الحرب اليمنية السعودية في ميزان المصالح الأميركية
تستمر الحرب في اليمن وتحولت من مجرد صراع داخلي إلى مواجهة إقليمية ودولية تمسّ عصب الملاحة العالمية.
-
الحرب على اليمن... ماذا عن أميركا؟
شنّت السعودية نحو 500 غارة جوية على محافظات يمنية مختلفة خلال الأسبوع الماضي. في مواجهة التقدم الأخير لأنصار الله نحو الساحل وباب المندب، أما مجلس التعاون الخليجي فهو يستمر في الوقوف الكامل مع السعودية في أي إجراءات تتخذها لحماية أمنها وسيادتها، مع التأكيد على المرجعيات الدولية للحل في اليمن.
في حين يركز الموقف الإماراتي على دعم القوى المحلية المناهضة لأنصار الله وتأمين المضائق البحرية الحيوية، تقود سلطنة عمان وقطر جهود الوساطة الإقليمية والدولية للوصول إلى سلام مستدام وتجنيب المنطقة تداعيات التصعيد المرتبط بالملفات الإقليمية الأخرى.
ترامب واستمرار الحرب في اليمن؟
إن الذين يرون أن عدم انخراط الولايات المتحدة و "إسرائيل" بشكل مباشر في الحرب اليوم أمر مهم يختارون أن يتجاهلوا التجربة الأخيرة التي خاضتها هاتان القوتان مع اليمن والمعادلة التي خلقتها الحرب مع إيران.
تستمر الحرب في اليمن وتحولت من مجرد صراع داخلي إلى مواجهة إقليمية ودولية تمسّ عصب الملاحة العالمية.
الموقف الأميركي بقي مدفوعاً برغبة ترامب في تجنب الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع بالتزامن مع المواجهة الجارية مع إيران، ما خلق فجوة وخيبة أمل لدى الحلفاء الخليجيين بسبب الوعد الذي قطعه من أجل الإعداد لحزمة ضربات عسكرية جوية ضد القوات المسلحة اليمنية بناءً على طلب مساعدة ملحّ ومباشر من المملكة العربية السعودية. لكنه تراجع وألغى الضربات مفضّلاً عدم استئناف الحملة الجوية لعدم رغبته في توسيع الحرب وسط انتخابات التجديد النصفي الأميركية الممتدة والتوترات المتصاعدة مع طهران.
التزمت الولايات المتحدة بالاتفاق المعقود عام 2025 مع أنصار الله بعدم استهداف السفن والقوات الأميركية في البحر الأحمر. وتخشى واشنطن أن يؤدي تجدد القصف الأميركي إلى انهيار هذا التفاهم وتعرض قواتها للخطر مجدداً.
يجد ترامب نفسه أمام معضلة إستراتيجية معقدة: رغم الضغط السعودي للحصول على دعم عسكري مباشر لكبح التمدد اليمني الأخير نحو المرتفعات الجبلية والساحل الغربي ومضيق باب المندب، الذي يهدد طرق تصدير النفط السعودي البديلة. اكتفى ترامب بتنسيق دعم محدود؛ من بريطانيا وتقديم دعم لوجستي وتزويد الطائرات السعودية بالوقود، وأكد وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو التزام واشنطن العام بأمن السعودية، لكن من دون ترجمة الأمر عسكرياً.
ترامب يركز على الجبهة الإيرانية وفي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجّه ترامب تهديداً شديد اللهجة لإيران بـ "الإبادة التامة" ما لم تبرم اتفاق سلام شاملاً مع واشنطن، مطالباً بعزلها اقتصادياً وتجفيف منابع تمويل أذرعها، بدلاً من الدخول في حرب استنزاف برية أو جوية غير شعبية داخل الأراضي اليمنية.
الموقف الإسرائيلي داعم للسعودية ولكن؟
تعارض الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أي هجوم على اليمن خشية انهيار التحالف السعودي أمام القوات اليمنية. علاوة على ذلك، فإن القدرات التي أظهرها اليمنيون تُثير قلق "إسرائيل" البالغ، يبدو أن هناك تقسيماً للأدوار، "إسرائيل" تقدم دعماً استخبارياً او دفاعياً خلفياً للرياض، حيث تنظر "تل أبيب" إلى التطورات الميدانية الأخيرة وتحديداً سقوط الساحل الغربي ومضيق باب المندب بيد أنصار الله كتهديد استراتيجي مباشر لأمنها القومي واقتصادها القائم على الملاحة البحرية. القيادة المركزية CENTCOM تلعب دوراً في التنسيق ألامني والاستخباري المكثف.
تعرض "إسرائيل" تقديم خدماتها الأمنية من خلال تزويد السعودية بمعلومات استخبارية دقيقة حول المواقع العسكرية لأنصار الله، وبنيتهم التحتية الخاصة بالأسلحة والمسيّرات، وخططهم العملية. من أجل تعزيز قدرة الدفاعات السعودية على صد الهجمات الصاروخية ومحاولات استهداف العمق ومنشآت الطاقة، مستغلة التقاطع الكبير في المصالح لمواجهة التهديد الإيراني المشترك.
تقلق "تل أبيب" من نجاح "الحوثيين" في فرض واقع عسكري جديد بالسيطرة على مدينة المخا، وجزيرة ميون، والتحكم الفعلي في مضيق باب المندب.
هذا التقدم يمنح طهران أداة ضغط غير مسبوقة عبر ما يسمى "تشبيك المضيقين" ربط مضيق هرمز بباب المندب، ما يهدد حركة شحن النفط والسلع الإسرائيلية التي تعتمد بنسبة 98% على الممرات البحرية.
النجاحات الميدانية الأخيرة للقوات المسلحة اليمنية تعكس ما يصفونه بـ "تآكل قدرة الردع السعودية والأميركية" في البحر الأحمر. لذلك تُرفع درجة الاستعداد والجاهزية القتالية لسلاح البحرية ومراكز القيادة والسيطرة. حيث نشرت "إسرائيل" قطعاً بحرية إضافية في البحر الأحمر لمراقبة تحركات الحوثيين. تتجنّب الانفراد بفتح جبهة حرب استنزاف مباشرة مع الحوثيين، طالما أن الجماعة تُركز عملياتها الحالية ضد الجانب السعودي وتُبقي "إسرائيل" والولايات المتحدة خارج دائرة الاستهداف المباشر مؤقتاً بموجب تفاهمات التهدئة الأخيرة. لقد تلقّوا ضربات قوية من "إسرائيل"، وضربات عديدة من الولايات المتحدة، وتعرّضوا للغارات الجوية السعودية لسنوات، ومع ذلك، فإن قدراتهم تتحسن باستمرار. وهو ما يُثير القلق في الوقت الراهن، لا يملك أحد "رادعًا للحوثيين"، لا الأميركيون ولا الإسرائيليون ولا السعوديون. "إنهم الحصان الغامض الذي لا يتوقع أحد الفوز به".
الحرب اليمنية السعودية اإلى أين؟
هل منح التردد الأميركي والإسرائيلي "الحوثيين" دافعاً للتصعيد؛ حيث يشنّون حالياً هجوماً برياً خاطفاً ومكثفاً في جبهات مثل الجوف والساحل الغربي بهدف السيطرة الكاملة على المرتفعات الاستراتيجية المتبقية وعزل الساحل المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
غياب التدخل الأميركي المباشر وتريّث القوى الأخرى، يضع السعودية أمام خيارين، إما الاستمرار في حرب استنزاف دفاعية ومكلفة لحماية منشآتها النفطية أو البحث عن ممرات دبلوماسية بديلة عبر وساطات دولية أخرى كأوروبا.
لكن، إذا استهدف أنصار الله أي سفن حربية أو ناقلات تجارية أميركية في البحر الأحمر، فسيجبر ذلك ترامب على الرد العسكري الفوري لحفظ هيبة واشنطن. ويركز ترامب بشكل أساسي على الاقتصاد، وإذا تسببت الضربات اليمنية على منشآت أرامكو أو حصار باب المندب في قفزة جنونية بأسعار الوقود عالمياً وفي السوق الأميركية، فسينظر إلى ذلك كتهديد مباشر لمصالحه الداخلية.