اقتصادات دول العالم... ما بعد الحرب ليس كما قبلها!
استعادة ثقة المستثمر والسائح تحتاج إلى ضمان حصول عدة متغيرات أساسية، أولها الشعور بأن فرصة تجدد الحرب أصبحت من الماضي ولن تتكرر، والسؤال هنا: من يضمن ألا تتكرر المغامرات والمشاريع الإسرائيلية؟
-
الاقتصاد العالمي لن يعود كما كان عليه الحال قبل أشهر.
ليس في الأمر مبالغة عند القول: إن الاقتصاد العالمي سيحتاج إلى أشهر عدة، وربما سنوات أيضاً، حتى يتعافى من تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. فالمتابع لماهية التأثيرات التي لحقت باقتصادات جميع الدول، وما أحدثته من متغيرات بنيوية لا يؤمن بما سبق ذكره فقط، بل هو على قناعة تامة أن ما بعد هذه الحرب اقتصادياً ليس كما قبلها.
في دراسة الأثر الاقتصادي لهذه الحرب، يمكن التمييز بين ثلاث فئات من الدول: الفئة الأولى وتضم دول المنطقة التي كانت اقتصاداتها في أتون هذه الحرب، والفئة الثانية تضم دول العالم التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية متميزة مع دول المنطقة، لاسيما لجهة الاعتماد على نفط الخليج ومنتجاته البتروكيماوية. أما الفئة الثالثة فهي تضم الدول التي يمكن وصفها بالمكتفية نفطياً والمصدرة له أيضاً.
شبه انهيار
لا تقف خسائر دول المنطقة عند تراجع أو توقف صادراتها النفطية والغازية والمنتجات الكيماوية، وما سببته من ضغوط على الموازنات الوطنية والخطط الاستثمارية.
وهي خسائر تشير التقديرات إلى أن قيمتها تجاوزت يومياً نحو مليار دولار خلال الفترة الأولى من الحرب. فالأهم هو الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاعات والمنشآت الاقتصادية والخدمية، والتي يحتاج بعضها إلى أشهر عدة ليعود إلى الخدمة من جديد وإلى مبالغ ليست بالقليلة، فيما تبدو المهمة صعبة بالنسبة إلى قطاعات أخرى كالاستثمار الأجنبي والسياحة والسفر وغيرها لكونها مرتبطة بالثقة، وهذه اهتزت بفعل الحرب، وبالتالي فإن استعادة ثقة المستثمر والسائح تحتاج إلى ضمان حصول عدة متغيرات أساسية، أولها الشعور بأن فرصة تجدد الحرب أصبحت من الماضي ولن تتكرر، والسؤال هنا: من يضمن ألا تتكرر المغامرات والمشاريع الإسرائيلية؟
من المتغيرات الأخرى الضرورية أن تتمكن اقتصادات المنطقة من التعافي سريعاً قبل أن تجد رؤوس الأموال الأجنبية بيئة منافسة وبديلة للاستثمار، أي أنه مطلوب من اقتصادات المنطقة خلال المرحلة القادمة أمران: التوصيف الدقيق والموضوعي لماهية الأضرار والسير بإجراءات الإصلاح والتعافي السريعين. والأمر الثاني اتخاذ إجراءات جديدة لتعزيز القدرة التنافسية لهذه الاقتصادات. وفي كل ذلك يبقى التحدي الأساس هو في الوقت ومسارعة الزمن.
على أن الضرر الأسوأ، والذي سيجعل من مرحلة ما بعد الحرب تبدو مختلفة تماماً عن الماضي، هو ما يتعلق بتوجه معظم دول المنطقة إلى زيادة قيمة الإنفاق العسكري بغية تعزيز قدراتها الدفاعية وترميم ما تحتاجه جيوشها من سلاح وتجهيزات وعقود فنية والدخول في تحالفات إقليمية ودولية، وهو إنفاق سيكون في النهاية على حساب الاستراتيجيات والمشاريع التنموية في المنطقة، وبقدر ما سيمنح هذا الإنفاق الدول بعضاً من الطمأنينة حيال قدراتها على حماية أمنها سيكون في مكان آخر بمنزلة مؤشر لدى المستثمرين على إمكانية حدوث تصعيد أو توتر في أي وقت.
ترشيد استهلاك وبدائل
معظم دول الفئة الثانية تقع في آسيا كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها. وهي تعتمد بشكل شبه كلي على نفط الخليج في تأمين حوامل الطاقة لاقتصاداتها، فضلاً عن الدول الأخرى الموزعة بين عدة قارات، والتي تستورد احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات البتروكيماوية والأسمدة من دول الخليج.
في بداية الأمر اتجهت هذه الدول إلى اتباع سياسات تأقلم وترشيد في عمليات استهلاك حوامل الطاقة والسلع الأخرى المستوردة، وذلك ريثما تنتهي أزمة مضيق هرمز، إلا أن طول أمد الأزمة وتجاهل الولايات المتحدة الأميركية معاناة هذه الدول دفعت بالأخيرة إلى تبني استراتيجيات وسياسات جديدة تقوم على محاولة إيجاد أو صناعة بدائل حقيقية ومستدامة وتغير عادات الاستهلاك. فمثلاً هناك مشروع لمد خط أنابيب جديد لتصدير الغاز الروسي إلى الصين، وهناك دول تتوسع في استخدام بدائل وطنية كالفحم الحجري مثلاً، ودول ثالثة اتجهت إلى إعادة رسم خريطة علاقاتها التجارية وبناء تحالفات جديدة تضمن لها تجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز.
وعليه، فإن أزمة مضيق هرمز وضعت دولاً عديدة أمام تحديات جديدة يمكن اختزالها بالنقاط الآتية السريعة:
-تنويع مصادر مستورداتها من النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية والأسمدة والألمنيوم وغيرها من المواد الأولية الأساسية، بحيث لا تكون رهينة لحدث ما أو تصعيد مستقبلي غير متوقع في أي بقعة من العام.
-مراجعة سياساتها الداخلية المتعلقة باستهلاك ودعم مصادر الطاقة بغية ترميم احتياطاتها من المشتقات النفطية خلال فترة ليست بالطويلة، والاستثمار الأمثل لهذه المشتقات لتحقق الجدوى الاقتصادية والخدمية الموضوعة لها.
-إعادة النظر في أوجه استخدامات بعض الثروات والموارد الوطنية، وتطوير تلك الاستخدامات بناء على تجارب وبحوث علمية وتقنية. وهذا مثلاً ما فعلته الصين مؤخراً من خلال توسيع استخداماتها لمادة الفحم الحجري.
تضخم مستورد
تبدو دول الفئة الثالثة وكأنها هي الأقل تضرراً جراء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهي فعلاً كذلك لجهة عدم معاناتها في تأمين احتياجاتها من النفط والغاز وغيرها من السلع والمواد الأولية، أي أنها لم تواجه أزمة نقص في الإنتاج والكميات، إلا أنها تضررت من حيث مستويات الأسعار، التي زادت بفعل موجة التضخم التي ضربت الأسواق العالمية، وهذا ما جعل الدول أمام خيارين اثنين: إما تحميلها تلك الزيادة للمستهلكين، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من احتقان ونقمة شعبيتين، وإما أن تتحمل كلفة ذلك التضخم عبر دعم أسعار المشتقات النفطية، وما يعنيه ذلك من استنزاف للموارد وزيادة عجز للموازنات الوطنية.
ومن غير المتوقع أن تعود هذه الدول إلى العمل بسياساتها السابقة حالما انتهت أزمة المضيق، فالتضخم الذي زاد بحاجة إلى سياسات اقتصادية جديدة لضبطه والتحكم به، والاستمرار بسياسات الاستهلاك والتسعير للمشتقات النفطية المتبعة يمكن أن يؤدي إلى استنزاف هذه الثروة، خاصة فيما لو وقعت أحداث عالمية غير متوقعة. فمثلاً هل ستبقى الولايات المتحدة الأميركية على سياساتها الطاقوية التي كانت قبل الحرب وخلالها؟ وكذلك بعض الدول الأوروبية والأفريقية المنتجة للنفط والغاز؟
عندما تنتهي الحرب باتفاق أو بغيره، وتبدأ جميع دول العالم بحصر وجرد خسائرها وأضرارها، فإن الأرقام التي ستظهر ستكون كافية لتقول لنا إن الاقتصاد العالمي لن يعود كما كان عليه الحال قبل أشهر، فالدول كافة ستكون مجبرة على إعادة النظر في سياساتها ورؤيتها الوطنية لمسار اقتصاداتها في المرحلة القادمة وفقاً لسيناريوهات معينة تمزج بين الاستثمار في الإمكانيات والقدرات المحلية وتوسيع شبكة العلاقات الخارجية وبين التحوط من الأزمات المحتملة، والتي تبيّن أنها تكون أكثر ازدهاراً في عهد من يدعو إلى السلام والاستقرار ويتعهد لناخبيه بإقفال ملف الحروب والتدخلات العسكرية، ثم يفعل العكس.