السعودية تمنح فرصة استراتيجية لـ"إسرائيل" للسيطرة في البحر الأحمر

كشفت اللقاءات السرية الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أبو ظبي أن الموساد رتّب التنسيق بناءً على طلب وساطة لمساعدة دول في المنطقة (من بينها السعودية) لمواجهة الصواريخ اليمنية.

0:00
  • أرض الصومال صومالاند فرصة 
    أرض الصومال (صومالاند) فرصة  "إسرائيل" الاستراتيجية في البحر الأحمر.

تُعد السيطرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب حالياً أحد أبرز وأخطر أبعاد الصراع بين السعودية و"الحوثيين"؛ فنحن أمام معركة نفوذ جيوسياسية واقتصادية مباشرة على خطوط الملاحة الدولية والطاقة.

يمثل البحر الأحمر الممر الأساسي للمشاريع الحيوية السعودية (مثل مشروع نيوم والمدن الاقتصادية) وصادرات النفط المتجهة غرباً. ويشن "أنصار الله" بانتظام هجمات بالمسيّرات والصواريخ على الموانئ والمنشآت النفطية السعودية المطلة على البحر الأحمر؛ ما يعطل تدفقات الطاقة ويشكل تهديداً مباشراً لخطط المملكة الاقتصادية، بينما يستمر القصف السعودي العنيف على مختلف المناطق اليمنية.

ترى السعودية أن سيطرة "أنصار الله" على الساحل الغربي وجزيرة ميون (بريم) تمنح إيران قوة التحكم بـ 12% من حركة التجارة العالمية و7% من إنتاج النفط العالمي. وقد سعت منذ تدخلها العسكري إلى فرض رقابة وحصار بحري لمنع تدفق الأسلحة والتقنيات الإيرانية إلى "أنصار الله" عبر الموانئ اليمنية، بينما يحاول الطرف الآخر اليوم كسر هذا الطوق وفرض واقع جديد يهدد أمن الملاحة الخليجية برمّتها.

تكتسب السيطرة على البحر الأحمر -وهي المحرك الحالي والأكثر تفجراً للصراع- ثقلاً سياسياً وعسكرياً مهماً؛ إذ نقلت المواجهة من نطاقها المحلي والإقليمي التقليدي إلى معادلة دولية معقدة تمسّ أمن الطاقة العالمي. وتسعى "إسرائيل" من وراء تدخلها في البحر الأحمر إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: كسر الحصار البحري الحوثي على موانئها، وتأمين جبهتها الجنوبية ضد الصواريخ الباليستية، ومنع إيران من امتلاك ورقة ضغط استراتيجية.

ينبع دخول "إسرائيل" على خط أزمة البحر الأحمر من مصالح أمنية وجيوسياسية خاصة؛ إذ يمثل البحر الأحمر الممر الملاحي الوحيد الذي يربط "إسرائيل" بالأسواق الآسيوية الحيوية عبر ميناء إيلات (أم الرشراش). وتستهدف "إسرائيل" عسكرياً إعادة فرض الردع وتأمين خطوط ملاحتها.

تحوّل اليمن في الحسابات الإسرائيلية من تهديد بعيد إلى جبهة مواجهة مباشرة ونشطة؛ إذ يستخدم "أنصار الله" الصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى لاستهداف مدن إسرائيلية (مثل إيلات وتل أبيب). وتهدف الضربات الجوية الإسرائيلية المباشرة (مثل قصف ميناءي الحديدة وصنعاء) إلى إضعاف البنية التحتية العسكرية للحوثيين على الساحل الغربي لليمن لمنع إطلاق المقذوفات نحو الشمال.

أرض الصومال (صومالاند) فرصة "إسرائيل" الاستراتيجية في البحر الأحمر

تهدف قنوات التنسيق وتبادل المعلومات برعاية القيادة المركزية الأميركية بين "إسرائيل" وبعض دول الخليج إلى بناء صورة استخبارية موحدة حول تحركات "أنصار الله" في البحر الأحمر.

ترتبط المسألة الصومالية بـ "أرض الصومال" (صومالاند) ارتباطاً وثيقاً بالاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة في البحر الأحمر؛ فقد أحدثت الخطوة الإسرائيلية المفاجئة منذ فترة -باعترافها رسمياً بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة- تحوّلاً جذرياً في هندسة التحالفات جنوب البحر الأحمر.

تمتلك أرض الصومال ساحلاً يمتد إلى 850 كيلومتراً على خليج عدن، ولا يفصلها عن الساحل اليمني حيث يوجد الحوثيون سوى 260 كيلومتراً فقط. وعقب توقيع اتفاقية الاعتراف المتبادل بين "صومالاند" و"إسرائيل"، بدأت مشاورات حول تعاون أمني يشمل إمكانية منح "إسرائيل" وجوداً عسكرياً أو استخبارياً في ميناء بربرة الاستراتيجي.

يسمح هذا الوجود لـ"تل أبيب" بمراقبة ورصد المسيّرات والصواريخ الحوثية من نقطة قريبة جداً، وحماية السفن المتجهة إلى ميناء إيلات. وكان التدخل الإسرائيلي قد أفرز في مرحلة سابقة انقساماً حاداً في القرن الأفريقي تمثل في تشكّل محورين متضادين:

محور بربرة (إسرائيل - الإمارات - إثيوبيا): ويدعم حصول إثيوبيا على منفذ بحري تجاري وعسكري عبر أرض الصومال بمقايضة سياسية وتمويلية تدعمها "إسرائيل".
محور مقديشو المناهض (الصومال - مصر - تركيا - السعودية): يرفض المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، ويعدّ الخطوة الإسرائيلية محاولة لتفتيت المنطقة وإشعال جبهة صراع جديدة.
جاء الاختراق الإسرائيلي في أرض الصومال ليعوّضها عن تراجع علاقاتها أو تجميدها مع دول مشاطئة أخرى؛ مثل إريتريا والسودان (الذي جُمّد مسار التطبيع معه). لذا، تمثل هرجيسا (عاصمة أرض الصومال) بالنسبة إلى"إسرائيل" حليفاً يريد اعترافاً دولياً ومستعداً لتقديم تسهيلات عسكرية مقابل هذا الوزن الدبلوماسي.

تحركت السعودية لتطويق الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي؛ حيث وقّع وزير الدفاع السعودي مذكرة تعاون عسكري ودفاعي مشترك مع نظيره الصومالي في الرياض، وبالتنسيق مع مصر بنت تحالفاً سياسياً وعسكرياً لدعم الحكومة المركزية في مقديشو، والحد من محاولات التمدد الإسرائيلي عبر الأقاليم الانفصالية جنوب البحر الأحمر. لكن التطورات الأخيرة في سبتمبر 2026 أفرزت معادلتين منفصلتين في التعامل مع التدخلين الإماراتي والإسرائيلي.

الإمارات و"إسرائيل" وشروط التدخل ضد "أنصار الله"

بعد فترة من الخلافات الهيكلية العميقة وتنافس النفوذ الذي أدى إلى انسحاب أبوظبي سابقاً وانهيار جبهة الساحل الغربي، فرض الواقع الجديد تراجعاً تكتيكياً من الطرفين لتوحيد الصفوف وتشكيل جبهة صد برية توقف زحف الحوثيين نحو المحافظات الجنوبية ومناطق النفط.

الإماراتيون لا يدخلون كـ "شريك مجاني"، بل يطرحون شروطاً لترتيب نفوذهم ومصالحهم الجيوسياسية في البحر الأحمر (بما في ذلك ملف موانئ صومالاند والسودان)، وهو ما يضع الرياض بين فكي مأزق الاستعانة بنفوذ الإمارات أو مواجهة الحوثيين منفردة.

تستعين السعودية بقدرات "إسرائيل" المتقدمة في مجالي الدفاع الجوي (لاعتراض المسيّرات والصواريخ الحوثية) والمعلومات الاستخبارية لرصد التهديدات قبل انطلاقها.

يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف هذه الحاجة الأمنية الملحّة للمملكة كأداة ضغط عبر واشنطن؛ حيث تعرض "إسرائيل" الدعم الأمني والإنذار المبكر شريطة إحداث اختراق أو تقديم تنازلات تدفع بملف التطبيع المتعثر.

يوفر هذا التدخل المزدوج حماية مؤقتة لخطوط الملاحة ومنشآت "آرامكو"، ويمنع الانهيار الكامل للقوات المناهضة للحوثيين على الأرض. غير أنه في المقابل يربط أمن المملكة الداخلي بحسابات إقليمية معقدة، ويجعل الجغرافيا اليمنية ساحة مواجهة دولية مفتوحة، في وقت تسعى فيه الرياض للتركيز على استقرارها الداخلي وإنجاح مشاريعها الاقتصادية الكبرى بعيداً عن صراعات المحاور.

هذا التدخل المباشر يمنح "إسرائيل" الفرصة التي طالما بحثت عنها لشرعنة وتثبيت نفوذها العسكري والاستراتيجي في البحر الأحمر وجنوبه.

كشفت اللقاءات السرية الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أبوظبي أن الموساد رتب التنسيق بناءً على طلب وساطة لمساعدة دول في المنطقة (من بينها السعودية) لمواجهة الصواريخ اليمنية.

هذا الوضع يمنح "إسرائيل" الضوء الأخضر غير المعلن لنشر وتجربة منظوماتها للدفاع الجوي والرادارات في عمق الجزيرة العربية وعلى شواطئ البحر الأحمر، وهو ما ينقلها من "كيان معزول" إلى "شريك أمني ضروري" لحماية أمن الطاقة الخليجي.

تسعى "إسرائيل" وحليفتها الإمارات لترسيخ "محور بربرة" عبر الاعتراف بأرض الصومال واستئجار قواعد عسكرية مطلة على خليج عدن. هذا الوجود يمنح البحرية الإسرائيلية قواعد إسناد استخبارية وعسكرية متقدمة تعوضها عن أي إغلاق قد يفرضه "أنصار الله" على مضيق باب المندب، ويجعلها قادرة على حماية سفنها المتجهة إلى إيلات من نقطة الصفر جنوباً.

فهل نجحت "إسرائيل" في تحويل ملف "أنصار الله" من "تهديد يخصّ إسرائيل وحدها بسبب حرب غزة" إلى أزمة أمن قومي تضرب الملاحة السعودية والخليجية مباشرة؟

بناءً على ذلك، فإن عودة اشتعال الحرب النفطية والبحرية في اليمن تخدم تماماً الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فهي تضعف خصمها بأيدي قوى متعددة، بينما تقوم السعودية بالتنسيق الأمني معها، وتمنحها التموضع الجيوسياسي الذي تريده للتحكم بمستقبل البحر الأحمر. والتفاهمات الأمنية المستجدة مع السعودية تمنح إسرائيل "بوابة شرعية ودائمة" إلى البحر الأحمر.

هذا التداخل بين التفاهم الشمالي (السعودي) والتموضع الجنوبي (في صومالاند) يحقق لـ "إسرائيل" الوجود -بشكل مباشر أو عبر حلفاء وتفاهمات أمنية- على طول خط الملاحة من ميناء إيلات في أقصى الشمال، مروراً بوسط البحر الأحمر، وصولاً إلى القرن الأفريقي في الجنوب.

في هذا الوضع، كيف ستتمحور استراتيجية الرد الإيراني اليمني لمواجهة التفاهمات السعودية- الإسرائيلية والتموضع في "أرض الصومال"؟

بينما تحتفظ طهران بالقدرة على إغلاق مضيق هرمز، ينفذ "أنصار الله" الشق الثاني عبر التهديد بإغلاق مضيق باب المندب وبوابة البحر الأحمر الجنوبية تماماً. يهدف هذا الإطباق إلى تجريد السعودية و"إسرائيل" من أي ممرات آمنة بديلة لتصدير واستيراد النفط والسلع؛ ما يضع أمن الملاحة الدولية في مأزق اقتصادي غير مسبوق.

كشفت الدفاعات اليمنية والدولية مؤخراً عن بدء "أنصار الله" -بإشراف مباشر وتكتيكات مبتكرة- تنفذ ردوداً لا تقتصر على ضرب السفن فحسب، بل تمتد لتهديد مسارات النقل الجوي الدولي المدني والإنساني التي تعبر فوق البحر الأحمر وخليج عدن؛ ما يزيد من تكلفة عسكرة المنطقة على "إسرائيل" وحلفائها.

أعلن رئيس المجلس السياسي الأعلى لـ "أنصار الله" مهدي المشاط صراحة أن السعودية "ستدفع الثمن" لقاء استمرار الحصار البحري والدعم غير المباشر للمحاور المعادية لهم.

تنخرط السعودية اليوم في تفاهمات أمنية واستخبارية تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لربط راداراتها ومنظوماتها الدفاعية مع دول المنطقة و"إسرائيل" لمواجهة التهديدات الجوية. هذا التموضع يضع الرياض وطهران في معسكرين متواجهين تماماً، حيث يمر الصراع السعودي - الإيراني بأشرس مراحله حول من يتحكم بأمن الممرات المائية والطاقة في الشرق الأوسط (هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر).