السمسار اللبناني: قراءة في عقلية الكومبرادور الجيوسياسي

مقاربة الكومبرادور الجيوسياسي في الحالة اللبنانية تكشف عن بنية أعمق من مجرّد فساد مالي أو قصور إداري. إنها بنية تاريخية ـــــ اجتماعية تشكّلت عند تقاطع اقتصاد ريعي غير منتج.

0:00
  • لبنان.. الكومبرادور المالي و
    لبنان.. الكومبرادور المالي و"هندسة" الانهيار.

تشتقّ تسمية "كومبرادور" من الكلمة الإسبانية التي تشير إلى الوكيل المحلي الذي يعمل لمصلحة مؤسسات أو قوى خارجية في مجالات التجارة والاستثمار.

وقد تطوّر المفهوم في الأدبيات السياسية ليشير إلى طبقة وسيطة في الدول الطرفية ترتبط مصالحها البنيوية بالمراكز الرأسمالية العالمية أكثر مما ترتبط بالبنية الإنتاجية الوطنية. في هذا السياق، لا يُفهم الكومبرادور كفاعل فردي بقدر ما يُفهم كبنية اجتماعية ـــــ اقتصادية تؤدّي وظيفة الوساطة بين الداخل والخارج.

وهكذا، وضمن إطار نظرية التبعيّة كما صاغها مفكّرون مثل أندريه غوندر فرانك وفرناندو هنريك كاردوسو، يُنظر إلى البرجوازية الكومبرادورية باعتبارها فئة تستمد قوتها من اندماجها غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي، لذا هي لا تعمل على فكّ الارتباط بالمركز، بل إلى إدارة هذا الارتباط بما يضمن حصتها من الريع. 

وفي هذا السياق يمكن قراءة التجربة اللبنانية بوصفها نموذجاً خاصاً لدولة طرفيّة اتخذت فيها الكومبرادورية شكلاً جيوسياسياً مركّباً، حيث تداخلت الوساطة الاقتصادية مع الوساطة السياسية والأمنية، في بنية دولة لم تُبنَ تاريخياً على قاعدة إنتاجية صلبة، بل على وظائف خدماتية ومالية وحتى سياسية مرتبطة بالخارج.

أولاً: الكومبرادور المالي و"هندسة" الانهيار

تميّز الاقتصاد اللبناني، منذ الاستقلال، بتركيزه على الخدمات المالية والتجارية والسياحية، أكثر من تركيزه على القطاعات الإنتاجية. وقد جعل ذلك من لبنان منصة مالية إقليمية ومركزاً لتحويل الرساميل، ما عزّز موقع النخب الوسيطة التي تدير هذا التدفّق.

وفي عام 2019، لم يكن انهيار الليرة اللبنانية إلا نتيجة منطقيّة لسنوات من حكم لبنان عبر عقلية كومبرادورية أدارت الدولة كـ "مكتب صرافة" كبير. عملت المنظومة المالية كسمسار لجذب الأموال من المودعين ومن الخارج عبر فوائد خياليّة، ثمّ قامت بتسييل هذه الأصول لتمويل نمط استهلاكي يخدم كبار التجار والمصرفيين المرتبطين بالخارج أيضاً.

وعندما وقع الانهيار الكارثي، لم تتصرّف الطبقة الحاكمة كرجال دولة تبحث عن حلّ، بل كسماسرة في "سوق متعثّرة"، حيث تمّ تهريب الرأسمال "المحظوظ" إلى الخارج، وترك الليرة تنهار لسحق القوة الشرائية للمواطن العادي. ثم تمّ بعدها استغلال الانهيار وتحويله إلى أداة لتخليص ميزانيات المصارف من الديون على حساب المودعين. 

ثانياً: الطائفية كآلية توزيع ريع

لا يمكن فهم الكومبرادورية اللبنانية بمعزل عن النظام الطائفي. فالطائفية ليست فقط نظام تمثيل سياسي يحفظ للطوائف حقّ الفيتو في نظام توافقي، بل أيضاً آلية لتوزيع الموارد والوظائف والامتيازات. في هذا الإطار، يتحوّل الزعيم الطائفي إلى وسيط مزدوج: يمثّل طائفته أمام الدولة، ويمثّل الدولة (أو جزءاً منها) أمام الخارج.

هذا التحالف البنيوي بين الكومبرادورية والطوائف يفسّر قدرة النظام على الاستمرار رغم الأزمات المتكررة؛ إذ تُعاد صياغة التوازنات الداخلية والطائفية استناداً إلى تحوّلات في موازين القوى الخارجية.

ثالثاً: الدولة كوظيفة جيوسياسية

يمكن النظر إلى لبنان، تاريخياً، بوصفه دولة أدّت وظيفة جيوسياسية محدّدة: وسيط مالي، منصة خدمات، وساحة للتفاعلات أو الصراعات الإقليمية. وهكذا، وفي لحظات الأزمات الإقليمية أو النزاعات، يتعزّز دور "السمسار" الذي يسعى إلى إعادة تموضعه بما ينسجم مع التحوّلات الخارجية أو مع موازين القوى السائدة في اللحظة الراهنة. 

وهكذا، وعلى سبيل المثال، وفي خضمّ الحرب الإسرائيلية على لبنان، رأى عدد من السياسيين اللبنانيين في تلك الحرب فرصة لـ "إعادة صياغة التوازنات" وإزاحة خصومهم السياسيين، والاستحصال على "وكالة" خارجية في مشهد يتكرّر باستمرار في لبنان، حيث تستغلّ الأطراف الداخلية تبدّل موازين القوى الخارجية للكسب في الداخل.

رابعاً: سيكولوجية السمسار 

إلى جانب البعد البنيوي، يمكن الحديث عن بعد سيكولوجي ـــــ سياسي للنخبة الوسيطة اللبنانية. فالوسيط يعيش على "الفارق" بين طرفين، لا على خلق قيمة مستقلة. وعادة ما تتسم قراراته بقصر الأمد، لأنّ الربح يتحقّق من قدرته على إدارة اللحظة والاستفادة منها، لا من الاستثمار في المستقبل.

بهذا المعنى، يكون غياب الدولة القوية نتيجة منطقية لبنية سياسية تستمدّ شرعيّتها من استمرار الاعتماد على الخارج ومن بقاء الفجوة بين الداخل والخارج قائمة.

والنتيجة، أنّ مقاربة الكومبرادور الجيوسياسي في الحالة اللبنانية تكشف عن بنية أعمق من مجرّد فساد مالي أو قصور إداري. إنها بنية تاريخية ـــــ اجتماعية تشكّلت عند تقاطع اقتصاد ريعي غير منتج، ونظام طائفي يقوم على الوساطة، ووظيفة جيوسياسية تُعيد إنتاج هشاشة الدولة وارتهانها للخارج كلما تبدّلت موازين القوى الإقليمية والدولية.