الحلقات الخمس: كيف تحاصر الحروب المترابطة الاقتصاد السوري؟

على الرغم من حاجة السوريين إلى تغيير واقعهم السياسي والاقتصادي ما قبل 2011، إلا أن أهم أسباب الكارثة لا تتوقف على الصراع الداخلي السوري فقط، بل هو مرتبط بشكل لصيق بالصراع الدولي على بنية النظام الدولي.

0:00
  • الوضع الاقتصادي السوري ليس وليد الصراع الداخلي فقط.
    الوضع الاقتصادي السوري ليس وليد الصراع الداخلي فقط.

لم يكن يكفي سوريا حرب تجاوزت الثلاثة عشر عاماً بمستوياتها الثلاثة (محلية - إقليمية - دولية) كي تصل إلى وضع اقتصادي أقرب إلى الانهيار، تركت آثارها على الاقتصاد الزراعي والصناعي بشكل أساسي، الأمر الذي بدا أثره واضحاً على غالبية المجتمع السوري. فبعد أن كانت سوريا تصدّر القمح والزيتون والمنسوجات إلى أسواق المنطقة، أصبحت اليوم من أكبر الدول المحتاجة إلى المساعدات الإنسانية.

أرقام للدلالة

حتى نهاية عام 2024، كان مستوى الفقر العام قد وصل إلى حدود 90%، منهم تحت خط الفقر الأساسي، فيما هناك 25% من السوريين تحت خط الفقر المدقع بمعدل 2.15 دولار للفرد الواحد، بينما هناك 67% تحت مستوى خط الفقر الأدنى 3.65 دولارات للفرد.

وقد تكون الأرقام أكثر وضوحاً بعد انهيار الطبقة الوسطى التي هي عِماد قيام الدول ونهضتها، وتحوّلها إلى مستويات الفقر المتعددة التصنيفات. ويكفي أن نلتفت إلى الأرقام الأكثر تعبيراً عن حجم الكارثة الاقتصادية السورية بالأرقام الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية، إذ تُظهر مؤشرات WFP وOCHA تحوّلاً في أزمة الأمن الغذائي في سوريا بين نهاية 2024 وقرب نهاية 2026: ارتفع إجمالي من فقدوا أمنهم الغذائي من 12.9–13 مليون إلى 13.3 مليون، واتسع انعدام الأمن الغذائي الحاد من 3.1 إلى 7.1 مليون، كما زاد عدد المعرضين للخطر من 2.6 إلى 6.2 مليون، بسبب الغلاء وتراجع الدخل والتمويل الدولي.

 وفي المقابل، انخفض الجوع الشديد/الطارئ من 3.1 مليون إلى 700 ألف، بفعل الهدوء العسكري النسبي وتعافي بعض قطاعات الزراعة والخبز. وظل إجمالي المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية الشاملة مرتفعاً عند 15.6 مليون، أي نحو ثلثي السكان، بالرغم من مؤشر إيجابي بتراجع عدد قاطني المخيمات من 2.2 مليون إلى 770 ألف شخص.

كلفة إعادة الإعمار: أرقام تُذهل العقول

فإعادة بناء ما دمرته الحرب من بنى تحتية يحتاج، وفقاً لما قدّره البنك الدولي من كلفة لإعادة الإعمار في سوريا، بنحو 216 مليار دولار كتقدير متوسط ومتحفظ، مع نطاق إجمالي يتراوح بين 140 و345 مليار دولار للأصول المادية المتضررة، بينما قدّرت الأمم المتحدة سابقاً الحاجة إلى نحو 400 مليار دولار لتعافٍ كامل. وللمقارنة، فإن الناتج المحلي الإجمالي السوري قبل الحرب (2010) كان يبلغ نحو 60 مليار دولار. أي أن كلفة الإعمار تعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الاقتصاد السوري السابق.

ويضاف إلى ذلك حجم الديون الخارجية السورية، التي تقدر بنحو 30 مليار دولار، منها ديون لروسيا وإيران ودول خليجية، بالإضافة إلى الديون الداخلية المستحقة للمواطنين والمؤسسات. كما أن الاحتياطي النقدي الأجنبي للبنك المركزي السوري قد تقلص إلى مستويات متدنية للغاية، ما يجعل القدرة على تمويل الواردات الأساسية محدودة.

الحروب الخمس: من الحرب الداخلية إلى حرب اليمن

الوضع الاقتصادي السوري ليس وليد الصراع الداخلي فقط، بل هو مرتبط بشكل لصيق بالصراع الإقليمي والدولي على بنية النظام الدولي. هذا الصراع أفرز حروباً مترابطة فيما بينها على الجغرافيا السياسية والممرات التجارية البحرية والبرية.

الحلقة الأولى: الحرب السورية الداخلية (2011-2024)، التي دمرت البنية التحتية والاقتصاد والمجتمع.

الحلقة الثانية: الحرب في أوكرانيا (2022- )، التي أعادت رسم التحالفات الدولية، ورفعت أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، وأثرت في سلاسل الإمداد.

الحلقة الثالثة: "طوفان الأقصى" في فلسطين ولبنان (2023- )، التي أعادت ترتيب الاصطفافات الإقليمية، ووضعت سوريا الجديدة في قلب معادلة جديدة.

الحلقة الرابعة: حرب الخليج الثالثة والرابعة (2026)، التي أغلقت مضيق هرمز، وضربت الاقتصاد العالمي، وأثرت في قدرة دول الخليج على التمويل.

الحلقة الخامسة: انفجار الحرب في اليمن والسعودية (2026)، التي أغلقت مضيق باب المندب، وضربت البنية النفطية السعودية، وأوقفت الصادرات السعودية بشكل شبه كامل.

هذه الحلقات الخمس ترسم حدوداً للآمال السورية التي راهنوا عليها للخروج من الكارثة. فالاقتصاد السوري المنتج يواصل مسيرة انهياره نحو هوة سحيقة، في ظل حروب مترابطة لا يعرف أحد متى تنتهي، ولا كيف ستعيد تشكيل المنطقة.

الاقتصاد كمهدد وجودي

هذه الأرقام تُؤرق كل من ينظر إلى مستقبل سوريا. فعلى الرغم من التغيير الكبير الذي حصل في بنية النظام السياسي، فإن دوافع الكارثة السورية ما زالت مستمرة. فعلى الرغم من حاجة السوريين إلى تغيير واقعهم السياسي والاقتصادي ما قبل 2011، فإن أهم أسباب الكارثة لا تتوقف على الصراع الداخلي السوري فقط، بل هو مرتبط بشكل لصيق بالصراع الدولي على بنية النظام الدولي.

والمشكلة أن هذا الصراع لا يبدو أنه سينتهي قريباً. فالحرب في أوكرانيا مستمرة، والحرب في غزة ولبنان لم تحسم، والحرب في الخليج واليمن مفتوحة على كل الاحتمالات. وهذا يعني أن سوريا، بحكم موقعها الجغرافي في قلب هذه الحروب، ستظل عرضة للاستنزاف والتفكيك، ما لم تتغير معادلات القوى الإقليمية والدولية.

في الجزء الثاني، سنتناول العوامل الإقليمية والدولية التي تمنع تمويل إعادة الإعمار.