التوتر التركي - الإسرائيلي... القصة كاملة

الرئيس ترامب هو الذي سيقرر مصير ومستقبل العلاقة التركية الإسرائيلية طالما أنه يقول بين الحين والحين إنه "يحب إردوغان ونتنياهو كثيراً"،  ولكن من دون أن يقول "أيهما أكثر".

  • العلاقات التركية الإسرائيلية.. ماذا بعد؟
    العلاقات التركية الإسرائيلية.. ماذا بعد؟

منذ طوفان الأقصى وبشكل خاص بعد العدوان الصهيو-أميركي  على إيران، يستغلّ الرئيس إردوغان كل فرصة لشنّ هجوم عنيف ضد نتنياهو الذي لا يتأخر في الرد عليه، وهو حال المسؤولين الإسرائيليين الذين يردون على  تصريحات الوزراء الأتراك وآخرهم وزير الداخلية مصطفى جيفتجي الذي قال إنه يتمنى أن يكون "والياً على القدس" فردّ عليه بن غفير "لقد ولّت أحلام الدولة العثمانية والقدس لليهود منذ ثلاثة آلاف سنة".

 وأما نتنياهو فقد وصف إردوغان "بالديكتاتور العنصري المعادي للسامية،  الذي يرتكب الإبـادة الجماعية ضد الكرد ويدعم  حماس "الإرهابية"، ويقمع شعبه ويسجن خصومه السياسيين، وهو آخر من يحق له أن يتحدث عن أخلاقيات دولة إسرائيل".

وجاءت أقوال نتنياهو هذه رداً على هجوم عنيف شنّه إردوغان ضده وضد الكيان العبري، حيث قال "إن حدود الأمن الاستراتيجي لتركيا لا تنتهي عند هاتاي (إسكندرون) بل تمتد إلى حلب و دمشق  وبيروت والقدس".

وحكّام "إسرائيل"  وفي مقدمتهم نتنياهو، وهو قريب عقائدياً من هتلر، يهاجمون المنطقة كسمكة قرش اشتمّت رائحة الدم. وعلى الجميع أن يعي جيداً أنهم سيدفعون الثمن عاجلاً أم آجلاً. ومن يسير على خطى هتلر سيكون مصيره  كمصير الطغاة عبر التاريخ.

هذا التراشق الكلامي بين الطرفين لا يكتسب أي طابع عملي، إذ لا يفكر الطرفان بقطع العلاقات الدبلوماسية أو خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع استمرار  العلاقات التجارية المباشرة أو غير المباشرة عبر الدول الأخرى، ومنها قبرص واليونان ومصر  وسلوفينيا.

مع تدفق النفط الأذربيجاني الذي يصل ميناء جيهان التركي على الأبيض المتوسط ويُنقل بواسطة ناقلات النفط  إلى حيفا عبر سفن يملكها المقرّبون من الرئيس إردوغان . هذا التناقض في المواقف التركية والإسرائيلية انعكس بشكل واضح وعملي على الدورين التركي والإسرائيلي في سوريا حيث يسيطر  الجيش التركي على حوالي10% من مساحة سوريا في الشمال، فيما يستمر التوغل الإسرائيلي في العمق الجنوبي بعد أن أضاءت أنقرة الضوء الأخضر لحكام دمشق الجدد للحوار المباشر مع "تل أبيب" في باريس، وبوساطة فرنسية وأميركية  قام ويقوم  بها توم برّاك.

ويعرف الجميع  علاقاته المميزة مع الرئيس إردوغان وأحمد الشرع والكيان العبري برمّته، طالما هو على تواصل استراتيجي مع الرئيس ترامب الذي سبق له أن قال إن "الرئيس إردوغان أرسل رجاله (يقصد النصرة) واستولى على سوريا" ثم عاد ليقول إنه "هو الذي جاء بالشرع وجعل منه رئيساً"، وبعد أن أشار أكثر من مرة  إلى "محبته الخاصة للرئيس إردوغان، لأنه ينفذ كل ما يطلبه منه حتى في موضوع العلاقة مع إسرائيل".

كل هذه التناقضات اعتبرتها  قيادات المعارضة  جزءاً من مسلسل التصعيد المصطنع والمتبادل بين أنقرة و "تل أبيب" ليس فقط لأن نتنياهو وإردوغان بحاجة إلى مثل هذا الشحن العاطفي دينياً وقومياً وعنصرياً، بل أيضاً بسبب الترابط العميق بين تركيا واليهود قبل وبعد قيام الكيان العبري ومنذ مئات السنين.

واكتسبت هذه العلاقة طابعاً سياسياً عندما طلب اليهودي يوسف ناسّي  عام 1565 من السلطان سليمان القانوني، وكان وسيطاً بينه وبين البنوك الأوروبية، أن يعطيه قبرص مقابل كل ديونه الخارجية، وحتى يؤسس فيها دولته اليهودية، مستفيداً من علاقته مع زوجة السلطان وهي يهودية وصهره وهو يهودي أيضاً.

واستمرت  هذه العلاقة في جميع المراحل اللاحقة وحتى عهد السلطان عبد الحميد، الذي قيل عنه إنه "لم يعطِ شبراً من فلسطين لليهود"، إلا أنه اعترف لهم بامتيازات كبيرة وواسعة اعتباراً  من عام 1880 ليكون ذلك بداية الاستيطان اليهودي في يافا وحيفا بالذات.

وشهدت العلاقات الإسرائيلية - التركية لاحقاً العديد من حالات الشدّ والمدّ في العهد الجمهوري، إذ كانت تركيا الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بالكيان العبري بعد قيامه بـ 11 شهراً ولحقت بها إيران الشاه بعام واحد، لتشكل تركيا ومعها إيران والعراق في العهد الملكي حلف بغداد (1955)  وبعد أن انضمت إلى الحلف الأطلسي عام 1952 وسمحت بإقامة ما لا يقل عن مئة  قاعدة على أراضيها، لتتحول إلى خط المواجهة مع المد القومي الناصري والحركات اليسارية، وكل ذلك بالتنسيق والتعاون مع الكيان العبري، الذي زار رئيس وزرائه ديفيد  بن غوريون أنقرة سراً في آب/ أغسطس 1958 وبعد أن تم زرع مليون لغم أرضي على الحدود التركية مع سوريا.

وتراجع حماس العلاقات التركية مع الكيان العبري  بعد الانقلاب الذي أطاح عدنان مندرس، حليف واشنطن، مع استمرار التحالف التركي الاستراتيجي مع أميركا، الحليف الأكثر استراتيجية مع الكيان العبري، الذي كان المستفيد الأكبر من مجمل تطورات المنطقة، وكان فيها دائماً لتركيا دور مهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

فبعد عام من سماح رئيس الوزراء الراحل اليساري  بولنت أجويت لفتح مكتب رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في أنقرة عام 1979 قام الجنرالات بانقلابهم العسكري في الـ 12 من أيلول سبتمبر 1980، وكانت لهم علاقات جيدة مع "تل أبيب" بسبب الدعم الأميركي للانقلاب الذي جعل من تورغوت أوزال رئيساً للحكومة ثم رئيساً للجمهورية.

واقترح  أوزال عام 1989 مد الأنابيب لنقل  مياه  نهري سيحون وجيحون إلى الكيان العبري مروراً بسوريا ومنها  إلى الأردن ثم دول الخليج، وهو ما كان بمنزلة الخطوة الأولى على طريق التطبيع الإقليمي مع الكيان العبري، وكما هي الحال عليه في الاتفاقيات الإبراهيمية.

وعندما رفض حافظ الأسد المشروع، وكما رفض بشار الأسد مشروع مد أنابيب الغاز من دول الخليج إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، تعرضت سوريا لكل ما تعرضت له  خلال السنوات الماضية.

إذ أجبرت التطورات اللاحقة في تركيا رئيس الوزراء الإسلامي نجم الدين أربكان على التوقيع  على اتفاقيات التعاون العسكري مع "تل أبيب" التي قامت بتحديث الدبابات والطائرات التركية، وباعت لها طائراتها المسيرة لاستخدامها ضد الكرد.

وجاء انتصار حزب العدالة والتنمية في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر  2002 ليفتح صفحة جديدة ومثيرة في علاقات أنقرة  مع "تل أبيب"، ولأن قادة ذلك الحزب وأهمهم رجب طيب إردوغان وعبد الله جول كانوا من تلامذة أربكان الذي قال  لاحقاً إن "هذا الحزب صنيعة الصهيونية العالمية".

وجاء لقاء إردوغان مع قيادات اللوبي اليهودي في أميركا خلال زيارته لواشنطن ولقائه الرئيس بوش في كانون الأول/ ديسمبر 2002، وقبل أن يصبح رئيساً للحكومة لتؤكد أقوال أربكان الذي شنّ هجوماً عنيفاً على إردوغان بسبب زيارته للقدس  في الأول من أيار/مايو 2005 ولقائه  المجرم شارون الذي قال له "أهلاً بك في القدس العاصمة الدينية والتاريخية لدولة إسرائيل ويهود العالم".

وسبق هذه الزيارة وسام الشجاعة السياسية الذي قدمته اللجنة اليهودية الأميركية AJC لرئيس الوزراء إردوغان في الأول من كانون الثاني/ يناير 2004، ولحق بها وسام آخر قدمته منظمة مناهضة التضليل ADL في حزيران/ يونيو 2005.

وكانت المفاجأة الأهم عندما دعا رئيس الوزراء إردوغان الرئيس شمعون بيريز لزيارة تركيا ومخاطبة البرلمان التركي في الـ8 من تشرين الثاني/ نوفمبر، وبعدها بيوم تحدث محمود عباس في البرلمان نفسه.

ومن دون أن تمنع هذه الزيارة إردوغان من مواجهته الساخنة والعنيفة مع بيريز في دافوس في الـ29 من كانون الثاني 2009. وسبق هذه المواجهة توتر مماثل مع رئيس الوزراء إيهود أولمرت حيث زار أنقرة في الـ 22 من كانون الأول 2008 عندما كان إردوغان يتوسط بينه وبين الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن أولمرت عاد من أنقرة وأمر الجيش بالقيام بعملية الرصاص المصبوب  على غزة في الـ 27 من كانون الأول/ ديسمبر  وبعد أن  وعد إردوغان بالقبول بخطة السلام مع سوريا.

وجاء الهجوم على سفينة الإغاثة مرمرة في الـ 31 من أيار/ مايو 2010 لتضع العلاقات بين البلدين أمام تحديات جدية، خاصة أن هذا العدوان جاء بعد أسبوعين من موافقة تركيا على انضمام الكيان العبري إلى منظمة التعاون الاقتصادي  والتنمية OECD كما أنها لم تستخدم حق الفيتو ضد انضمام الكيان العبري إلى الحلف الأطلسي بصفة مراقب في الـ4 من أيار/مايو 2016 وقبل ستة أشهر من تعليمات الرئيس إردوغان في كانون الأول/ ديسمبر 2016  لإلغاء كل الدعاوى في المحاكم التركية والدولية ضد المسؤولين الإسرائيليين المتهمين بالعدوان على سفينة مرمرة، وذلك مقابل عشرين مليون دولار تبرعت بها "تل أبيب" لعائلات ضحايا العدوان.

وجاءت أحداث وتطورات ما يسمى الربيع العربي لتضع "تل أبيب" وأنقرة أمام مرحلة جديدة بعد أن أصبح الطرفان في خندق واحد ومن أجل إسقاط نظام الأسد والتخلص من حلفائه في المنطقة أي إيران ولبنان والعراق واليمن، حيث أيدت  تركيا في البداية العدوان الخليجي على اليمن، ثم عادت واعترضت عليه بعد التوتر بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر مع قطر في حزيران/ يونيو 2017.

ووجدت أنقرة نفسها مضطرة لإعادة النظر في علاقاتها الإقليمية حيث كانت علاقاتها متوترة مع السعودية والإمارات ومصر وبدأت بمصالحتها اعتباراً من عام 2021. ومن دون أن تهمل أنقرة المصالحة مع الكيان العبري أيضاً حيث استضاف إردوغان في الـ 22 من كانون الأول/ديسمبر 2021 في قصر الرئاسة عدداً من الحاخامات اليهود وقيل إنهم يمثلون ما يسمى اتحاد حاخامات الدول الإسلامية فقدموا لإردوغان شمعداناً يهودياً ودعوا له توراتياً وباللغة العبرية.

وجاءت زيارة الرئيس هرتسوغ لأنقرة في الـ 9 من آذار/مارس 2022 لتفتح صفحة جديدة ومثيرة في العلاقات بين الطرفين، خاصة بعد لقاء إردوغان مع رئيس الوزراء لابيد في نيويورك في الـ22 من أيلول/ سبتمبر 2022 وكان استقبل قبل ذلك بيومين دونالد لودر رئيس المؤتمر اليهودي العالمي.

وكان لقاء إردوغان مع نتنياهو في نيويورك في الـ23 من أيلول/ سبتمبر 2023 وفي جو ودي رائع ،اللقاء الأخير في مسلسل اللقاءات المتبادلة، وذلك بسبب طوفان الأقصى، الذي لم يمنع أنقرة من الاستمرار في تصدير كل ما يحتاجه الكيان العبري من المعدات والأجهزة، بل وحتى الحديد والفولاذ والمواد الكيماوية والإسمنت ومياه الشرب والأغذية، التي استخدمها "الجيش" الإسرائيلي خلال عدوانه على غزة ولاحقاً لبنان ثم سوريا، وإلى ان أوقفت كل ذلك بعد ردود الفعل الشعبية العنيفة على التعاون التركي-الإسرائيلي الذي تجاهله إردوغان واستمر في خطابات الاستنكار والتهديد والوعيد التي أطلقها ضد الكيان العبري ونتنياهو.

ون دون أن يمنع كل ذلك جمهورية قبرص التركية من السماح للمواطنين الإسرائيليين واليهود من جنسيات مختلفة لشراء مساحات واسعة من الأراضي والقيام بفعاليات تجارية واسعة وتشغيل مرفأ لليخوت السياحية في الشطر الشمالي التركي وقبالة السواحل السورية.

باختصار ومع استمرار الحديث عن سيناريوهات مختلفة عن مستقبل العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين "تل أبيب" وأنقرة، يعرف الجميع أن الرئيس ترامب هو الذي سيقرر مصير ومستقبل هذه العلاقات، طالما أنه يقول بين الحين والحين إنه "يحب إردوغان ونتنياهو كثيراً"،  ولكن من دون أن يقول "أيهما أكثر"، ومن دون أن نتجاهل أيضاً أهمية الثقل التركي في مجمل المشاريع والمخططات الأميركية الإقليمية منها والدولية، بسبب امتداداتها الجغرافية والعرقية والدينية في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الاوسط، بل وحتى  أفريقيا، حيث لتركيا تحركات كبيرة وعلى جميع المستويات وفي جميع المجالات في القارة السمراء، حيث التنافس مع الكيان العبري، وكما هي الحال مع إيران في الشرق الأوسط، خاصة بعد العدوان الصهيو-أميركي على إيران، والذي أسهم في ازدياد شعبية إيران "الشيعية" في العالمين العربي والإسلامي بسبب  صمودها الأسطوري وما ألحقته من أضرار كبيرة داخل الكيان العبري، بعد أن طالت صواريخها ومسيراتها عدداً كبيراً من الأهداف الاستراتيجية.

ويبقى الرهان في نهاية المطاف على الدعم الأميركي لمساعي الرئيس إردوغان لإحياء ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية "السنية"، وهو ما يتغنّى به توم برّاك، وعلى الرغم من تناقض ذلك مع سياسات الكيان العبري وأحلامه التوراتية، التي ستصطدم مع حسابات أنقرة  التي إن لم تلتقِ مع حسابات "تل أبيب" بشكل أو بآخر،  وعبر الوساطة الأميركية، فالمواجهة بين الطرفين ستكون حتمية  إلا في حالة واحدة، ألا وهي عودة الرئيس إردوغان إلى تناقضاته التي عوّدنا عليها في العلاقة مع الكيان العبري طيلة 23 عاماً ماضية، وقد تصل إلى 33 أو 43 طالماً أن نظام الحكم في أنقرة سيبقى على ما هو عليه بفضل دعم واشنطن التي لا ولن تتخلى عن الطرفين، وبدورهما  لا ولن يتخلّيا عنها!

وربما لهذا السبب لم تذكر إيران اسم تركيا  عندما شكرت باكستان وقطر لدورهما في مساعي الوساطة بينها وبين أميركا  وهو ما فعلته السعودية والكويت ومصر ودول أخرى عندما لم تتطرق بالاسم إلى الدور أو المساهمة  التركية في الاتفاق بين إيران و الولايات المتحدة الأميركية، وشكر رئيسها ترامب فقط تركيا لمساهمتها في الاتفاق مع إيران جنباّ إلى جنب مع مصر ولكن بعد باكستان  وقطر.    

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.