التوجّه شرقاً… خيار الواقعية في ظل عدم اليقين العالمي
مسار "التوجّه شرقاً" لن يكون خالياً من التحديات، في ظل استمرار الخلافات الداخلية داخل الدول الغربية بشأن السياسات تجاه الصين، إضافة إلى الضغوط الخارجية المتزايدة.
-
لماذا تتجه أنظار العالم نحو الصين؟
في الآونة الأخيرة، شهدت الصين زيارات متتالية لقادة من دول غربية عدة، بدءًا من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر الماضي، وصولًا إلى زيارات رئيس وزراء إيرلندا مايكل مارتن، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس وزراء فنلندا بيتري أوربو، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في يناير الجاري.
وقد وصفت وسائل الإعلام الدولية هذه التحركات الدبلوماسية بـ"التوجّه شرقًا"، وهو اتجاه يبرز بوضوح في ظل بيئة دولية تتسم بالتعقيد وسرعة التحولات.
وراء هذا "التوجه شرقاً" دوافع متعددة: يعكس من جهة خيارًا واعيًا لدى الدول الغربية للحفاظ على استقلالها الاستراتيجي في ظل إعادة تشكيل النظام الدولي. ومن جهة أخرى، يمثل استجابة واقعية للبحث عن شراكات مستقرة في عالم تتصاعد فيه حالة عدم اليقين.
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اعتبر زيارته للصين نقطة انطلاق جديدة لتحسين العلاقات الثنائية، وهي أول زيارة رسمية لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين منذ ثماني سنوات. وخلال الزيارة، أكد ستارمر أن التواصل مع الصين يخدم المصالح الوطنية للمملكة المتحدة، وأن حكومته ستعمل على بناء علاقة أكثر نضجًا بين البلدين.
كما أقرّ، خلال جلسة استجواب في البرلمان يوم 2 فبراير، بأن غياب الزيارات الرفيعة المستوى إلى الصين طوال السنوات الثماني الماضية أدى إلى تفويت فرص تنموية مهمة، واصفًا ذلك بالتقصير.
وبالمثل، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في أول زيارة رسمية له إلى الصين منذ ثماني سنوات، أن بلاده تدخل "عهدًا جديدًا" في علاقاتها مع بكين، معربًا عن أمل أوتاوا في أن يشكل استئناف هذه العلاقات نموذجًا للتعاون المربح للطرفين في زمن يشهد انقسامات واضطرابات عالمية متزايدة.
لماذا تتجه أنظار العالم نحو الصين؟
أولًا، تُعد الصين اليوم من بين القوى الكبرى القليلة القادرة على توفير قدر عالٍ من "الاستقرار والتوقعات الواضحة".
ففي ظل تصاعد النزاعات الجيوسياسية، وتباطؤ التعافي الاقتصادي العالمي، وازدياد الضبابية في السياسات الدولية، لا تزال الأسس الطويلة الأمد للاقتصاد الصيني مستقرة. فالصين تمتلك سوقًا ضخمة، ونظامًا صناعيًا متكاملًا، وسياسات انفتاح متواصلة، ما يجعلها شريكًا يوفر درجة نادرة من اليقين في بيئة دولية مضطربة.
وبالنسبة إلى كثير من الدول الغربية، يبدو الانخراط مع شريك يتمتع بمرونة اقتصادية وفرص تعاون واسعة خيارًا أكثر واقعية من الاكتفاء بردود الفعل في عالم متقلب.
وفي هذا السياق، أعلنت الصين في يناير الماضي بيانات تجارتها الخارجية لعام 2025، إذ بلغ إجمالي الصادرات والواردات 45.47 تريليون يوان، بزيادة قدرها 3.8٪، منها صادرات بقيمة 26.99 تريليون يوان بارتفاع 6.1٪، وواردات بقيمة 18.48 تريليون يوان بزيادة 0.5٪.
وتمثل هذه الأرقام السنة التاسعة على التوالي التي تحقق فيها التجارة الخارجية الصينية نموًا مستمرًا، مسجلة مستوى قياسيًا جديدًا، وذلك رغم التباطؤ في التجارة العالمية وتصاعد النزعات الحمائية وضغوط الرسوم الجمركية. ويعكس ذلك متانة منظومة التجارة وسلاسل الإمداد الصينية، ويؤكد أن الصين لا تزال من بين القوى القليلة القادرة على توفير توقعات نمو مستقرة في عالم يزداد اضطرابًا.
ثانيًا، يعكس "التوجّه شرقًا" مراجعة غربية متزايدة للسياسات الخارجية، وسعيًا جادًا نحو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، فقد أظهرت التجربة في السنوات الأخيرة أن الاعتماد المفرط على محور واحد لم يؤدِ إلى تعزيز الأمن، بل فرض أعباءً اقتصادية وطاقية ودبلوماسية باهظة.
وتكشف التوترات الجيوسياسية المحيطة بغرينلاند، إضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها كندا من الولايات المتحدة في ملفات التجارة والأمن، عن اختلالات واضحة في بعض علاقات التحالف. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تقييم العلاقات مع الصين واستئناف التواصل الرفيع المستوى تمثل محاولة للخروج من منطق الصفر، والبحث عن مسار دبلوماسي أكثر توازنًا وواقعية، يوسّع آفاق التعاون ويعزز القدرة على التنمية الذاتية.
وقد أتاحت زيارات قادة دول مثل كندا والمملكة المتحدة فرصًا ملموسة لتعميق التعاون مع الصين، وتوسيع الحيز الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الدولية؛ فخلال زيارة رئيس الوزراء الكندي، وقع الجانبان خارطة طريق للتعاون الاقتصادي والتجاري شملت 28 بندًا، إلى جانب تعديلات على الرسوم الجمركية الخاصة بالسيارات الكهربائية وبذور اللفت. كما أعادت المملكة المتحدة تفعيل آلية اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة مع الصين، بهدف تعزيز التعاون في تجارة السلع والخدمات. وفي السياق ذاته، ركزت إيرلندا وفنلندا على توسيع التعاون في مجالات الزراعة والابتكار والصناعات الخضراء.
وأخيرًا، فإن التزام الصين المستمر بسياسة الانفتاح على العالم يوفر الأساس العملي لهذا "التوجّه شرقًا"، فمن تقليص القوائم السلبية للاستثمار الأجنبي، إلى تنظيم معارض دولية كبرى مثل معرض الصين الدولي للاستيراد ومعرض سلاسل الإمداد، تؤكد بكين باستمرار أن أبوابها ستظل مفتوحة على نحو أوسع. كما تعكس الإجراءات الأخيرة لتسهيل دخول الأجانب إلى الصين رغبة واضحة في تعزيز التبادل الإنساني والثقافي. وفي نظر رأس المال الدولي الباحث عن الاستقرار، تزداد جاذبية سوق صينية أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر التزامًا بالقواعد.
كما تعكس الزيارات المكثفة لقادة الدول الغربية إلى الصين أيضًا تسارع صعود "الجنوب العالمي" وتقدم مسار التعددية القطبية، فهي تؤكد أن الحفاظ على قنوات التواصل بين الاقتصادات الكبرى، وتجنب القطيعة وفك الارتباط مع سلاسل الإمداد، يصب في مصلحة الجميع. وفي هذا الإطار، يشكل الانفتاح الصيني المتواصل فرصة حقيقية لتعزيز هذا النوع من التعاون.
ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن مسار "التوجّه شرقًا" لن يكون خاليًا من التحديات، في ظل استمرار الخلافات الداخلية داخل الدول الغربية بشأن السياسات تجاه الصين، إضافة إلى الضغوط الخارجية المتزايدة.
استئناف التفاعلات الرفيعة المستوى وارتفاع وتيرتها يمثل في حد ذاته مؤشرًا إيجابيًا ذا دلالة واضحة؛ ففي عصر تسوده الانقسامات وعدم اليقين، بات الانخراط البنّاء مع الصين تيارًا متصاعدًا لا يمكن تجاهله. ويبقى تحويل هذا التيار إلى قوة استقرار طويلة الأمد رهينًا بحكمة الصين في تعميق انفتاحها، وبقدرة الغرب على إظهار رؤية استراتيجية أكثر واقعية وبراغماتية.