الحرب المركّبة: كيف تدير واشنطن وطهران و "تل أبيب" صراع الحافة؟
خلاصة الموقف الأميركي، أنه لا يدير حرباً عادية، ولا مفاوضات تقليدية، بل مفاوضات تحت النار، وفي مساحة النقطة الحرجة التي قد تنقل الحرب إلى مرحلة اللاعودة، لزيادة الضغط على الإيراني.
-
تتحرك الأطراف كافة ضمن لعبة ضغط مركّبة لا مسارات منفصلة.
بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الحرب على إيران، بات المشهد يتحوّل إلى مرحلة حساسة بين إمكانية التصعيد العسكري ودخوله مراحل أكثر خطورة واتساعاً، وبين محاولة فرض تسوية سياسية، توقف الحرب ضمن إطار عام للتفاوض مجدداً.
في هذا السياق، تتحرك الأطراف كافة ضمن لعبة ضغط مركّبة لا مسارات منفصلة، ومن هنا يصبح قراءة مواقف الأطراف ضرورة ملحّة لمعرفة مسارات الحرب المستقبلية.
الموقف الأميركي
ما زال موقف الرئيس دونالد ترامب ضبابياً، فهو يمارس لعبته المفضّلة، من خلال التصاريح المتناقضة، واللعب على الفجوة بين النيّات والواقع الميداني.
ففي وقت يعلن عن بدء مسار تفاوضي مع إيران، وتقديم خطة لإنهاء الحرب ذات 15 نقطة، يشهد الواقع الميداني مزيداً من الحشودات العسكرية، ونقل قوات برية إلى المنطقة تحت تهديد باحتلال جزيرة "خراج"، الشريان الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، مع احتمال سيطرة برية على بعض المناطق الساحلية الإيرانية المطلة على مضيق هرمز.
إذاً، الأميركي لم يصل بعد إلى نقطة نضج الاتفاق، بل يستخدم التصعيد لتحسين شروطه، ولكن في الوقت ذاته، تفتح التجربتان السابقتان للرئيس ترامب 2025، والحرب الحالية مع إيران، الباب واسعاً أمام احتمالية أن كل المسار التفاوضي الذي يتحدث عنه ترامب مجرد غطاء تكتيكي لكسب الوقت واستكمال الاستعدادات لعملية عسكرية أوسع، مع تجنب ارتفاع حاد في أسعار النفط، وتهيئة بيئة سياسية وإعلامية داخلية تُبرّر أي تصعيد لاحق، عبر تحميل إيران مسؤولية فشل المسار الدبلوماسي.
ما يعزز التشكك في نيات ترامب في التفاوض، أن إنهاء الحرب في ظل موازين القوة الحالية، يعدّ انتصاراً مهماً للنظام الإيراني.
أولاً، لم يتحقق إسقاط النظام بالقوة كما كان يخطط له ترامب ونتنياهو.
ثانياً، صورة الردع الأميركية تجاه الإيراني ستتراجع إلى حد كبير، وتثبت إيران أنها رقم صعب في المنطقة لا يمكن إخضاعه بالقوة العسكرية.
ثالثاً، "إسرائيل" وفكرة "إسرائيل الكبرى"، وتوسعها في الإقليم، وفرض قواعد اشتباك بالقهر على المنطقة، ولا سيما لبنان، ستتراجع بشكل كبير.
رابعاً، الخليج بعد هذه التجربة ومعه العرب بشكل كامل، سيصلون إلى نتيجة أن أمنهم القومي لا يمكن ارتهانه بالقدرة الأميركية وقواعدها في مناطقهم، بل يجب أن يكون الأمن القومي العربي بيد العرب أنفسهم وليس غيرهم، إذ أثبتت التجربة أن لا حليف لأميركا في المنطقة إلا "إسرائيل".
سادساً، النفط الإيراني سيتم تخفيف القيود عليه من أجل تعويض الاحتياطات النفطية التي فقدتها الدول الكبرى أثناء الحرب بما فيها الاحتياطات الأميركية، أضف إلى ذلك، أن بعض الدول ستعمل على إيجاد حلول مع إيران، بعيداً عن الضغط الأميركي بشأن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة لديها.
سابعاً، التموضع الأميركي في العالم في مواجهة الصين وروسيا سيتراجع بشكل كبير، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي تعدها أميركا منطقة نفوذ خالصة لها.
في المقابل، تحول الحرب إلى حرب استنزاف، لا يمكن التنبؤ بمآلاتها وفقدان القدرة على ضبطها، على غرار التجربة الفيتنامية، أكثر خطورة على الأميركي من الذهاب إلى الحلول التفاوضية في ظل غياب القدرة على الحسم العسكري.
لذا، خلاصة الموقف الأميركي، أنه لا يدير حرباً عادية، ولا مفاوضات تقليدية، بل مفاوضات تحت النار، وفي مساحة النقطة الحرجة التي قد تنقل الحرب إلى مرحلة اللاعودة، لزيادة الضغط على الإيراني.
الموقف الإسرائيلي
رغم أن وثيقة ترامب ذات الخمس عشرة نقطة تعد جيدة لها، لكن القلق الإسرائيلي من تحوّلها إلى سقف تفاوضي يتقلص من خلال التفاوض إلى"اتفاق سيئ"، وبذلك القلق الإسرائيلي ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو تعبير عن مخاوف وجودية تتعلق بقدرة إيران على امتلاك أسلحة نووية، التحذيرات من أن الاتفاق قد يترك لإيران كمية من اليورانيوم المخصب تكفي لإنتاج 11 قنبلة نووية، وصواريخ باليستية تهدد كامل الجغرافية الإسرائيلية، سيضع "إسرائيل" مرة أخرى أمام المشكلة ذاتها، بمعنى أنها لم تحقق إنجازاً استراتيجياً تجاه خارطة التهديدات المحيطة بها بعد حربين مع إيران، بل جاء الاتفاق بمنزلة إعلان أميركي ودولي بإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها حتى بالحلول العسكرية.
رغم هذه المعضلة، تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بأنه "ليس أمام "إسرائيل" خيار سوى الانسجام مع ترامب"، رغم تفضيل مواصلة الهجمات، تكشف عن مأزق استراتيجي. فـ "إسرائيل" تجد نفسها مضطرة للتكيف مع السياسة الأميركية، حتى لو كانت تتعارض مع رؤيتها الأمنية المباشرة، وذلك للحفاظ على الدعم الأميركي الحيوي.
هذا الوضع قد يدفع "إسرائيل" إلى البحث عن بدائل أو تعزيز قدراتها الذاتية للتعامل مع التهديد الإيراني في حال شعرت بأن الاتفاق لا يلبي متطلبات أمنها. وهذا يتناقض مع استراتيجيتها الأساسية أن تحوّل إيران إلى تهديد عالمي وإقليمي يتطلب من الولايات الأميركية تشكيل ائتلاف دولي عربي لمحاربته.
الموقف الإيراني
إيران ترسل من خلال الميدان أنها ليست مستعجلة لإنهاء الحرب ما لم تحقق شروطها الأساسية، وأهمها ضمان عدم تكرار الحرب عليها في المستقبل، إذ إن هناك تشككاً إيرانياً بالنيات الأميركية للتفاوض، لذلك تعاملها الحذر ورفضها العلني يعكسان إدراكًا باحتمال استخدام التفاوض كأداة ضغط وليس كمسار حقيقي.
إيران تدرك أن هناك جانباً آخر في هذه الحرب، وهو قدرة الجبهة الداخلية للأطراف على الصمود، وهنا إيران بمساحتها وجغرافيتها وطبيعة شعبها، أكثر صموداً وتحملاً، في المقابل، الجبهة الداخلية الإسرائيلية ذات المساحة الضيقة والنمط المعيشي الغربي ذي الرفاهية، يحقق الصاروخ الإيراني هدفاً إضافياً أهم من إلحاق الدمار، وهو تشويش وتعطيل الحياة اليومية، وزراعة الرعب.
ناهيك بأن المعادلة الإيرانية تحاول فرض ثمن وكلفة على الاقتصاد الأميركي، و العالم كله من خلال اللعب على إغلاق مضيق هرمز وتشويش إمدادات الطاقة، لكي يصبح كل العالم عامل ضاغط على ترامب لوقف الحرب.
لكن هذه المعادلة أيضاً تحمل في طيّاتها مخاطرة، بأن هذه الخطوة تجبر العالم على التحالف ضدها وتشكيل ائتلاف دولي تحت عنوان فتح ممرات الملاحة وحماية إمدادات النفط.
وهنا، تبرز المواقف الدولية والإقليمية، والتي تتسم بالحذر الشديد من الانزلاق في وحل هذه الحرب، التي يعدها كثيرون أنها ليست حرباً لا مفر منها، ولذلك هناك سعي دؤوب لإيجاد مخرج سياسي لها، من خلال مساعي الوساطة بين الأميركي والإيراني.
في المجمل، الحرب تقف عند نقطة تحوّل حاسمة، لكن مسارها لا يُحسم بقرار طرف واحد فقط؛ فرغم أن دونالد ترامب يملك مفتاح التصعيد الأكبر، فإن اتجاه الحرب سيتحدد من تفاعل قرارات واشنطن وطهران و"تل أبيب" معًا. ويبقى المسار التفاوضي قائمًا شكليًا، كونه لم يُختبر بعد، لكنه قد يخفي تحضيرًا لمرحلة تصعيد أوسع.
لكن، بالخلاصة، نحن أمام مشهد تحكمه أربع حقائق رئيسية:
١. الحسم العسكري السريع فشل.
٢. المسار الدبلوماسي أصبح ضرورة وليس خيارًا.
٣.شكل الاتفاق القادم، في حال حدوثه، سيكون أقل من طموح "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية.
٤. قدرة إيران تعتمد على امتصاص الضربات مهما كانت موجعة ومكلفة، والاستمرار بتدفيع أعدائها الثمن وزيادة الضغط عليهم بكل الطرق الممكنة وعلى المستويات كافة.