التحرك السعودي ضد الإمارات في اليمن... الدلالات والأبعاد الاستراتيجية
يمكن النظر إلى السعودية على أنها تمثل نموذج القوة التي ترفض المس بمكتسباتها التاريخية، وهي تعتبر أن أي مسار تسووي في الإقليم، يجب ألّا يتحقق إلا من خلالها وبما يناسب رؤيتها.
-
التحرك السعودي ضد الإمارات في اليمن... الدلالات والأبعاد الاستراتيجية
خلال وقت قياسي، استطاعت المملكة العربية السعودية أن تُلزم الإمارات العربية المتحدة في اليمن بسحب قواتها المتبقية في اليمن الجنوبي في أقل من 24 ساعة. فبعد أن بدأ خطاب عيدروس الزبيدي ينحو نحو ما يمكن اعتباره انقلاباً عسكرياً في نوفمبر الماضي للاستيلاء على محافظات الجنوب تحت شعار "استعادة دولة الجنوب"، بدأ المجلس الانتقالي هجومه باتجاه المهرة وحضرموت وأجزاء أخرى من الجنوب والشرق حيث تحول الجنوب كله في الأسبوع الأول من ديسمبر الماضي إلى منطقة نفوذ خاصة به.
وفي اللحظة التي اعتبر فيها المراقبون أن واقعاً جديداً بدأ يتبلور على خارطة النفوذ اليمني، لناحية توسع التحركات الميدانية التي يقودها المجلس الانتقالي وتهيئة الرأي العام الجنوبي لتقبل فكرة الانفصال كنتيجة سياسية دراماتيكية لموازين القوى المستجدة، جاء التحرك السعودي مفاجئاً، حيث إنه لم يلتزم فقط بمسار سياسي ودبلوماسي من أجل حث المجلس الانتقالي على التراجع عن خطوة اعتبرتها المملكة السعودية مدمّرة للجهود المزعومة للتحالف الدولي في اليمن، وإنما جاء على شكل رسالة عسكرية تُرجمت في قصف ميناء المكلا، ألحقتها بدعم مطلب رئيس المجلس القيادي رشاد العليمي بخروج القوات الإماراتية المتبقية من اليمن بطريقة ظهرت على أنها أمر ملكي سعودي.
بطبيعة الحال، قد يظن المراقب أن الخلاف بين الطرفين محصور بحدود الجغرافيا اليمنية، حيث إن بذور الافتراق الاستراتيجي بينهما قد ظهرت عام 2019 نتيجة اقتناع الإمارات بعبثية الحرب في اليمن، بسبب فقدانها للشرعية الدولية من جهة، وعدم القدرة على الحسم من جهة أخرى، حيث إن أنصار الله قد صمدوا في مواجهة الحرب العدوانية التي شنّها التحالف الدولي، الذي كانت تقوده المملكة العربية السعودية، وكانت الإمارات طرفاً فيه منذ عام 2015، من دون أن ننسى سعي الإمارات للخروج من تحت العباءة السعودية في الخليج، وبحثها عن مرتكزات مشروع مستقل يعطيها القدرة على التمايز في المنطقة.
وعليه، فإن واقع العلاقة بين الطرفين يدلل على ما هو أعمق من توافق مفقود في اليمن. فالاختلاف بين الطرفين السعودي والإماراتي حول المصلحة الاستراتيجية لكل منهما يتخطى الواقع اليمني ويؤشر على خلاف أوسع حول كيفية بناء رؤية شاملة لواقع علاقاتهما الإقليمية والدولية. ففي حين يرى الطرف الإماراتي أن تقسيم اليمن بين شمال وجنوب، وتمكّنه من فرض سيطرته على الموانئ اليمنية في عدن والمخا والمكلا، إضافة إلى الجزيرتين الاستراتيجيتين سقطرى وميون سيكون مناسباً لتحقيق أهداف عديدة تتناسب وتوجهاته الاستراتيجية في الإقليم، وتتناسب أيضاً مع ما يُفترض أن تنتجه اتفاقات أبراهام من واقع يتخطى مسارات السلام التقليدية، ويستهدف تحويل الشرق الأوسط إلى مجرد كيانات مفككة ذات أدوار وظيفية تفتقد إلى السيادة بمفهومها التقليدي، وتستبدلها بشبكات أمنية واقتصادية عابرة للحدود تساعد في توسيع النفوذ البحري والسيطرة على العقد الاستراتيجية، وتطوير نفوذ إقليمي يتخطى وزنها الجغرافي.
في المقابل، تظهر رؤية سعودية متعارضة، تعتبر أن الهدف الرئيسي لأي جهد في اليمن أو في أي دولة أخرى، يجب أن يكون متمحوراً حول ضرورة الحفاظ على واقع سيادي يمنع تحوله إلى كيانات وظيفية، يمكن أن تهدد ما تعتبره المملكة مؤثراً على مصالحها الاستراتيجية. فمن خلال مقاربة الموقف السعودي في اليمن، سنجد أنه ينحو نحو محاولة إسقاط النموذج الإماراتي في إدارة الصراع في الإقليم، وليس فقط نفوذها في اليمن، حيث إن المملكة كانت تستهدف الإمارات كمشروع يحاول أن يلعب دوراً مستقلاً فاعلاً بعيداً عن المسلمات التقليدية لواقع العلاقات الدولية في الإقليم.
بالطبع لا يمكن النظر إلى المملكة العربية السعودية على أنها تمثل النموذج العروبي، الساعي إلى تثبيت الحق العربي في مواجهة مشروع الهيمنة الإسرائيلية الذي وجد ما يسهّل عبوره على أنقاض الدولة المركزية العربية، من خلال استغلال بعض الدويلات العربية الطامحة لتعظيم دورها، كالإمارات أو البحرين، أو تلك الجماعات الطامحة للاستقلال أو الهيمنة، كأرض الصومال أو الدعم السريع في السودان، أو غيرهما من الجماعات الفاعلة على الأراضي الليبية أو السورية أو العراقية أو حتى اللبنانية، وإنما يمكن النظر إليها على أنها تمثل نموذج القوة التي ترفض المس بمكتسباتها التاريخية، حيث إنها كانت دوماً شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وهي تعتبر أن أي مسار تسووي في الإقليم، يجب ألّا يتحقق إلا من خلالها وبما يناسب رؤيتها. فالفرق بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لا يُعرف من خلال الاختلاف حول إمكانية وجود اتفاق لتطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، أو من خلال ترسيخ علاقة تضمن المصالح الأميركية في المنطقة، وإنما حول شكل وشروط وأبعاد هذا الاتفاق وهذه العلاقة فقط.
وعليه، يمكن القول إن حقيقة الموقف السلبي السعودي من الإمارات لا يتوقف على سلوكها في اليمن، وإنما يعبّر عن طبيعة الرؤية السعودية، وذلك لما تمثله الإمارات من مدخل لتحقيق التفوق الإسرائيلي الذي بات يجاهر بسعيه لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى". فإذا كان طبيعياً أن نقرأ في السردية السعودية اعترافاً بشرعية وجود الكيان وإمكانية التطبيع معه، فإن ذلك سيبقى مشروطاً بالاعتراف بالموقع السعودي الإقليمي، حيث إن المملكة ترى نفسها، بحكم الجغرافيا والموارد والرمزية الدينية والقومية، المشرّع المركزي المحلي لأي ترتيب إقليمي. فالاعتراف السعودي بالكيان الإسرائيلي لا يفترض القبول بتحول الكيان إلى قوة إقليمية مهيمنة ذات نفوذ يتخطى حدود فلسطين المحتلة.
وبالتالي، فإن الرؤية السعودية التي تظهر حتى اللحظة تمسكاً بفكرة الدولة بمفهومها التقليدي، ومنع تفككها بما يسمح بالحفاظ على سلطة مركزية قابلة للضبط، تتعارض في مضمونها مع الرؤية الإماراتية التي تميل إلى دعم كيانات شبه مستقلة، وميليشيات خارجة عن سلطة الدولة، تساعد في إدارة النفوذ على الموانئ والعقد الاستراتيجية، وتتعارض أيضاً مع مفهوم نتنياهو لـ"إسرائيل الكبرى" الذي يعتبر أن بسط النفوذ والسيطرة على الإقليم، ومن ضمنه سواحل البحر الأحمر على ضفتيه، سيُعد ضرورياً لضمان أمنه، كما يمكن القول إنها تستهدف توجيه رسالة للولايات المتحدة التي كرّست في استراتيجيتها الأخيرة للأمن القومي فكرة إدارة الشرق الأوسط عن بعد، من خلال نموذج جديد يستهدف تحقيق المصالح عبر إدارة الفوضى والتفتيت.
فالمملكة التي كانت ترتضي دوماً دور المنفذ الإقليمي للمشاريع الأميركية، كانت تجد تبريرها في كون جوهر المشاريع الاميركية لا يستهدف تفكيك دول المنطقة وإدارة الفوضى فيها، وإنما كانت تقوم على فكرة تحقيق المصالح عبر الهيمنة وإدارة التوازنات. وعليه، فالقناعة التي رسختها الولايات المتحدة في الوعي الجماعي العالمي باتت تقض مضاجع الحلفاء. فالدفع الأميركي لتخلي أوكرانيا عن 20% من مساحتها، والمطالبة بفرض السيطرة على غرينلاند، قد يجعلان إمكانية البحث في تفتيت دول المنطقة الحليفة كالمملكة العربية السعودية أمراً وارداً، يتطلب رداً استباقياً محدوداً بحجم توجيه صفعة للإمارات في اليمن.