الجزائر والساحل: من الوساطة إلى النفوذ وإعادة تشكيل المحيط الجنوبي

الجزائر تنتقل من دور الوسيط إلى فاعل أمني مباشر في مالي والنيجر، مستفيدة من التحولات الميدانية في كيدال لمواجهة تمدد خصومها الإقليميين وترسيخ نفوذها في الساحل ضمن ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة.

0:00
  • الجزائر والساحل: من الوساطة إلى النفوذ وإعادة تشكيل المحيط الجنوبي
    الجزائر والساحل: من الوساطة إلى النفوذ وإعادة تشكيل المحيط الجنوبي

في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2026، كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" عن تحول جوهري في مسار الأزمة في مالي، تجاوز استعادة الجيش المالي كيدال في السادس من الشهر ذاته، ليصل إلى رسم دور جديد للجزائر في الساحل؛ إذ انتقلت الجزائر من عقيدة عدم التدخل التي حكمت سياستها لعقود إلى دعم أمني مباشر وعمليات نوعية في مالي والنيجر، ضمن تنسيق ثنائي قام على الموافقة السيادية لدولتي الجوار.

وتزامن مع ذلك انسحاب استراتيجي لـ"جبهة تحرير أزواد" من كيدال تحت ضغط جزائري وروسي، واتجاه قياداتها، بحسب ما نقلته تقارير إقليمية، إلى أبو ظبي وبنغازي بحثاً عن دعم بديل.

الجزائر: تنسيق سيادي ودعم دفاعي

جاء تحرك الجزائر تتويجاً لتراكم أمني فرضه "اتفاق الجزائر للسلام"، الموقّع عام 2015 بين باماكو وتنسيقية أزواد، عقب انسحاب باماكو منه، وما تلاه من فراغ أمني مهدِّد للحدود الجنوبية. ومنذ التعديل الدستوري في آذار/مارس 2026، أصبح نشر القوات خارج الحدود الجزائرية متاحاً دستورياً، غير أن الترجمة الميدانية جرت وفق تفويض ثنائي مع دولتي الجوار.

ففي آب/أغسطس 2026، سلّمت الجزائر النيجر هبة عسكرية من أربع مروحيات: مروحيتان هجوميتان ومروحيتان للنقل، محمّلة بالذخائر وقطع الغيار وعتاد الإسناد والصيانة، انطلقت نحو نيامي من قاعدة "إن قزام" الواقعة في أقصى الجنوب الجزائري على الحدود مع النيجر، ضمن مسار لتعزيز التعاون الأمني والدفاعي. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في أواخر آب/أغسطس، أرسلت الجزائر تشكيلاً جوياً إلى النيجر بالتنسيق مع سلطاتها.

وفي شمال مالي، رافقت ضرباتها الجوية تحركات الجيش المالي المدعوم بفيلق أفريقيا الروسي حتى استعادة كيدال، بالتوازي مع عودة السفراء بين الجزائر وباماكو في تموز/يوليو 2026، بعد قطيعة دامت خمسة عشر شهراً. وهكذا انتقلت الجزائر من الوسيط إلى الفاعل الداعم أمنياً، عبر تنسيق سيادي مع باماكو ونيامي، مدفوعة بإدراك أن أمنها القومي مرهون باستقرار محيطها الجنوبي.

مالي وكيدال: هشاشة الداخل ونقطة التحول

في نيسان/أبريل 2026، شنّت "جبهة تحرير أزواد" (FLA)، أحد التشكيلات المسلحة في مالي، بالتحالف مع "نصرة الإسلام" (JNIM)، هجمات استهدفت باماكو ومدناً شمالية، وأدت إلى مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، مهندس التقارب مع موسكو وباني التحالف الأمني مع فيلق أفريقيا، في ضربة أربكت رهان المجلس العسكري.

وسيطر التحالف على كيدال وفرض حصاراً جزئياً على العاصمة، ما كشف هشاشة قدرة "المجلس العسكري" بقيادة عاصمي غويتا، المحاصر بين تمرد الطوارق وضغوط جماعات مسلحة أخرى. وبعد انسحاب باماكو من "اتفاق الجزائر للسلام"، راهن "المجلس" على القوات الروسية، لكن فيلق أفريقيا تكبد خسائر وانسحب من مواقع استراتيجية، فتحولت مالي إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية وسط غياب سلطة مركزية.

ويكتسب موقع كيدال أهمية خاصة؛ فهي معقل تاريخي لحركات الطوارق، وبوابة الصحراء التي تفضي نحو الجزائر. واستعادتها في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بفعل تضافر الضغط الجزائري والعمليات الجوية والبرية المدعومة روسياً، شكلت تحولاً استراتيجياً كسر شوكة الانفصال، ودفعت قيادات أزواد إلى البحث عن رعاة جدد في شرق ليبيا والإمارات، بما ينذر بتحول الصراع إلى حرب بالوكالة.

التنافس الإقليمي والترتيبات الدولية

تشهد منطقة الساحل تنافساً إقليمياً ودولياً يتجلى في توسع محور الرباط - أبو ظبي؛ إذ تتخذ الإمارات من حفتر جسراً لترسيخ حضورها في ليبيا ودول الساحل، واستقبلت، بعد خسارة كيدال، وفد الجبهة برئاسة بلال أغ الشريف في أبو ظبي وبنغازي. أما المغرب، فيعتمد اختراقاً اقتصادياً وأمنياً في الساحل، يتمثل في تدريب عسكريين ماليين، ودعم اقتناء مسيّرات، وإطلاق "المبادرة الأطلسية".

وفي المقابل، تقرأ الجزائر هذا التمدد كاختراق لعمقها الاستراتيجي وتهديد مباشر لأمنها القومي، فتسارع إلى إعادة توجيه باماكو ونيامي نحو مصالحها عبر اتفاقيات أمنية وتنسيق عسكري وشراكات اقتصادية. وقد قدمت دعماً عسكرياً لنيامي بعد محاولة الانقلاب في آب/أغسطس 2026، وأبرمت اتفاقاً للأمن الإقليمي مع مالي في أيلول/سبتمبر 2026، وعززت حضورها الاقتصادي في النيجر عبر النفط والمناجم وأنبوب الغاز العابر للصحراء وفرع لبنك جزائري عمومي، في مسار سبق أن تناوله مقالنا الموسوم "النيجر: من اليورانيوم إلى البترول" (21 آب/أغسطس 2026).

وقد بلغ التنافس حد إعلان الجزائر، في 10 أيلول/سبتمبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، بعدما اعتبرت التحركات الإماراتية مساساً بأمنها القومي في محيطها الإقليمي.

دولياً، تراجع النفوذ الفرنسي بعد طرد القوات عام 2022 واعتقال ضابط DGSE في آب/أغسطس 2025، فملأت روسيا والجزائر الفراغ. وفي مقابل ذلك، تحاول واشنطن العودة بحذر عبر مبادرات مكافحة الإرهاب وسط أزمة ثقة، وتبرز تركيا كفاعل صاعد، بينما تحضر الصين اقتصادياً من دون نفوذ أمني. وفي قلب المعادلة تقف روسيا عبر فيلق أفريقيا، الذي حل محل فاغنر في حزيران/يونيو 2025، في مواجهة تحديات بعد هزائم في تمبكتو وتينزاواتن.

أما العلاقة بين الجزائر وموسكو، فتقوم على شراكة استراتيجية تاريخية تحكمها حسابات النفوذ؛ تلتقي المصالح في مواجهة الجماعات المسلحة، وتختلف في الأولويات وحدود النفوذ. وقد تجلى ذلك في نيسان/أبريل 2026، حين أمّنت الجزائر ممراً آمناً لقوات فيلق أفريقيا في كيدال بعد استسلامها. فالجزائر تحتاج إلى الغطاء الروسي، وتعمل على تحديد شروطه كي لا يتحول النفوذ إلى قيد على حرية حركتها.

الجزائر في الساحل: من إدارة الأزمة إلى إدارة النفوذ

فتحت الجزائر، بالقوة الصلبة، نافذة جديدة في الساحل، مدفوعة بشعور بالحصار من الشرق والغرب والجنوب، وبتقدير أن الحسم العسكري وحده قد يورطها في حرب استنزاف مفتوحة. وبهذا تنتقل المرحلة من إدارة الأزمة إلى إدارة النفوذ: ترجمة الانتصارات إلى حضور اقتصادي وسياسي، وترسيخ دور الراعي الأمني والتنموي لمالي، بغية تحييد الدولة الهشة قبل أن تتحول إلى منصة لتهديد أمنها القومي.

وهنا يبدأ اختبار النفوذ: فمالي، رغم انتصاراتها العسكرية، تبقى دولة هشة البنيان، مثقلة بفراغ السلطة وحدود عصية على الضبط. ويضيف ارتباط الطوارق وبقية الجماعات المسلحة بمحاور الرباط وأبو ظبي وبنغازي إلى هذه الهشاشة تعقيداً بنيوياً، يجعل أي تسوية داخلية في مالي رهينة لتوازنات خارجية تتجاوز قدرة باماكو.

وبذلك، يظل الساحل ساحة تنافس مفتوح، وتظل التهدئة فيه مهمة عسيرة، تتطلب من الجزائر تحويل تفوقها الميداني إلى قدرة على إدارة النفوذ وترسيخه وبناء ترتيبات مستدامة.