الحراك الفرنسي في ليبيا "من التغلغل إلى التسلل"

​الحراك الفرنسي في ليبيا طريقه محفوفة بالتحدّيات والمعوقات؛ واللقاءات وحدها غير كافية لعودة فرنسا لتُصبح لاعباً وحيداً أو رأس حربة في المشهد الليبي.

  •  كيف حاولت فرنسا توظيف الملف الليبي واستغلال مكوناته؟
    كيف حاولت فرنسا توظيف الملف الليبي واستغلال مكوّناته؟

شهدت العلاقات الفرنسية -الليبية حراكاً نشطاً وملحوظ مؤخراً عكسته اللقاءات والزيارات المتبادلة بين البلدين، ويبدو أنّ فرنسا عقب خروجها من البوابة الأفريقية تحاول التسلل من النافذة الليبية لتعوّض خسارتها؛ فهل تعوّض فرنسا خسارتها في الساحل بمكاسب جديدة في ليبيا؟، أم أنّ ليبيا تسعى لتنويع شركائها الدوليين؟ وما دلالات الحراك النشط بين البلدين؟.

يُعدّ اللقاء الذي جمع نائب القائد العامّ لقوات الجيش الليبي في شرق ليبيا صدام حفتر بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس بقصر الإليزيه في 14 حزيران/يونيو 2026 أبرز ملامح الحركة النشطة بين فرنسا وليبيا؛ ولا سيما في تبنّي كلا الرجلين لضرورة مواصلة الحوار بين البلدين؛ وإشادة حفتر بالعلاقات الأمينة والعسكرية بين بلاده وفرنسا؛ في مقابل تأكيد ماكرون دعم المسارات التي تُسهم في ترسيخ الاستقرار في ليبيا.

 لم يكن اللقاء تقليدياً أو مجرّد حدث بروتوكولي معزول وقد شهد عدة لقاءات شملت بول سولير المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي، والجنرال فنسان جيرو رئيس الأركان الخاصة لماكرون، والجنرال ميشيل ديلبي قائد العمليات الخاصة الفرنسية. 

يُذكر أنّ هذه الزيارة هي الثانية لصدام حفتر إلى فرنسا خلال 6 شهور؛ كانت الزيارة الأولى في كانون الثاني/يناير 2026، التقى خلالها بالجنرال فنسان جيرو، رئيس الأركان الخاصّ لرئيس الجمهورية الفرنسية، وأعرب حينها عن رغبته في تطوير العلاقات العسكرية مع فرنسا.

وبالتزامن مع لقاءات حفتر في باريس والتي غلب عليها الطابع العسكري، كانت هناك لقاءات دبلوماسية فرنسية تحدث في بني غازي، قام بها السفير الفرنسي تييري فالا مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الأركان العامة للجيش الوطني الفريق خالد حفتر؛ ووكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الفريق عبد السلام الزوبي. وفي اليوم التالي 14 حزيران/يونيو 2026 التقى السفير الفرنسي في طرابلس بالنائب الأول لمجلس النواب فوزي النويري رفقة عدد من أعضاء مجلس النواب؛ وبحث ملفي العملية السياسية في ليبيا؛ ورفض توطين المهاجرين غير الشرعيين.

ويقود السفير الفرنسي منذ تعيينه في أيلول/سبتمبر 2025 حراكاً دبلوماسياً نشطاً في ليبيا. يُشاركه المبعوث الخاص للرئيس إيمانويل ماكرون إلى ليبيا بول سولير، الذي يؤدّي دوراً محورياً في تنسيق الجهود الدبلوماسية لبلاده ويقوم بجولات مكوكية مستمرة ولقاءات دورية مع مختلف الأطراف السياسية والعسكرية، الأمر الذي يعكس اهتماماً فرنسياً متزايداً بالملف الليبي في محاولة لاستدراك وتعويض الغياب الفرنسي عن المشهد الليبي.

تمتلك ليبيا مقوّمات اقتصادية موارد طبيعية وموقعاً جغرافياً يعتبر بوابة نحو العمق الأفريقي، كلّ ذلك يؤهّلها لتكون ذات اهمية في الأولوية الفرنسية، وهذا أحد أهم أسباب الاهتمام الفرنسي بها، إضافة إلى سعي فرنسا لتعويض خسارتها في الساحل الأفريقي.

صحيح أنّ العلاقات الفرنسية –الليبية ليست وليدة اللحظة وهي قديمة، ولكنها شهدت فترات من الشدّ والجذب والبرود المُفضي أحياناً للتوتر؛ وبعد سقوط القذافي كانت فرنسا حاضرة وقد غلب البعد العسكري على حضورها من خلال علاقاتها بالقوى والفاعلين العسكريين في ليبيا وتحديداً في العام 2014 الذي شهد تعاوناً وتنسيقاً عسكرياً وأمنياً بين الطرفين، ولكن تراجعت تلك العلاقات في عام 2019 عقب سيطرة القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية على جنوب ليبيا بالكامل. 

وقد حاولت فرنسا توظيف الملف الليبي واستغلال مكوّناته من خلال دعم قوى في الشرق والجنوب وذلك لحماية مصالحها في منطقة الساحل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب؛ ولكنّ تراجع نفوذها وطرد قواتها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر أفقدها هذا التوظيف وكان عائقاً أمامها في الجنوب الليبي، عاد الدفء للعلاقة بين ليبيا وفرنسا بعد تولّي صدام حفتر منصب نائب القائد العامّ للقوات المسلحة الليبية الذي قاد التقارب بين البلدين.

تعكس اللقاءات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة لباريس والاهتمام بالملف الليبي تحوّلاً استراتيجياً فرضته المتغيّرات التي تعرّضت لها فرنسا وقلّصت تأثيرها حيث تلاشى دورها وانسحب حضورها من منطقة الساحل الأفريقي؛ وبالتالي فإنّ الحراك الفرنسي الكثيف في الملف الليبي يسعى لإعادة التموضع الفرنسي في ليبيا.

 ويأتي الحراك الفرنسي في ليبيا بالتزامن مع حراك أميركي يسعى لتقاسم السلطة في ليبيا، ويبدو أنّ هناك خطة أميركية لتوحيد سلطات ليبيا قد تضع صدام حفتر في القيادة على رأس مجلس رئاسي تنفيذي؛ وعلى بعد أيام من جلسة مرتقبة لمجلس الأمن التي تستعرض خلالها مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه مخرجات الحوار المهيكل، وسط تقديرات بأنها قد تمهّد لتشكيل سلطة انتقالية جديدة.

إنّ دلالات معالم الحراك الفرنسي الجديد في ليبيا ومآلاته والانتقال من النفوذ المباشر الى المقاربة الأمنية؛ أو من التغلغل إلى التسلل، وتخلّي فرنسا عن التدخّل العسكري المباشر والاستدارة عن ذلك بالرهان والتعويل على الشراكة الأمنية المرنة مع مكوّنات الملف الليبي حدث بسبب طرد القوات الفرنسية من دول الساحل وحلول روسيا "فيلق أفريقيا" محلّها. وتدرك فرنسا بأنّ طردها من الساحل كان بتخطيط روسي، لذلك تحاول منافسة الدور الروسي والتشويش على الدور التركي في ليبيا. واللقاءات مع المسؤولين الليبيين تهدف لمحاولة خلق توازنات تمنع انفراد روسيا بالسيطرة الكاملة على الجنوب الليبي.

تحاول فرنسا من خلال الحراك النشط في الملف الليبي إثبات أنها لا تزال تمتلك أوراقاً دبلوماسية قادرة على حماية الأمن القومي الأوروبي، لذلك يلاحظ أنّ اللقاءات الفرنسية تركّز بشكل أساسي على ملفين يهمّان العمق الأوروبي؛ الأول: مكافحة الهجرة غير الشرعية من خلال ضبط الحدود الجنوبية والبحرية لليبيا. والثاني: أمن الطاقة من خلال ضمان تدفّق النفط والغاز الليبي كبديل حيوي ومستقرّ لأوروبا. الحراك الفرنسي الحاصل يهدف لضمان عدم خروج ليبيا كلّياً من دائرة النفوذ الأوروبي.

​دلالات اللقاءات الفرنسية -الليبية الحاصلة لا تقتصر على المصلحة الفرنسية فقط؛ هناك مصالح متبادلة بين الطرفين وتتلاقى رغبة فرنسا مع حسابات ابنَي المشير خليفة حفتر "صدام، نائب قائد القيادة العامة؛ وخالد، رئيس الأركان العامّة بالشرق" اللذين يديران المشهد العسكري والأمني الحالي.

 وعليه تسعى عائلة حفتر لتقديم أبنائها كقادة مستقبليين مقبولين دولياً ودبلوماسياً، وليس مجرّد قادة فصائل عسكرية؛ اللقاء بالرئيس الفرنسي وبمسؤولين فرنسيين بقصر الإليزيه يمنحهم اعترافاً غربياً صريحاً، ويُضفي عليهم ويُكسبهم نوعاً من الشرعية الدولية والسياسية. إضافة إلى ذلك فإنّ التنسيق مع باريس يُعزّز موقفهم التفاوضي أمام حكومة الغرب الليبي "طرابلس" وأمام القوى الدولية الأخرى واشنطن وروما في أيّ تسوية مقبلة لتوحيد المؤسسة العسكرية.

​ومن بين دلالات اللقاءات وأسبابها السعي لتنويع حلفاء السلاح والتدريب؛ فرغم العلاقات الوثيقة مع روسيا، يدرك عسكر الشرق أهمية عدم وضع كلّ الأوراق في سلة موسكو لتفادي العقوبات أو العزلة الدولية، وبالتالي يطمحون للحصول على برامج تدريب وتطوير عسكري برعاية فرنسية وأوروبية.

​الحراك الفرنسي في ليبيا طريقه محفوفة بالتحدّيات والمعوقات؛ واللقاءات وحدها غير كافية لعودة فرنسا لتُصبح لاعباً وحيداً أو رأس حربة في المشهد الليبي؛ ففي لحظة الغياب الفرنسي تغلغلت أطراف دولية وإقليمية عديدة للملعب الليبي وبعضها حسم دوره وتأهّل مبكراً مثل روسيا وتركيا ومؤخّراً الولايات المتحدة الأميركية.

 وبالتالي نزول فرنسا إلى الملعب الليبي لا يعني السيطرة المطلقة بل تأمين مساحة نفوذ تضمن مصالحها الحيوية وتمنع إقصاءها من الملف الليبي من خلال استغلال رغبة الأطراف المحلية في اللعب على التناقضات الدولية. ولكن حتى تلك الرغبة الليبية مهتزّة وتقابل بريبة كبيرة من اللاعبين المحليين والإقليميين بسب تبديل باريس وتغيير مواقفها طوال سنوات الأزمة ومراهنتها السابقة على الحلول العسكرية، مما يضعف كفاءتها كوسيط دبلوماسي مقبول لجميع الفرقاء الليبيين.

ختاماً الحراك الفرنسي الحاصل صوب ليبيا يعني أنّ التقارب الفرنسي مع الفاعلين الليبيين لا يُعبرّ عن اهتمام بأمن ليبيا واستقرارها، بل يعكس رغبة فرنسية في إعادة بناء مواقع النفوذ داخل القارة الأفريقية، ولا سيما في ظلّ التحوّلات الدولية الراهنة، والتنافس المتزايد بين القوى الكبرى والبحث عن موارد الطاقة. وهو حراك محفوف بالمعوقات والمطبّات وأقرب الى التسلل منه إلى التغلغل.