الألغام اللغوية في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية
من الناحية القانونية، يقال في تفسير العقود والمعاهدات إن «لكل كلمة معنى، ولكل معنى نتائج». أما التجربة السياسية فتثبت أن ساحة اللغة والمصطلحات تشكل جبهة لا تقل أهمية عن سائر الجبهات، ولا سيما بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين.
-
"إسرائيل" دأبت على الدفع نحو اتفاقات تتضمن مصطلحات وعبارات غامضة وفضفاضة.
حظيت البيانات التي صدرت عن وزارة الخارجية الأميركية عقب جولات المفاوضات المباشرة بين لبنان و "إسرائيل" باهتمام واسع وأثارت جدلاً كبيراً.
فقد تضمنت مصطلحات وعبارات كان يفترض بالطرف اللبناني التدقيق فيها، بل الاعتراض عليها ورفضها تماماً، نظراً إلى ما قد يترتب عليها من تداعيات قانونية وسياسية قد تصبح ملزمة للبنان في المستقبل.
ويعكس قبول لبنان بهذه البيانات مجموعة من المؤشرات. أولها ذهاب جزء من السلطة اللبنانية في تبني الخيار الإسرائيلي إلى مستويات متقدمة، وصولاً إلى التموضع الواضح والصريح إلى جانب "إسرائيل"، وليس فقط إلى جانب الولايات المتحدة، في مواجهة مكوّن أساسي في لبنان يمثّل من جهة شريحة واسعة من أبناء طائفة بكاملها تقريباً، ومن جهة أخرى تياراً سياسياً تاريخياً يتجاوز الانتماءات الطائفية ويتمتع بحضور شعبي وسياسي وازن.
كما يعكس هذا القبول ضعفاً في كفاءة وأداء الفريق المفاوض والفريق السياسي المشرف عليه. فالصياغات المعتمدة في الوثائق الرسمية وفي المفاوضات والاتفاقات تحتاج دائماً إلى أعلى درجات التدقيق، حتى عندما تكون بين دول حليفة وصديقة، فكيف إذا كانت بين دولتين يفترض أنهما في حالة عداء وحرب كما هو الحال بين لبنان و"إسرائيل".
ويزداد الأمر خطورة في ظل كون التفاوض يجري تحت النار، وفي وقت يرزح فيه لبنان تحت وطأة حرب إسرائيلية شديدة القسوة. ومن المرجح أن يكون التهاون اللبناني في التعامل مع اللغة والمصطلحات ناتجاً عن مزيج من العاملين المذكورين، ما قد يضع لبنان أمام نتائج تؤدي إلى خسارة جزء مهم من حقوقه ومواقفه القانونية والسياسية.
من الناحية القانونية، يقال في تفسير العقود والمعاهدات إن «لكل كلمة معنى، ولكل معنى نتائج». أما التجربة السياسية فتثبت أن ساحة اللغة والمصطلحات تشكل جبهة لا تقل أهمية عن سائر الجبهات، ولا سيما بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين الذين يتقنون التلاعب باللغة والمفاهيم وتوظيفها كأداة لصياغة الواقع سياسياً وقانونياً.
وقد استفاد الطرفان في مناسبات عديدة من الغموض أو من التفسير الانتقائي لبعض العبارات لتوسيع هامش المناورة السياسية، ولتكريس وقائع ميدانية جديدة، وللسيطرة على المزيد من الأراضي العربية، فضلاً عن تشويه الحقائق والتضليل، وصولاً إلى محاولات متواصلة لتصفية القضية الفلسطينية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967، والذي يُعدّ النموذج الأشهر لتأثير اللغة في النزاعات السياسية. فقد استندت "إسرائيل" إلى الصياغة الإنجليزية للقرار لتقول إنه ينص على الانسحاب من «أراضٍ محتلة» وليس من «الأراضي المحتلة»، معتبرة أن القرار لا يفرض انسحاباً كاملاً من جميع الأراضي التي احتُلت عام 1967، بل يتيح إجراء تعديلات حدودية في إطار تسوية سياسية.
وقد استمر الجدل حول هذا التفسير لعقود طويلة، وشكّل أساساً لاختلاف جوهري بشأن معنى القرار ومقتضياته القانونية والسياسية.
وتكررت الإشكالية نفسها مع مفهوم «الأرض مقابل السلام». فقد ثار خلاف حول المقصود بالعبارة: هل يعني استعادة جميع الأراضي المحتلة مقابل السلام، أم جزءاً منها فقط؟ كما ظهر تباين واضح في تعريف مفهوم السلام نفسه، إذ غالباً ما ينظر إليه الإسرائيليون بوصفه مجرد ترتيبات أمنية، ويُستخدم أحياناً بطريقة تؤدي إلى إفراغه من مضمونه السياسي والقانوني الحقيقي.
أما في نصوص اتفاقيات أوسلو، فقد بقي عدد كبير من المصطلحات غامضاً من دون تعريف دقيق، مثل: «الوضع النهائي»، و«إعادة الانتشار»، و«الصلاحيات»، و«الحكم الذاتي»، و«الأراضي المتنازع عليها». وفي هذا المجال تحديداً، طغى التفسير الإسرائيلي على سائر التفسيرات.
فقد رفضت "إسرائيل" اعتبار الضفة الغربية والقدس الشرقية أراضي محتلة، وعملت على تكريس مصطلح «الأراضي المتنازع عليها». والفارق بين التوصيفين كبير من الناحية القانونية؛ إذ إن وصف الأرض بأنها «محتلة» يرتب التزامات قانونية واضحة وفق اتفاقيات جنيف والقانون الدولي، بينما يفتح وصفها بأنها «متنازع عليها» الباب أمام قضمها والسيطرة عليها من قبل الطرف الأقوى سياسياً وعسكرياً.
ولم يسلم مصطلح «الدولة الفلسطينية» بدوره من التلاعب في تفسيره. فقد تعامل مسؤولون أميركيون وإسرائيليون مع هذا المفهوم على أنه يشير إلى دولة منزوعة السلاح أو إلى شكل متقدم من الحكم الذاتي، في حين كان الفلسطينيون يتحدثون عن دولة ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967.
خلاصة الأمر أن "إسرائيل"، ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية، دأبت على الدفع نحو اتفاقات تتضمن مصطلحات وعبارات غامضة وفضفاضة، بما يتيح إبقاء تفسيرها مفتوحاً ويجنبها الالتزام بتعهدات قانونية أو سياسية محددة. وفي المقابل، تحرص على الابتعاد عن الصياغات والتعريفات المستندة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وينطبق هذا الأمر، إلى حد بعيد، على البيانين اللذين صدرا عن وزارة الخارجية الأميركية عقب جولات التفاوض المباشرة بين لبنان و "إسرائيل".
وقد وصف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري البيان الأخير بأنه «بيان مفخخ»، في إشارة إلى ما تضمنه من «ألغام» لغوية وعبارات غير متفق على معناها أو تعريفها، من دون أن يقابل ذلك اعتراض أو نقاش جدي من الجانب اللبناني، الذي بدا وكأنه يتنازل مسبقاً عن حقه السيادي في تحديد مدلولات هذه المصطلحات.
فعبارات ومفاهيم من قبيل «وقف إطلاق النار»، و«المناطق التجريبية»، و«القضايا العالقة»، و«النوايا العدائية»، و«اتفاق شامل للسلام والأمن»، لا يمكن التعاطي معها بوصفها مجرد تعابير تقنية أو إجرائية، بل كإطار لغوي وسياسي يراد من خلاله إعادة إنتاج علاقات القوة وإعادة تشكيل الواقع بما يخدم المصالح والأهداف الإسرائيلية، وبما قد يشكل خطراً كبيراً على لبنان سياسياً، وربما على مستوى وجوده ودوره في المدى الأبعد.