إيران: القوة الوطنية في مواجهة هيمنة القوة
الوقائع الميدانية دفعت واشنطن إلى النزول من "أعلى الشجرة"، والجلوس مجددًا إلى طاولة المفاوضات وفق شروط إيران، سواء في المضمون أم المكان.
-
الحرب مع إيران ليست نزهة أو عملية استعراضية، بل مواجهة جدية وكاملة الأبعاد.
في بيانه لمناسبة الذكرى الـ ـ47 لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، حدّد قائد الثورة ومرشدها، الإمام الخامنئي، معنى "القوة الوطنية"، موجّهًا كلامه إلى الشعب الإيراني بقوله:
"القوة الوطنية، قبل أن ترتبط بالصواريخ والمسيرات، ترتبط بإرادة الشعوب وصمودها."
إن تعريف السيد الخامنئي للقوة الوطنية لافت في توقيته، فقد جاء في لحظة يركّز فيها الإعلام المعادي على قدرات إيران، مشددًا على أن تفكيكها أصبح هدفًا أساسيًا للولايات المتحدة الأميركية، التي لا تتوقف عن التهديد بالحرب.
تكمن أهمية كلام الإمام الخامنئي في كونه ردًا على كل الدعاية المعادية التي تهدف إلى التأثير النفسي على إيران، قيادة وشعبًا، وعلى كل محبي إيران في العالم. يريد قائد الثورة تذكير الجميع بأن الثورة عام 1979 انتصرت على أقوى نظام في المنطقة، النظام المدعوم بالكامل من قوى الهيمنة العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت تحتل إيران عمليًا بعشرات آلاف المستشارين العسكريين والمدنيين.
انتصرت الثورة بقوة شعبها وإرادته وصموده ومواجهته للطاغية من دون أي سلاح، حيث رفض الإمام الخميني، مفجر الثورة، استخدام السلاح أو اللجوء إلى العنف في إسقاط النظام، ولذلك أطلق عليها اسم الثورة البيضاء.
واجهت الثورة أشد أنواع العدوان والمؤامرات لإسقاطها بالاعتماد على إرادة شعبها، فقد تعرضت في بداية انتصارها لهجوم مزدوج: من جهة شنّ نظام صدام حربًا واسعة، ومن جهة أخرى اشتعلت طهران بعمليات إرهابية واسعة استهدفت قادة الثورة وعلى رأسهم الإمام الخامنئي، الذي تعرّض لمحاولة اغتيال.
وكل ذلك حدث في ظل ضعف القدرات الدفاعية، التي كانت بدائية جدًا نتيجة الحصار المطبق غربًا وشرقًا، وفي ظل وضع اقتصادي شديد الصعوبة، مع مصادرة وتجميد أموال إيران في الخارج. لم تكن طهران في ذلك الحين تمتلك حتى قطع الغيار لطائراتها العسكرية والمدنية، ولم يكن لديها مخزون ذخائر كافٍ حتى للأسلحة التقليدية.
لقد تجاوزت إيران كل ذلك، وانتصرت في معركة تثبيت الدولة الفتية بإرادة شعبها وصموده وثباته، وطوّرت إنجازاتها حتى باتت دولة إقليمية قوية، تمتلك قدرات دفاعية متقدمة، وقدرات علمية وتنموية مؤثرة.
أكثر من ذلك، استطاعت إيران اكتساب العلوم النووية من دون أي محاباة للدول المهيمنة، ودخلت بقوة في مجال الصناعات الدفاعية المتطورة، وعلى رأسها الصواريخ البالستية والبحرية والمسيرات، عبر طرق مفتوحة، وتمكنت من الوصول إلى ذلك في ظل أقصى العقوبات المفروضة.
كما ارتقت إيران في تقنيات مختلفة، وصولًا إلى إطلاق مشروع فضائي واعد، عبر وضع أقمار اصطناعية محلية التصنيع في مداراتها في الفضاء الخارجي، وكل ذلك جرى بإرادة الشعب وصموده، تحت الشعار التاريخي: "نحن نستطيع".
هذا هو المعنى الذي يعيد الإمام الخامنئي تجديده اليوم من خلال التركيز على مفهوم القوة الوطنية، وفي مواجهة منطق الغطرسة الذي تبنّاه الرئيس الأميركي ترامب، والذي يترجمه من خلال استعراض حاملات الطائرات والقاذفات والأساطيل المرسلة إلى محيط إيران.
يؤكد الإمام الخامنئي في كلامه أن كل هذه الاستعراضات، حتى لو تحولت إلى عمل عسكري مباشر ضد الجمهورية الإسلامية، فإن عنصر القوة الأساسي هو الشعب الإيراني، الذي بدأ منذ 47 عامًا من نقطة الصفر، وهو اليوم جاهز بوحدته وصموده للمواجهة، مستندًا إلى تراكم القدرات والإمكانات وتعظيمها، وقد تأكدت خلال الاستحقاقات الأخيرة قدرته على مزيد من المواجهة.
فبعد التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي، داعيًا عناصر الشغب إلى احتلال أصول الدولة الإيرانية وواعداً إياهم بالمساعدة، أسقط صمود الشعب وحضوره في الميدان آمال وأحلام ترامب في إسقاط النظام، الذي اعتقد الأميركيون أنه قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.
إلا أن الوقائع الميدانية دفعت واشنطن إلى النزول من "أعلى الشجرة"، والجلوس مجددًا إلى طاولة المفاوضات وفق شروط إيران، سواء في المضمون أم المكان.
صحيح أن هذه المفاوضات لا تزال غامضة، ولا يُعرف بعد ما إذا كان الأميركيون يرغبون فيها كمسار فعلي أم أنها مجرد خدعة جديدة كسابقاتها بهدف شراء الوقت، في إطار إعداد الميدان وحشد المزيد من الإمكانات لشنّ موجة عدوانية جديدة،
إلا أن واشنطن تدرك في كل الأحوال أن إيران ليست كأي بلد آخر، وأن طهران لا يمكن إسقاطها بالاستعراض أو الضربات الخاطفة، فالحرب مع إيران ليست نزهة أو عملية استعراضية، بل مواجهة جدية وكاملة الأبعاد وواسعة الانتشار.
وهذا أمر تدركه كل من تل أبيب وواشنطن بعد تجربة حرب حزيران الماضي. فرغم الضربات الافتتاحية المفاجئة التي طالت القيادات العسكرية المركزية في الجمهورية الإسلامية، لم يسِر مسار الحرب كما أرادت أميركا و"إسرائيل"، إذ تمكنت الصواريخ والمسيرات الإيرانية من تحقيق التوازن المطلوب، ما دفع إلى توقف الحرب من دون تحقيق الحسم أو الأهداف الكبرى، سواء في إسقاط النظام أم في إجباره على الاستسلام.
وبالعودة إلى بيان قائد الثورة في الذكرى الـ47 لانتصار القوة، تحدث السيد الخامنئي عن يأس الأعداء، معتبرًا أن هذا الأمر يمثل مفتاح راحة الشعب، قائلًا: "يجب دفع العدو إلى اليأس، وهذا يتحقق بوحدة الشعب." وأضاف: "يأس العدو يتحقق باتحادكم وصمودكم."
لا شك في أن يأس الأعداء، بالمعنى السياسي والاستراتيجي، هو فشل كل الخيارات التي تعمل على إضعاف إيران الدولة والشعب. وأبرز الخيارات التي يضعها الأميركيون على الطاولة حاليًا هو الخيار العسكري، الذي تواجهه إيران بموقف واحد لدى كل قادتها السياسيين والعسكريين: إيران لا تريد الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تخشاها، بل مستعدة للذهاب بعيدًا في هذا الخيار.
وقد لخّص قائد الثورة هذا الموقف بقوله: "أي حرب مع إيران ستكون حربًا إقليمية"، أي إنها ستتجاوز كل قواعد الاشتباك السابقة، وذلك حفاظًا على استقلالها الوطني، ولتقديم نموذج تُظهر فيه القوة الوطنية للشعوب مواجهة هيمنة القوة الأميركية.