الأرمن وتركيا.. المصالح بلا تاريخ!
الرئيس التركي يتحدث عن احتمالات تطبيع العلاقة مع يريفان وفتح الحدود المشتركة مطلع العام الجديد، وربما بعد أن تضخ معالم المرحلة المقبلة في السياسة الخارجية في القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
-
يعيش في تركيا نحو خمسين ألف أرمني.
في إطار الثورات الملونة التي شهدتها أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيا وتبناها اليهودي الأميركي جورج سوروس وكان الهدف منها تضييق الحصار على روسيا، تم إيصال نيكول باشينيان إلى الحكم في انتخابات مايو/ أيار 2018 ليحكم البلد الصغير والمهم استراتيجياً بالنسبة إلى الغرب الإمبريالي وبشكل خاص أميركا وفرنسا وبريطانيا.
واستطاع باشينيان بفضل هذا الدعم التخلص من معارضيه السياسيين منهم والدينيين حيث اعتقل العديد من قساوسة الكنسية الأم اجميازدين التاريخية بحجة التآمر عليه بالتنسيق مع الروس وهو ما أدى إلى توتر بين موسكو ويريفان التي تستفز روسيا منذ اليوم الأول لوصول باشينيان إلى السلطة.
ودفع باشينيان ثمن ذلك غالياً حيث تخلت موسكو عن دعم أرمينيا في أزمتها مع أذربيجان التي نجحت وبدعم من الكيان العبري وتركيا أن تستعيد إقليم ناغورنو كاراباخ والأراضي المحيطة به والتي سيطر عليها الأرمن منذ 1992. كما اضطر باشينيان للتوقيع على اتفاقية السلام، أي الاستسلام، مع الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف في البيت الأبيض وبحضور الرئيس ترامب في8 آب/ أغسطس الماضي، وكل ذلك مقابل دعم اقتصادي أميركي له، ووعود أميركية وأوربية بضم أرمينيا للاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، ومعها جورجيا البلد الآخر في القوقاز، والذي يسعى الغرب لكسبه إلى جانبه في مساعيه لتضييق الحصار على روسيا.
ومع استمرار الحوار الروسي-الأميركي منذ قمة ألاسكا في آب/ أغسطس الماضي لحل الأزمة الأوكرانية، لم يحالف الحظ باشينيان لتحقيق أيٍ من أهدافه، باستثناء ترسيخ حكمه، على الرغم من هزيمته العسكرية في حربه مع أذربيجان، وبالتالي تقديم كل التنازلات التي تطالب بها أنقرة منذ فترة طويلة.
فبعد الاتصالات واللقاءات المتتالية بينه وبين الرئيس إردوغان وآخرها في الـ 20 من حزيران/ يونيو الماضي حيث التقيا في أنقرة، عبًر باشينيان وفي أكثر من تصريح، عن أمله بأن تفتح تركيا حدودها البرية مع بلاده والمغلقة منذ استقلال أرمينيا عن الاتحاد السوفياتي في أيلول سبتمبر 1991.
كما تمنّى باشينيان أن تكون أرمينيا همزة الوصل الجغرافية بين تركيا وأذربيجان، ومنها إلى آسيا الوسطى، حيث الجمهوريات ذات الأصل التركي، الحديقة الخلفية لروسيا، والتي تسعى "تل أبيب" أيضاً لكسبها إلى جانبها.
ولم يكتفِ باشينيان بكل ذلك، بل أضاء الضوء الأخضر لما يسمى ممر ترامب، وكان اسمه سابقاً ممر زانغيزور الذي يربط أذربيجان بإقليم ناختشوان التابع لها، مروراً بالأراضي الأرمينية والمدعوم من تركيا.
وتسعى طهران عبر حواراتها مع باكو ويريفان معاً لعرقلة هذا الممر، لأنه يغيًر من الحدود الجغرافية التاريخية بين أرمينيا وإيران، ويخدم المشاريع والمخططات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة، خاصة لما لتل أبيب من علاقات استراتيجية مع أذربيجان، وتسعى أيضاً لتطويرها مع جورجيا و أرمينيا معاً .
وأما الموضوع الأهم بالنسبة إلى أرمينيا في علاقاتها مع تركيا، فهو التنازلات التي قدمها باشينيان لأنقرة في العديد من المجالات ذات البعد التاريخيّ المهم بالنسبة إلى الطرفين . فقد وعد باشينيان الأتراك بإلغاء صورة جبال أرارات التي طُبعت بعد استقلال أرمينيا عام 1991 في عهد الرئيس بدروسيان المولود في حلب.
وكانت حلب ومعها العديد من المدن السورية، تستضيف عشرات الآلآف من الأرمن الذين هجًرتهم الدولة العثمانية عام 1915، وغادر معظمهم سوريا لاحقاً إلى لبنان ثم فرنسا وأميركا ودول أخرى، فيما اضطر ما تبقى منهم للهرب من سوريا بعد أحداث ما يسمى الربيع العربي بعد عام 2011. وكان الأرمن دولة وشعباً يتهمون الدولة العثمانية بإبادة وتهجير نحو 1.5 مليون أرمني إبّان الحرب العالمية الأولى، ويطالبون تركيا بالاعتراف بهذه الإبادة ودفع التعويضات لهم.
واعترف العديد من الدول والحكومات والبرلمانات في الغرب بالادعاءات الأرمينية التي ترفضها أنقرة، وتدعو يريفان إلى تشكيل لجان مشتركة للتدقيق في أرشيف الدولتين والدول المعنية، ومنها فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا. وهي المواضيع التي يبدو أنها لم تعد تحظى باهتمام باشينيان الذي بات واضحاً أنه قد نسي أو تناسى ذكريات شعبه التاريخية مع الدولة العثمانية، ومقابل أن تفتح تركيا حدودها مع بلاده، ظناً منه أن فتح الحدود سوف ينعش الاقتصاد الأرميني المنهار ويزيد من شعبيته. وهو ما سيعني أن الشعب الأرمني سينسى كل مشاكله، بل وذكرياته التاريخية، وأهمها عداؤه مع تركيا، باعتبار أنها وريثة الدولة العثمانية. ونسي الأرمن قبل سنوات كل ذلك، عندما بدأت الرحلات الجوية بين اسطنبول ويريفان، حيث جاء إلى تركيا ما لا يقل عن 70-80 ألف أرميني، والبعض منهم من النساء للعمل في تركيا كخادمات أو مساعدات لدى العائلات التركية، والبعض منها ذو أصول أرمينية.
ويعيش في تركيا نحو خمسين ألف أرمني من بقايا الأرمن الذين هُجّروا من تركيا بحجة أنهم تآمروا مع روسيا ضد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. كل هذه المعطيات وبتطوراتها المحتملة ستدفع أنقرة قريباً إلى تحريك الملف الأرمني، حيث تحدث الرئيس إردوغان عن احتمالات تطبيع العلاقة مع يريفان وفتح الحدود المشتركة مطلع العام الجديد، وربما بعد أن تضخ معالم المرحلة المقبلة في السياسة الخارجية في القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وتشهد العديد من التناقضات والمشاكل. فقد افتتحت الجمهوريتان ذواتا الأصل التركي، وهما كازاخستان وتركمانستان سفارتيهما في جمهورية قبرص التي يمثلها القبارصة اليونانيون، كما نجحت "تل أبيب" في إقامة وتطوير علاقات استراتيجية مع هذه الدول وأذربيجان، في الوقت الذي تتحدث فيه المعلومات عن فتور في العلاقات بين موسكو وأنقرة لأسباب عديدة، ومنها التنسيق والتعاون التركي-الأميركي في البحر الأسود، وبالتالي مساعي أنقرة لإحكام سيطرتها على القرار السوري داخلياً وإقليمياً.
ويبقى الرهان في نهاية المطاف على نتائج المساعي الأميركية لإنهاء الحرب الأوكرانية، وهو ما سيحسم مصير العديد من الملفات إقليمياً ودولياً، ووفق المصالح الأميركية والروسية أولاً، ومن ثم مصالح أولئك الذين ينجحون في تحقيق التوازن في علاقاتهم بين الطرفين، وفي مقدمتهم الرئيس إردوغان!