التفكير الرغبوي والتفكير الاستراتيجي في تفسير الحرب على إيران
قام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بسبع زيارات إلى الولايات المتحدة لإقناع ترامب بضرب إيران. مع أنّ استطلاعات الرأي تؤكّد أنّ 78% من المواطنين الأميركيين ضد الحرب.
-
نقاط الضعف والقوة لدى إيران.
يخطئ البعض حين يعتقد أنّ "سلوك صانع القرار هو سلوك عقلاني بالضرورة". فما بالك إذا كان صانع القرار هو ترامب، الذي يعدّ شخصية لا توقعية بامتياز.
هذه القاعدة ليست بجديدة، فخلال الحرب العالمية الثانية "كان خطأ ستالين أنه حكم على سلوك هتلر حكماً منطقياً"، فاعتقد أنه لن يغزو روسيا، لكن الذي حدث كان ينافي الحكمة والمنطق، وأدى في المحصّلة إلى هزيمة الألمان.
المنطق السياسي يقول إنه لا مصلحة للولايات المتحدة في الحرب على إيران، لكن الذي حدث لم ينطلق بالضرورة من المصلحة الأميركية العليا، بل هناك اعتبارات حزبية ومصالح شخصية أثّرت في ذلك.
الرئيس ترامب كان قد ركّز في حملته الانتخابية على شعار "أميركا أولاً"، وإذا بنا نرى "إسرائيل" أولاً وآخراً، ورأينا نتنياهو يزور البيت الأبيض سبع مرات خلال عام، لإقناع ترامب بضرورة الحرب على إيران.
ترامب الذي أكد رغبته في تحسين الواقع الاقتصادي وإنهاء الحروب في العالم، رأيناه يرتكب حماقة في فنزويلا، اعتقد أنه يمكن تكرارها في إيران.
إيران تريدها حرباً طويلة (تتمكّن من خلالها استنزاف الولايات المتحدة و"إسرائيل" اقتصادياً)، خاصة وأنّ الحرب العراقية الإيرانية كانت أطول حرب في القرن العشرين، فقرار الحرب كان عراقياً، لكنّ استمرارها كان بقرار إيراني.
نقاط الضعف والقوة لدى إيران
إيران بلد مختلف عن فنزويلا، فهو انعكاس لحضارة فارسية عريقة. والنظام السياسي الإيراني نظام معقّد، الدولة العميقة حاضرة وفاعلة بقوة، والشعب الإيراني لديه عقيدة قتالية نابعة من اعتبارات وطنية ودينية.
العقوبات الاقتصادية أثّرت على الواقع المعيشي للسكان، لكنها لم تصل إلى حدّ دفعهم إلى التخلّي عن أوطانهم، مدركين ضرورة التمييز بين الدولة والنظام، حتى هذه اللحظة على الأقل.
كانت طهران قد أخطأت ربما في التحالف مع الولايات المتحدة لإسقاط النظام العراقي، لكنها كانت تعيش تبعات أطول حرب بعد الحرب العالمية الثانية، والتي استمرت لثماني سنوات مع العراق.
كانت الولايات المتحدة آنذاك أقرب إلى الشيعة في مواجهتهم للمحور السني الذي كانت العراق رأس الحربة فيه، واليوم تريد الولايات المتحدة استقطاب السنة لتفكيك المحور الشيعي الذي بنته إيران.
هذا الدرس يجب أن يكون اليوم حاضراً في ذهن الدول العربية، وعليها أن تدرك أنّ الغزل الأميركي مع السنة اليوم سيرتدّ عليهم بعد إسقاط إيران.
الواقع السياسي والاستراتيجي للمنطقة من دون إيران لن يكون أفضل، وستكون "إسرائيل" هي القائد للشرق الأوسط الجديد، وهو ما نراه اليوم عبر استباحتها لأجواء عدد من دول المنطقة، إضافة إلى اجتياحها الأراضي السورية واللبنانية.
التحالف السداسي الذي تحدّث عنه نتنياهو يطال جميع دول المنطقة (المحور الشيعي المتهالك، والمحور السني الصاعد) وفقاً لتعبير نتنياهو، وبالتالي فالجميع مستهدفون.
لم تنجح الدول العربية في تحقيق مصالحة حقيقية مع إيران، رغم نجاح الوساطة الصينية في تقريب وجهات النظر بين طهران والمملكة العربية السعودية.
هذا الفشل تتحمّل طهران جزءاً منه، لكنّ العامل الخارجي يبدو أنه كان هو الأقوى، وبقيت إيران معضلة للدول العربية، فقوتها ستكون على حسابهم، وضعفها سيضعفهم ويطلق يد "إسرائيل" في المنطقة.
ربطت القيادة الإيرانية مستقبلها بجعل إيران دولة نووية، وهو ما لن يقبل به الغرب، ولن تتهاون "إسرائيل" به، لذا رأينا مواجهة مباشرة بين الكيان وإيران.
المواجهة الأولى كانت بعد 18 شهراً على طوفان الأقصى الذي غيّر البيئة الاستراتيجية للمنطقة، فهزمت حماس، واغتيل الأمين العام لحزب الله، وسقط النظام السوري، وبالتالي فقدت طهران خط الدفاع المتقدّم لها، وكان لا بدّ من انتقال المعركة إلى الداخل الإيراني، بعد أن باتت طهران بلا أذرع أو حلفاء.
كانت إيران قد اهتمت ببناء قوتها الذاتية، ولم تعتمد على حلفائها فقط، وما نراه اليوم يشكّل صموداً كبيراً في وجه أعنف ضربات جوية تتعرّض لها دولة منذ الحرب العالمية الثانية.
أكثر من 8 آلاف غارة جوية خلال يوم واحد، كان من المتوقّع أن تؤدّي إلى إسقاط النظام، أو نزول المعارضة المدعومة من قبل الولايات المتحدة إلى الشارع، لكنّ ذلك لم يتحقّق حتى الآن.
لم يهرب القادة الإيرانيون كما هرب الأسد، ولم يتفكّك النظام السياسي كما تفكّك نظام صدام حسين، واغتيال القادة تمّ تعويضه بوجود قيادات من الصفين الثاني والثالث مستعدّين لتحمّل المسؤولية، رغم التهديد باغتيالهم.
مستقبل المفاوضات...
برع المفاوض الإيراني في كسب الوقت باعتباره "مكسباً صلباً"، بمعنى أنه كلما استطاعت طهران تأجيل المواجهة مع الولايات المتحدة كلما قلت خسائرها في تلك المواجهة.
"مرونة" إيران لا يمكن النظر إليها كـ "ليونة"، والتنازلات التي قدّمتها طهران نابعة من إدراكها أنّ الحرب آتية لا محالة، وبالتالي لا بدّ من سحب البساط من تحت الولايات المتحدة وتعريتها أمام المجتمع الدولي.
مركزية القرارين السياسي والعسكري ووحدتهما قد تكون من نقاط الضعف لدى إيران، فالمضي في المفاوضات كخيار سياسي أثّر على الاستعداد العسكري، خاصة وأنّ المنطق يقتضي استبعاد إقدام الولايات المتحدة على هذه المواجهة، التي لا يمكن لأحد التنبؤ بتبعاتها.
ترى طهران أنّ الخيارات أمامها محدودة، فإما التنازل عن برنامجها النووي وتفكيكه على غرار ما حدث في ليبيا، والنتيجة ستكون إسقاط النظام بعد تجريده من عوامل قوته. أو الصمود والمواجهة واللعب على الوقت ما أمكن، أملاً بالوصول إلى امتلاك القنبلة النووية (على غرار ما حدث مع كوريا الشمالية).
المعطيات العلمية تقول إنّ إيران قادرة عى امتلاك عدد من القنابل النووية خلال أيام، وإنّ العائق كان يتمثّل بعدم وجود قرار سياسي لذلك (فتوى الإمام الخامنئي التي تحرّم امتلاك السلاح النووي).
اليوم وبعد اغتيال المرشد، قد تصبح إيران بعيدة عن تلك الفتوى، وخاصة إذا ما سمح المرشد الجديد بامتلاك السلاح النووي.
اشتراط ترامب حصول المرشد الجديد على موافقته أمر فيه رغبة في المزيد من الإذلال للشعب الإيراني وهو ما لن يتحقّق بكلّ تأكيد.
أميركا برعت في الاستثمار في قوتها العسكرية، فلم تخفض موازنتها العسكرية ولا عدد أفراد جيشها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لأنها رأت فيها مصدر الهيبة، والسبب في كلّ ما تحقّق لها.
إيران ليست "جمهورية موز" حتى ترضخ للإملاءات الأميركية، وازدياد الضغط الأميركي عليها قد يعزّز من قوتها ومناعتها، وفقاً لمبدأ "التحدّي والاستجابة" الذي تحدّث عنه أرنولد توينبي.
الحرب خاضتها "إسرائيل" متأخرة، فقد أصبحت إيران قادرة على الحرب المباشرة، وبات تطوّر البرنامج النووي لا يمكن وأده.
ترامب يريد جرّ دول الخليج إلى الحرب، لينسحب منها وتتحوّل الحرب إلى حرب سنية- شيعية. أو يستمر بالحرب بشرط أن تستمر هذه الدول بتحمّل نفقاتها، ويتحوّل هو إلى تاجر سلاح.
هل الحرب حرب أميركا أم "إسرائيل"؟
يبدو جلياً أنّ الحرب هي مطلب إسرائيلي استجابت له الولايات المتحدة مرغمة، لعدة اعتبارات: أولاً: الانتخابات النصفية للكونغرس وحاجة ترامب إلى الدعم الصهيوني. ثانياً: فضائح إبستين التي أصبحت تهدّد المستقبل السياسي لترامب وتنذر بالإطاحة به. ثالثاً: رغبة ترامب بولاية رئاسية ثالثة. رابعاً: المصالح الشخصية لترامب وشركاته والتي لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الولايات المتحدة. خامساً: تعهّد المليارديرة الإسرائيلية الأميركية مريام أديلسون بدفع 250 مليون دولار إذا قرّر ترامب الترشّح لولاية ثالثة.
لذا، فقد قام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بسبع زيارات إلى الولايات المتحدة لإقناع ترامب بضرب إيران. مع أنّ استطلاعات الرأي تؤكّد أنّ 78% من المواطنين الأميركيين ضد الحرب.
العلاقات الإسرائيلية الأميركية لا يمكن محاكمتها من منطق المصالح المتبادلة، فهناك اسباب عميقة تتعلّق بالدين، أي "المسيحية الصهيونية"، فالبروتستانت أقرب لليهود من أنفسهم.
طبيعة ترامب وغروره، ونجاح ما قام به في فنزويلا جعله يعتقد أنّ ذلك يمكن أن يتحقّق في إيران، رغم الاختلافات الكبيرة بين البلدين.
سرقة نفط فنزويلا مكّنت ترامب من تعويض النقص الناجم عن الحرب في المنطقة، وزادت من تحكّمه بالدول الأوروبية، إضافة إلى أنه أعطاه ورقة للتفاوض المستقبلي مع بكين.
كلّ ما يحدث في المنطقة يمكن النظر إليه باعتباره تجهيزاً للقاء المرتقب بين الرئيسين ترامب وشي في بكين في الشهر المقبل.
يريد ترامب أن يذهب ومعه ورقتي نفط فنزويلا ونفط إيران، للتفاوض مع الصين حول عدد من الملفات أهمها الفضة التي كانت بكين قد فرضت قيوداً على تصديرها، بدءاً من هذا العام، وربطتها باعتبارات تمس الأمن القومي لبكين، باعتبارها تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية وألواح الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية.
الصين ثاني أكبر منتج فضة في العالم، تستحوذ على 13% من الإنتاج العالمي، كما أنّ 70% من الفضة المنتجة في العالم يتمّ تكريرها ومعالجتها داخل الصين.
كانت الصين تصدّر 3000 طن متري من الفضة سنوياً، رغم أنها تستهلك نحو 40% من حجم الطلب العالمي.