاؤهما، على مدى عقود على تقليص قدرات فصائل المقاومة المناوئة للمشروع الإسرائيلي، من خلال ملاحقة قياداتها واستهداف مواقعها في أكثر من ساحة، ما يكشف أنّ جوهر الصراع هو النفوذ والسلاح لا الشعارات التي يُعاد تدويرها بين الحين والآخر.
وعلى مستوى ما بعد معركة "طوفان الأقصى"، فقد دخلت "إسرائيل" منذ اندلاعها عام 2023 في أزمة استراتيجية غير مسبوقة، إذ لم تعد المواجهة كما كانت الحال في الجولات الست السابقة على قطاع غزة محصورة في رقعة جغرافية ضيّقة؛ بل امتدت لتشمل جبهات إسناد متعددة في لبنان والعراق واليمن وإيران، فوجدت واشنطن وحلفاؤها أنفسهم أمام أزمة إقليمية متشابكة الخيوط، دفعتهم إلى تبنّي مقاربة موحّدة تقوم على تحويل سلاح فصائل المقاومة في كلّ بلد على حدة إلى قضية داخلية بحتة يُعاد تأطيرها تحت يافطة السيادة وبناء الدولة.
ففي لبنان يُطرح ملف تسليم السلاح تحت عنوان استكمال سيادة الدولة، فيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية من دون توقّف.
وفي غزة يستمر القصف والدمار بينما يبقى سلاح الفصائل الفلسطينية عنصراً أساسياً في أية معادلة مقبلة.
وفي اليمن يتواصل الضغط العسكري على أنصار الله، وفي إيران يشتد الحصار السياسي والاقتصادي والعسكري معاً.
وهذا التزامن في تقديري لا يترك مجالاً للشكّ في أنّ القضية أكبر من الشأن العراقي الداخلي، وأعمق من مجرد نقاش حول قوة الدولة أو ضعفها.
وعلى الصعيد العراقي تحديداً، يخشى كثيرون أنّ يُفضي أيّ تعامل متسرّع مع ملف سلاح المقاومة إلى فتح باب فتنة داخلية أو مواجهة بين المؤسسة الأمنية الرسمية وقوى قاتلت "داعـش" وشاركت في دحر الاحتلال -الذي هو صنيعة أميركا-، وناصرت القضية الفلسطينية بما لا يحتمل التأويل.
ولعلّ التجربة السورية القريبة تُقدّم درساً بليغاً في هذا السياق، إذ بادرت "إسرائيل" عقب التحوّل السياسي الذي شهدته دمشق، إلى استهداف واسع لمخازن سلاح الجيش السوري ومنظوماته الدفاعية، ما يكشف أنّ جلاء السلاح الوطني يُفقد الدولة غطاءها وتماسكها، ويتحوّل هو نفسه إلى هدف مباشر في أي مشروع لإعادة صياغة موازين القوى في البلد المعني.
ولا يفوت المواطن العربي أن يتساءل وهو حق مشروع: هل تغادر القوات الأجنبية أوطان الآخرين من تلقاء نفسها، أم أنّ رحيلها يأتي غالباً حصيلة مقاومة مسلحة، أو رفض شعبي عارم، أو احتجاجات وضغوط سياسية متراكمة، كما تشهد بذلك تجارب تحرّر عديدة سجّلتها سطور التاريخ الحديث؟
فلو تُركت المسألة لإرادة القوات الأجنبية وحدها، لما كان متصوّراً أن تغادر القواعد التي أقامتها، والدليل أنّ القوات الأميركية لا تزال حتى اللحظة منتشرة في قواعد راسخة داخل اليابان وكوريا الجنوبية، على الرغم من مرور عقود على انتهاء الظروف التي برّرت وجودها أصلاً، وهو ما يؤكد أنّ الوجود العسكري الأجنبي في أيّ بلد يظلّ مرتبطاً في نهاية المطاف بحسابات استراتيجية أميركية معقّدة، لا بإرادة تطوعية صرفة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ الإعلان الأميركي عن سحب أو إعادة تموضع قواتها في العراق لا ينبغي أنْ يُقرأ بوصفه تكرّماً تتفضّل به واشنطن على بغداد أو على شعوب المنطقة، بل بوصفه محصّلة مباشرة للمخاطر الفعلية التي تعرّضت لها هذه القوات، سواء من إيران أو من محاور المقاومة الأخرى، وهي مخاطر شكّلت أحد أهم العوامل التي أرغمت واشنطن على إعادة النظر في طبيعة انتشارها الإقليمي.
وعليه فإنّ "يوم السيادة" إنْ أُريد له أنْ يحمل مضموناً حقيقياً، ينبغي أن يُقرأ بوصفه نقطة انطلاق نحو مشروع وطني أشمل لاستكمال السيادة نحو "تنظيم السلاح" والتنمية والسيادة الكاملة برّاً وبحراً وجوّاً، لا محطة احتفالية عابرة تُطوى صفحتها بانتهاء فعّالياتها الرسمية.
وفي المحصّلة؛ فإنّ استكمال هذا المشروع الوطني يستوجب جملة من الاستحقاقات الفعلية التي تتجاوز حدود خطاب الاحتفاء، وفي مقدمتها إنهاء أيّ وجود عسكري تركي على الأرض العراقية، وإخراج فصائل المعارضة الإيرانية المسلحة من الأراضي العراقية بلا استثناء، وإدماج قوات البيشمركة ضمن منظومة القيادة العامة للقوات المسلحة وفق ما نصّ عليه الدستور العراقي الاتحادي، إلى جانب بناء منظومة دفاع جوي وطنية متطورة تحمي الأجواء التي ظلّت عرضة للانتهاكات المتكررة، وصولاً إلى إنهاء الوصاية الأميركية المفروضة على الأموال العراقية المودعة لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي، ما يُعيد للعراق زمام قراره الاقتصادي والمالي المستقل. وإذا ما تحققت هذه الاستحقاقات مجتمعة لا بإعلان تاريخ فحسب؛ يستطيع العراقيون أن يحتفلوا بيوم سيادتهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب عن جدارة لا عن مجاملة.
ختاماً أحذّر مُخلصاً صانع القرار في بغداد ومن ورائه كلّ من يتابع هذا الملف من العواصم العربية والإقليمية المعنية، من أنّ السّيادة التي تُبنى على حساب من صنعوها بدمائهم لا تلبث أن تنقلب وبالاً على بانيها، وهو تحذير نابع من الآية الكريمة "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" لأنّ باب الاقتتال الداخلي ما برح الأميركي يفتحه عدّة مرات، والآن يحشد قواه وزبانيته فضلاً عن مرتزقة العدو الإسرائيلي نحو جهنم الحرب الداخلية ليقولوا: هل رأيتم نتيجة انسحابنا؟ هذه هي النتيجة هرج ومرج ودماء، فيُشرعن المجتمع الدولي عودته، وعندئذ لن تنفع معه لا مقاومة ولا تدويل لجرائمه التي جعلت من الاحتفاء بيوم السيادة (حدثاً) في سوق هرج "الترند".