الازدهار في السردية الأميركية.. ماذا تخفي المصطلحات؟ (1)
يتكرّر مصطلح الازدهار في الخطاب الأميركي الموجّه إلى المنطقة ما يبرّر الاعتقاد بأنه ليس مجرّد تعبير إنشائي بل يحمل في طيّاته مقاصد إدراكيّة وسياسيّة.
-
يقترن الازدهار في الأدبيات الرسمية الأميركية مع مصطلحات أخرى مثل "الرخاء" و"التعاون".
لا يقتصر الخطاب الأميركي المرتبط بقضايا المنطقة على مفهوم "السلام عبر القوة" كما عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً، بل ثمّة خطاب آخر يعد بالازدهار ويتلازم مع الأول.
تخطّى ترامب إلى غير رجعة الخطاب الذي كان يراعي الحدّ الأدنى من التوازن الشكلي في إدارة الصراع بالمنطقة. خبت سردية "السلام العادل"، ولم يعد خطاب "حلّ الدولتين" يقنع أحداً، وتوارت أدبيات الاعتراف بحقّ "إسرائيل" في الأمن بالتزامن والتلازم مع حقوق الفلسطينيين.
لم يحدث هذا التحوّل بفعل "طوفان الأقصى" وبنتيجته ولكنّ العكس هو الصحيح. جاءت عملية 7 أكتوبر من موقع قلب الطاولة على مسار حسم القضية الفلسطينية الذي كان واضحاً اتجاهه في المواقف العربية والأميركية المتقدّمة وغير المسبوقة، ومن خلال التطوّرات الميدانية على أرض فلسطين المحتلة، كذلك التطوّرات السياسية داخل الكيان الإسرائيلي التي جاءت بحكومة اليمين التي قيل إنها الأكثر تطرّفاً في تاريخ الكيان نهاية عام 2022، والتي أطلق عليها اسم حكومة "الحسم"، في إشارة إلى بنود تشكيلها التي تتبنّى خططاً ومشاريع في اتجاه حسم القضية الفلسطينية.
قطيعة مع الخطاب التقليدي
لم يأتِ خطاب ترامب حول "السلام عبر القوة" من دون مقدّمات. خلال ولايته الأولى أفضى خطاب إدارته إلى قطيعة مع الخطاب التقليدي الأميركي السابق ومهّد لما سيأتي لاحقاً. اعترف بالقدس عاصمة لـ "إسرائيل"، وشطب قضية اللاجئين عملياً، كما اعترف بالسيطرة الإسرائيلية على أراضي الجولان السورية المحتلة، قبل أن يبادر إلى إغلاق مكتب بعثة منظّمة التحرير الفلسطينية في واشنطن عام 2018، وقطع تمويل وكالة (الأونروا) التي تقدّم الدعم لنحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في المنطقة.
خطاب ترامب الذي يروّج للسلام عبر القوة يتقاطع حرفياً مع خطاب نتنياهو الذي شدّد في الكنيست خلال استقباله ترامب في خضمّ الإعلان عن نهاية الحرب على غزة على أنّ قوة "إسرائيل" تمثّل "الأساس الذي لا غنى عنه للسلام: السلام من خلال القوة". الأمر يجد صداه أيضاً في كتاب الأخير "مكان تحت الشمس" حيث ورد أنّ العرب لن يقبلوا بـ "إسرائيل" إلّا مجبرين ومن خلال الإرغام والقوة، فالعرب بتعبيره لا يفهمون لغة سواها. هذه الفكرة ليست مختصة فيه وحده بل يمكن العثور على أصالتها في أدبيات الحركة الصهيونية بحيث برزت في عدد من المؤلّفات ونظّر لها أكثر من طرف.
كيف ينبت الازدهار إذاً في هذا المناخ؟
إلى جانب خطاب فرض السلام بالقوة يتلازم خطاب أميركي آخر يغري الأحياء من شعوب المنطقة بازدهار موعود في حال السير بالمخططات الأميركية.
هذه المتلازمة من ثنائية القوة والازدهار التي تبدو متعارضة في الظاهر تغدو أكثر انسجاماً من منظور المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان توم برّاك. في مقابلة له مع قناة "سكاي نيوز" في أيلول/ سبتمبر الفائت عرض الأخير فهمه لطبيعة الصراع في المنطقة. من جملة ما قاله برّاك إنّ السلام في المنطقة مجرّد وهم، وإنّ هناك طرفاً يريد الهيمنة ما يعني أنّ الطرف الآخر يجب أن يخضع. المهمّ في ما خلص إليه بأنّ الحلّ الوحيد لهذه المعضلة في النهاية يأتي من خلال الازدهار.
هذه الخلاصة تمثّل تعبيراً عن رؤية ترامب الذي صرّح خلال خطابه التاريخي أمام الكنيست منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي بأنّ "إسرائيل حقّقت، بمساعدتنا، كلّ ما يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية. الآن حان الوقت لتحويل تلك الانتصارات ضدّ الإرهابيين في ساحة المعركة إلى الجائزة النهائية: السلام والازدهار للشرق الأوسط بأسره".
سردية الازدهار هذه تبنّتها الوثيقة الصادرة عن قمة شرم الشيخ؛ الاحتفالية التي جرى إخراجها لتشكلّ إعلاناً عن نهاية الإبادة على غزة. الوثيقة حملت عنوان "إعلان شرم الشيخ للسلام والازدهار الدائمَين"، وتحدّثت عن "فصل جديد للمنطقة يتّسم بالأمل والأمن والرؤية المشتركة للسلام والازدهار".
يتكرّر مصطلح الازدهار في أكثر من محطة ضمن السردية الأميركية، ما يبرّر الاستنتاج بأنه ليس مجرّد تعبير اعتباطي أو إنشائي، بل يحمل في طيّاته مقاصد وأبعاداً إدراكيّة وسياسيّة.
عندما سعت واشنطن في خضمّ "طوفان الأقصى" إلى إنشاء تحالف عسكري بحري متعدّد الجنسيات، نهاية 2023، بهدف التصدّي للهجمات اليمنية التي استهدفت التجارة مع "إسرائيل" عبر البحر الأحمر، أطلقت عليه اسم "حارس الازدهار".
وعندما عقدت ورشة العمل الدولية في البحرين قبل نهاية ولاية ترامب الأولى في حزيران/يونيو 2019، أطلق على المؤتمر حينذاك "سلام من أجل الازدهار". المؤتمر، الذي غابت عنه السلطة الفلسطينية اعتراضاً، عُدّ بمثابة الشقّ الاقتصادي للخطة الأميركية القاضية بإنهاء القضية الفلسطينية تحت عنوان السلام، وعُرفت هذه الخطة لاحقاً باسم صفقة القرن.
يشير تحليل عرضه "ألكسندر كاتب" في معهد كارنيغي منذ أشهر إلى أنّ هذه الاتفاقات مستوحاةٌ من قناعة مفادها أنّ أدوات الجغرافيا الاقتصادية قادرة على التخفيف من حدّة التوتّرات الجيوسياسية من خلال تقديم حوافز مالية واقتصادية هدفها تفادي الخوض في صراعاتٍ تبدو عصيّةً على الحلّ.
من حيث المنظور التاريخي للصراع لم تخترع إدارة ترامب شيئاً جديداً في هذا الإطار، إلّا من حيث ملازمة المصطلحات وتغليفها وإعادة تصديرها وتسويقها في شكل جديد. أما من ناحية المضمون والاستثمار في المفاهيم وترجمتها فلقد سبق أن كانت محلّ اختلاف في أوساط الأحزاب الصهيونية ورؤاها ومشاريعها، لكن دائماً تحت سقف الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.
بالتزامن مع محادثات أوسلو قدّم رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق شمعون بيريز تصوّراً لمستقبل المنطقة يقوم على فكرة شراكة تجمع "إسرائيل" والدول العربية، وذلك من خلال بناء علاقات اقتصادية وتكنولوجية تُسهم في تحقيق ما وصفه بالسلام والتنمية المشتركة، وهدفه الحقيقي تعزيز النفوذ الإسرائيلي على المستوى الإقليمي، من خلال فرص اقتصادية تسعى إلى تشكيل ملامح المنطقة وفق مصالح "تل أبيب".
في المقابل أصرّ السلف التاريخي لحزب الليكود، حزب حيروت بقيادة مناحيم بيغن، على رفض الاعتراف بوجود قضية فلسطينية، وتمسّك بفكرة أنّ الصراع لا يُحَلّ إلّا عبر قبول العرب بالأمر الواقع؛ بمعنى آخر، السلام عبر القوة الذي يتبنّاه اليوم ترامب ونتنياهو، والذي يفسّر مفهوم توم برّاك حول أنّ هناك طرفاً يريد الهيمنة، ما يعني أنّ على الطرف الآخر أن يخضع.
خلف قناع المصطلحات
يقترن الازدهار في الأدبيات الرسمية الأميركية مع مصطلحات أخرى مثل "الرخاء" و"التعاون" و"النمو المشترك"، وهي من لزوم اللبوس الدبلوماسي الذي يغلّف حقيقة المرامي السياسية.
هذه المفاهيم الرائجة في الخطاب الأميركي ترتبط غالباً بالرؤى والمشاريع التي تعدّها واشنطن لمستقبل المنطقة، كما تقترن بالهندسات السياسية والاجتماعية والفكرية والأمنية التي تندرج ضمن مخططاتها.
في الخلفيّة، تشكّل هذه المفاهيم عماد الخطاب الموجّه إلى الشعوب التي تقاوم الهيمنة الأميركية والعدوان الإسرائيلي، ومحاولة دغدغة مشاعرها بهدف تطويعها واستمالتها من خلال وعود برّاقة، كما تتوجّه إلى الفئات التي لا تريد المقاومة من خلال تقديم مسوّغ لخياراتها، بينما الهدف الحقيقي هو تشبيك "إسرائيل" مع اقتصادات المنطقة من خلال مشاريع بنى تحتية وإحكام القيود على المقاومة عبر استتباع الشعوب لمحدّدات اقتصادية ومعيشية، وإرساء وقائع اقتصادية صلبة تجعل من الصعب على الأجيال المقبلة إجراء أيّ مراجعة أو تغيير بعد اكتشاف حقيقة المشاريع وعدم صوابيّة خيارات الاستسلام تحت عنوان الشعارات البرّاقة.
من هذا المنطلق، لا تأتي هذه المفاهيم معزولة عن سرديات أخرى يجري حقنها باستمرار في أوردة الإعلام المُدجّن ووسائل التواصل الاجتماعي. سرديات تصدّر أنّ سبب الأزمات والحروب هو مقاومة الاحتلال، لا الاحتلال نفسه، وأنّ الأزمات المعيشية والاقتصادية تعود جذورها إلى نزعة متأصّلة في الشعوب الممانعة إلى افتعال الحروب والابتعاد من الواقعيّة السياسية، وليس إلى الهيمنة وإلى رفض الخضوع لتبعاتها.
ليس الهدف النهائي مما سيأتي تفكيك الخطاب الرسمي الأميركي لغوياً من خلال الاعتماد على "الازدهار" وأخواتها في متون أدبياته. هذا التفكيك ليس إلّا جسراً للعبور نحو الوجه الحقيقي الذي يكمن خلف قناع هذه المصطلحات، وكيفيّة توظيفها في خدمة المشاريع السياسية. هنا تحديداً، تتكشّف ملامح الشرق الأوسط الجديد كما تتطلّع إليه الولايات المتحدة، وتبدأ القطع المتناثرة من الخطابات المُعلنة تتقارب وتتلاصق لتشكّل صورة شاملة حول مسار الأمور الذي تقودنا إليه هذه الشعارات.
في الواقع، ليس هذا حكراً على إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، لكن باعتبار أننا نعاين المسار التاريخي للصراع من موقع الحاضر، فإنّ المنعطف التاريخي الذي نشهده يستدعي محاولة الكشف عن الخيارات المتاحة ومن ضمنها خيار الاتفاقات الإبراهيمية التي تعدنا بنهاية الحروب والازدهار.
الوصفات التي تروّجها هذه الإدارة تشبه الوجبات الأميركية السريعة (fast food) التي تغري صورها الترويجية بمتعة الطعم، فيما تنذر تداعياتها المستقبلية بنتائج سبق أن خبرتها دول الطوق العربية فضلاً عن السلطة الفلسطينية.
ليس غريباً في هذا السياق أن تتشابه الثقافة الترويجية الأميركية في السياسة كما في الاستهلاك، إذ تقبع خلفهما العقلية التسويقية نفسها.