الاقتصاد الدائري في الصين: حين تتحول النفايات إلى قضية أمن قومي
تتمتع الصين بميزة التكامل بين تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية ومعالجة المعادن وإعادة التدوير. كما أن امتلاكها قاعدة صناعية كبيرة يوفر فرصاً لربط المنتجين بمرافق الاستعادة.
-
الصين.. حين تتحول النفايات إلى قضية أمن قومي.
لم تعد النفايات في الصين مجرد مشكلة بيئية تتعلق بما تتركه المصانع والمنازل خلفها، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الصناعي والسيادة التكنولوجية.
ففي اقتصاد يستهلك كميات هائلة من المعادن، وينتج ملايين السيارات الكهربائية والبطاريات والأجهزة الإلكترونية، يمكن لما يُلقى خارج دورة الإنتاج أن يتحول إلى مصدر للمواد الخام، ومجال لتقليص الاعتماد على الخارج، وأداة جديدة في المنافسة بين القوى الكبرى.
تدرك بيجين أن المعادن التي تحتاج إليها مصانع السيارات الكهربائية والروبوتات والإلكترونيات لا توجد حصراً في المناجم، بل تختزنها أيضاً المنتجات التي وصلت إلى نهاية عمرها التشغيلي.
من هنا تكتسب إعادة التدوير معنى يتجاوز حماية البيئة؛ إذ تسمح باستعادة جزء من القيمة الصناعية التي استُثمرت في استخراج المعادن وتصنيعها، وتعيد إدخالها في الاقتصاد بدلاً من استيراد كميات إضافية من المواد الأولية.
وفي ظل القيود التجارية والتنافس على الليثيوم والنيكل والكوبالت، يصبح امتلاك القدرة على استعادة الموارد جزءاً من امتلاك القدرة على مواصلة الإنتاج.
من السيارة المستهلكة إلى المنجم الحضري
تكشف السيارات عن حجم هذه المعادلة. فالسيارة التي تخرج من الخدمة لا تتحول بالضرورة إلى خردة عديمة القيمة؛ إذ يمكن تفكيكها واستعادة الحديد والألومنيوم والنحاس والزجاج وبعض المكونات القابلة لإعادة الاستخدام. وإذا افترضنا سيارة يقترب وزنها من ألف كيلوغرام، فإن المعادن والمواد القابلة للاسترداد فيها تمثل مورداً اقتصادياً مهماً، وإن كانت الكميات الفعلية تختلف باختلاف طراز السيارة وتركيبتها.
تحدد المعايير الصينية للسيارات من الفئتين M1 وN1 معدلات لا تقل عن 85% لقابلية إعادة التدوير و95% لقابلية الاسترداد، وفقاً للتعريفات الفنية المعتمدة.
لا يعني ذلك أن كل سيارة تُفكك فعلياً وتُستعاد منها هذه النسب بالضبط، بل إن المعيار يقيس ما يمكن استعادته أو تدويره وفق تقنيات معروفة وشروط محددة.
تكمن أهمية هذه العملية في أن استعادة المواد من سيارة مستهلكة قد تقلل الحاجة إلى استخراجها من المناجم، وتحد من استنزاف الموارد والطاقة المرتبطين بإنتاج المعادن الأولية.
وتستطيع مراكز التفكيك الحديثة فرز المكونات المعدنية وفصل المواد القابلة لإعادة الاستخدام، فيما تُنقل البطاريات إلى مرافق متخصصة نظراً إلى المخاطر الكيميائية والحرارية التي تنطوي عليها.
هكذا يتشكل ما يُعرف بـ "المنجم الحضري"، أي مخزون المعادن الموجود داخل المدن والمصانع والمنتجات المستهلكة.
في هذا المنجم لا تحتاج الصين إلى اكتشاف حقل جديد حتى تحصل على بعض المواد التي تريدها؛ بل تحتاج إلى منظومة قادرة على جمع المنتجات القديمة، وتفكيكها، وفرزها، واستخلاص المعادن منها بجودة تسمح بإعادتها إلى خطوط الإنتاج.
البطاريات: قلب المنافسة على المعادن الحيوية
تظهر الأهمية الاستراتيجية بصورة أوضح في بطاريات السيارات الكهربائية، التي تحتوي، وفق تركيبتها الكيميائية، على الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والغرافيت، إلى جانب مواد أخرى. وتزداد قيمة استعادتها مع اتساع سوق السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة، لأن هذه الصناعات تعتمد على إمدادات مستقرة من المواد التي تدخل في تصنيع الخلايا والبطاريات الجديدة.
بحلول نهاية حزيران 2025، بلغ عدد مركبات الطاقة الجديدة المسجلة على الطرق الصينية نحو 36.89 مليون مركبة، منها قرابة 25.54 مليون سيارة كهربائية تعمل بالبطاريات.
مع أن هذه الأرقام لا تعني أن جميع البطاريات ستصل إلى نهاية عمرها في وقت واحد، فإنها تكشف عن حجم التدفق المستقبلي للبطاريات التي ستحتاج إلى إعادة الاستخدام أو التدوير، ولا سيما مع تراجع كفاءتها بعد سنوات من التشغيل.
تقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الصين تستحوذ على أكثر من 85% من القدرة العالمية لإعادة تدوير البطاريات، غير أن هذه النسبة تقيس الطاقة الإنتاجية المتاحة، ولا تعني أن الصين تعيد تدوير 85% من جميع البطاريات المستعملة في العالم. كما أن القدرة الصناعية وحدها لا تكفي لضمان النجاح؛ إذ تحتاج المصانع إلى كميات كافية من البطاريات والمخلفات حتى تعمل بكفاءة وتحقق عائداً اقتصادياً.
تمر البطارية المستعملة عادة بمراحل تبدأ بالتقييم، لتحديد ما إذا كانت صالحة لإعادة الاستخدام في تطبيقات أقل تطلباً، ثم التفكيك والمعالجة.
ومن أهم المخرجات الوسيطة ما يُعرف بـ "الكتلة السوداء"، وهي خليط مركز من المواد الفعالة المستخلصة من البطارية، يحتوي على معادن يمكن فصلها وتنقيتها لاحقاً.
تتيح هذه العملية استعادة الليثيوم والنيكل والكوبالت، بحسب نوع البطارية وتقنية المعالجة، ثم إعادة بعض هذه المواد إلى سلاسل التصنيع.
لكن القيمة الاقتصادية لا تتوزع بالتساوي بين جميع أنواع البطاريات. فبطاريات النيكل والمنغنيز والكوبالت تحتوي معادن مرتفعة القيمة نسبياً، بينما تفتقر بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم إلى النيكل والكوبالت، ما يجعل اقتصاديات تدويرها أكثر ارتباطاً بسعر الليثيوم وكفاءة المعالجة.
لذلك، فإن التفوق الصيني لا يقوم على حجم السوق وحده، بل على تطوير تقنيات قادرة على استعادة المواد بكلفة تنافسية، وربط منشآت التدوير بمصانع البطاريات التي تستطيع شراء المواد المستخلصة واستخدامها.
حين تصبح النفايات جزءاً من أمن الدولة
لا يمكن فهم التوسع الصيني في إعادة التدوير بمعزل عن اعتماد الصناعات الحديثة على المعادن الحيوية. فكلما زاد الطلب على السيارات الكهربائية والروبوتات ومراكز البيانات وأنظمة تخزين الطاقة، ازدادت الحاجة إلى ضمان تدفق المواد الخام بأسعار مستقرة.
إعادة التدوير يمنح بيجين مصدراً إضافياً لهذه المواد، وتساعدها على تخفيف تعرضها لتقلبات الأسواق الخارجية واضطرابات النقل والقيود المفروضة على التجارة.
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إعادة تدوير البطاريات يمكن أن تلبي، بحلول عام 2050، نحو 20–30% من الطلب العالمي على الليثيوم والنيكل والكوبالت، شريطة تحسن معدلات الجمع والاسترداد.
هذه النسبة تقدير مستقبلي عالمي، وليست حصة مضمونة للصين أو نتيجة يمكن تحقيقها من دون استثمارات وسياسات مناسبة.
وتزداد أهمية هذه الإمكانات مع اقتراب بطاريات الجيل الأول من السيارات الكهربائية من نهاية عمرها التشغيلي. فالبطاريات التي جرى تركيبها خلال المراحل الأولى من توسع السوق ستبدأ بالتدفق تدريجياً إلى مرافق التدوير، بالتزامن مع استمرار نمو المبيعات.
مع ذلك، تحذر الوكالة من فجوة زمنية بين إنتاج البطاريات وتقاعدها؛ إذ لا تزال البطاريات الحديثة في الخدمة، فيما يعتمد جزء مهم من نشاط التدوير الحالي على مخلفات التصنيع التي يسهل التعامل معها نسبياً. وهذا يعني أن التوسع في المصانع يسبق أحياناً توافر المواد التي تحتاج إليها، ما يخلق فائضاً في القدرة الإنتاجية ويضغط على أرباح الشركات.
ولا تتوقف القضية عند المعادن المستخدمة في البطاريات. فالتوسع في تدوير النفايات الإلكترونية ومخلفات الطاقة والمعدات الصناعية يفتح مجالاً لاستعادة النحاس والألومنيوم والمعادن الثمينة، ومنها الفضة الموجودة في بعض المكونات الإلكترونية والتقنيات الشمسية.
الرقابة الرقمية ومشكلة الاقتصاد غير الرسمي
تواجه الصين مشكلة وصول البطاريات المستعملة إلى تجار خردة غير رسميين أو مرافق تفتقر إلى شروط السلامة والرقابة. فالبطارية التي تُفكك بطرق غير مناسبة قد تسبب حرائق أو تسرباً للمواد الكيميائية، كما أن فقدان القدرة على تتبعها يحرم المصانع النظامية من المواد التي تحتاج إليها، ويفتح المجال للتخلص غير الآمن من المخلفات.
لهذا اتجهت بيجين إلى تشديد الرقابة على دورة حياة البطاريات. ففي كانون الثاني 2026، أعلنت السلطات الصينية تدابير جديدة لإدارة البطاريات المستعملة، دخلت حيز التنفيذ في الأول من نيسان، وتنص على منح كل بطارية هوية رقمية تتيح تتبعها من الإنتاج والبيع إلى الصيانة والاستبدال والتفكيك وإعادة الاستخدام. كما تتضمن الإجراءات إنشاء منصة وطنية لتتبع المعلومات المتعلقة بالبطاريات.
تكمن أهمية الهوية الرقمية في تحويل البطارية من منتج يمكن أن يختفي من السجلات بعد انتهاء استخدامه إلى أصل صناعي يمكن تتبع مساره. وتساعد هذه المنظومة على تحديد المسؤولية، وتحسين جمع البطاريات، والحد من تسربها إلى القنوات غير النظامية.
واشنطن وبروكسل تدخلان سباق التدوير
تدرك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن التنافس على المعادن الحيوية لا يُحسم في المناجم وحدها. فامتلاك القدرة على استعادة المعادن من البطاريات المستعملة يتيح بناء مصدر محلي للمواد الخام، ويقلل الحاجة إلى استيرادها، ويحد من الاعتماد على سلاسل التكرير والمعالجة المتركزة في الصين.
غير أن إنشاء مصانع تدوير في الغرب لا يكفي وحده لتقليص الفجوة. فهذه الصناعة تحتاج إلى حجم مناسب من البطاريات المستعملة، وتقنيات فعالة، وتكاليف تنافسية، ومصانع قادرة على استخدام المواد المستخلصة.
كما أن القيود على تصدير المخلفات أو نقلها عبر الحدود قد تساعد في الاحتفاظ بالموارد محلياً، لكنها لا تضمن أن تكون معالجتها المحلية أقل تكلفة أو أكثر كفاءة.
وفي المقابل، تتمتع الصين بميزة التكامل بين تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية ومعالجة المعادن وإعادة التدوير. كما أن امتلاكها قاعدة صناعية كبيرة يوفر فرصاً لربط المنتجين بمرافق الاستعادة، وهو ما يصعب بناؤه سريعاً في اقتصادات لا تزال قدراتها في المراحل الوسطى من سلسلة القيمة محدودة.
ومع ذلك، فإن فائض طاقة التدوير الصينية قد يدفع بعض الشركات إلى البحث عن مصادر إضافية للمواد، بما فيها الكتلة السوداء المستوردة، إذا سمحت القواعد التجارية والبيئية بذلك.
من إدارة المخلفات إلى إدارة الموارد
تتجه الصين إلى التعامل مع النفايات بوصفها مورداً صناعياً ينبغي حمايته وتنظيمه، لا بصفتها عبئاً بيئياً ينبغي التخلص منه فحسب. فالسيارة المستهلكة تختزن المعادن، والبطارية القديمة تحتوي على مواد يمكن أن تعود إلى خطوط الإنتاج، والمخلفات الإلكترونية قد توفر جزءاً من احتياجات الصناعات المتقدمة.
وفي اقتصاد يعتمد على استقرار إمدادات المعادن، تصبح القدرة على استعادة هذه الموارد عنصراً من عناصر القوة الاقتصادية.
لكن الاقتصاد الدائري لا يلغي التعدين، ولا يضمن الاستقلال الكامل عن الأسواق الخارجية، كما لا تتحقق جدواه بمجرد زيادة عدد المصانع. فهو يحتاج إلى جمع منظم، وتقنيات فعالة، وأسعار تسمح باستمرار الاستثمار، وقواعد تضمن انتقال المخلفات إلى منشآت آمنة.
وتواجه الصين في هذا المجال تحدياً مزدوجاً: الاستفادة من موقعها الصناعي المتقدم، ومعالجة الفجوة بين القدرة الإنتاجية وحجم المواد المتاحة فعلياً.
وعلى هذا الأساس، فإن المنافسة المقبلة على المعادن الحيوية لن تقتصر على من يمتلك المناجم أو يسيطر على طرق التجارة، بل ستشمل أيضاً من يستطيع استعادة المعادن بعد انتهاء عمر المنتجات التي دخلت فيها. فالمورد الاستراتيجي لم يعد موجوداً في باطن الأرض وحده؛ إنه موجود كذلك في المدن والمصانع والسيارات والبطاريات التي استُهلكت. ومن يستطع إعادة هذه المواد إلى دورة الإنتاج، يمتلك فرصة لتقليص كلفة الصناعة وتعزيز أمن الإمدادات وتوسيع هامش استقلاله في الاقتصاد العالمي.