إيران والولايات المتحدة في لقاء الجُمعة؛ بين رغائبية "إسرائيل" ومخاوف ترامب..!

يجادل الإسرائلييون أن اتفاقاً يتناول القدرة النووية الايرانية فقط لا يعني شيئاً؛ "فالبنية التحتية النووية متوفرة، وخبرة إدارة برنامج سري قائمة، وحتى لو نَقَلت إيران اليورانيوم إلى روسيا ستعيده لاحقاً!

0:00
  • حتى الآن، يصعب تخيل سيناريو تستجيب فيه القيادة الإيرانية لجميع شروط ترامب.
    حتى الآن، يصعب تخيل سيناريو تستجيب فيه القيادة الإيرانية لجميع شروط ترامب.

يلتقي مبعوث الرئيس الأميركي ويتكوف يوم الجمعة المقبل في عُمان وزير خارجية إيران عباس عراقتشي في محاولة، ربما تكون الأخيرة، للوصول إلى تفاهمات تنزع فتيل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران وتُبعد شبح الحرب.

ويبدو لقاء الجمعة مفترقاً حاسماً بين التوصل إلى اتفاق ونزع فتيل الحرب أو الوصول إلى طريق مسدود بسبب الفجوة الكبيرة بين مواقف الطرفين والذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة تنظر إليه "إسرائيل" بوصفه ممراً إجبارياً قبل الدخول في المواجهة العسكرية "المحتومة". على هذه الخلفية التقى، في القدس (الثلاثاء)، رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير حربه كاتس وقادة المنظومة الأمنية ستيف ويتكوف وعرضوا عليه الخطوط الحمر الإسرائيلية بشأن الاتفاق مع إيران. 

تَعتَبِرُ "اسرائيل" أن التحشيد الأميركي في المنطقة فرصة تاريخية؛ إمّا لإسقاط النظام الإيراني عبر عمل عسكري، تُفضّله كخيار، وإما لدفعها إلى اتفاق يشمل مجموعة من المبادئ الأساسية "التعجيزية" التالية: تسليم المواد المخصّبة التي بحوزة إيران (نحو 400 كغم من اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية) إلى دولة أخرى، ووقف تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وفرض قيود كبيرة على إنتاج الصواريخ الباليستية، من حيث المدى والحجم، وأخيراً، وقف التمويل والدعم "للأذرع الإيرانية" في الشرق الأوسط. ويبدو أن الرسالة التي نقلتها "إسرائيل" إلى ويتكوف هي "أن الاتفاق القوي هو فقط ذاك الذي يشمل جميع هذه العناصر الأربعة مجتمعة". 

تفترض "إسرائيل" أن أي اتفاق مع إيران سيشكل دعماً معنوياً للنظام الإيراني، وترى أن هذا سيكون اتفاقاً سيئاً وضعيفاً بالنسبة إليها، لكن أكبر مخاوفها هي أن يكتفي الأميركيون في نهاية المطاف بالملف النووي فقط، ويتجاهلوا القضيتين الأخريين: الصواريخ الباليستية ودعم إيران "لوكلائها في الشرق الأوسط".

تعتقد "إسرائيل" أن برنامج الصواريخ الإيراني بات يشكل تهديداً وجودياً يجب التصدي له، وخصوصاً أن جروح الصواريخ الباليستية، خلال حرب الأيام الاثنتي عشرة، ما زالت تحفر عميقاً في الذاكرة الإسرائيلية، حيث اعتمدت إيران عليها فقط لإلحاق أضرار جسيمة بإسرائيل. لذلك، ترى أن الصواريخ يجب أن تكون مُركّباً مهماً من الاتفاق، وتتوقع من واشنطن ألا تتجاهل هذه القضية وأن تصر على تقليص برنامج إيران الصاروخي. 

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن أي اتفاق أميركي-إيراني لا يُفضي إلى تفكيك كامل ونهائي وطويل الأمد لقدرات إيران النووية والصاروخية الباليستية لا يُعتبر حلاً، بل مجرد تأجيل للمواجهة القادمة؛ فالتجارب السابقة تُعزز، وفق وجهة نظر الإسرائيليين، التقييم القائل إن إيران "تستغلّ الاتفاقات لكسب الوقت، وتحسين قدراتها، واكتساب شرعية دولية". وفق هذا المنظور، يعكس النهج الأميركي سلوك قوة عالمية قادرة على استيعاب المخاطر وإدارتها على المدى الطويل وتستطيع احتمال "فشل مقبول"؛ فيما لا يمكن لإسرائيل تحمّل أي خطأ استراتيجي، "وستدفع الثمن الأول والأثقل في حال حدوث خطأ في التقدير".

من الحجج الإسرائيلية الأخرى التي تُطرح لمناوأة الاتفاق الجزئي، أن النقاش الأميركي يميل إلى عزل القضية النووية عن سلوك إيران العام في المنطقة، فميا تؤكد "تل أبيب" أنه حتى لو التزمت إيران رسمياً بالاتفاق النووي، فإنها ستواصل تطوير منظومتها الصاروخية، وتمويل وتسليح حلفائها الإقليميين، والاقتراب تدريجياً من امتلاك قدرة نووية متقدمة. فأي اتفاق لا يتناول هذه القضية "الهامة" يخلق بالنسبة إلى إسرائيل واقعاً أكثر خطورة، إذ تُعزز إيران مكانتها اقتصادياً ودبلوماسياً، فيما تتضاءل حرية "إسرائيل" في العمل بشكل متزايد. يجادل الإسرائيليون أن اتفاقاً يتناول القدرة النووية الإيرانية فقط لا يعني شيئاً؛ "فالبنية التحتية النووية متوفرة، وخبرة إدارة برنامج سري قائمة، وحتى لو نَقَلت إيران اليورانيوم إلى روسيا ستعيده لاحقاً، وسيتم رفع العقوبات ومعالجة المشكلات الداخلية، والأهم من ذلك؛ أن "إسرائيل" لن تجد رئيساً، في الولايات المتحدة، بعد ترامب يتصرف بهذه القوة!

من ناحية أخرى، تُشكك "إسرائيل" في مقدرة الولايات المتحدة على تقديم ضمانات أمنية تحد من المخاطر المرتبطة باتفاق جزئي، وخصوصاً بالقياس مع تجربة العقود الأخيرة، بدءاً من السلوك الأميركي في العراق، مروراً بأفغانستان، وصولاً إلى سوريا، حيث تغيرت الالتزامات الأميركية تبعاً للإدارة والرأي العام والاعتبارات الداخلية الأميركية. 

ثمة انتقاد آخر يتعلق بتداعيات الاتفاق على الردع الإسرائيلي. لذا، تُحذّر تل أبيب من أن العودة إلى الاتفاق مع إيران، ولا سيما إذا قُدِّم على أنه إنجاز دبلوماسي أميركي، قد يُضعف الشرعية الدولية لأي عمل عسكري إسرائيلي مستقبلي، حتى وإن اعتُبر ضرورياً. في مثل هذه الحالة، قد تجد "إسرائيل" نفسها مُقيَّدة سياسياً ودبلوماسياً.

في ظل هذا النقد، تواجه "إسرائيل" معضلة استراتيجية؛ فالمواجهة العلنية مع واشنطن قد تُلحق الضرر بالعلاقات مع أهم حلفائها، فيما يُنظر إلى التكيف مع اتفاق "إشكالي" على أنه مخاطرة طويلة الأمد. وبالتالي، فإن النقد الإسرائيلي ليس مجرد خلاف تكتيكي مع الإدارة الأميركية، بل هو تعبير عن فجوة عميقة بين التصور الأمني "​​لدولة صغيرة مُهدَّدة بشكل مباشر"، واستراتيجية قوة عالمية تسعى إلى إدارة المخاطر وتجنب المزيد من الحروب.

بالنسبة إلى ترامب، لعل رياحه قد لا تأتي هذه المرة أيضاً وفق ما تشتهي سفن "إسرائيل"، فالملف المركزي الذي تعهد به للإسرائيليين بشكل قاطع، وما زال، هو الملف النووي. أما ملف الصواريخ فلا يهمه كثيراً، ناهيك بقضية "المحور الإيراني"، الذي بات، وفق التصور الأميركي، ضعيفاً وتراجع بعد الحرب، وأصبح قضية غير ملحة أو مُهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. 

وعلى الرغم من الانتقادات والمخاوف الإسرائيلية، فإن "تل أبيب" ما زالت تأمل أن مسار المفاوضات الأميركية مع طهران يهدف إلى استنفاد قنوات التفاوض "الدبلوماسية" إلى الحد الأقصى، بهدف بناء شرعية للعمل العسكري. وتفترض "إسرائيل" كذلك، أنه في حال فشلت المفاوضات، سيدّعي ترامب أنه استنفد جميع سبل الحوار، وأن الإيرانيين "عنيدون"، وليس من خيار سوى "تلقينهم درساً قاسياً"، وهي، أي "إسرائيل"، مطمئنة إلى أن الأميركيين ما كانوا ليُقدموا على إرسال الأسطول الضخم الذي أرسله ترامب إلى المنطقة بتكلفة عشرات المليارات من الدولارات، لو لم يعتقدوا أن الخيار العسكري ممكن.

صحيح أن "إسرائيل" تتمنى أن يتحقق حلمها بأن تذهب أميركا لقتال إيران وحدها دون أن تكون "إسرائيل" طرفاً "مباشراً" في ذلك، لكنها في المُحصلة تدرك أن ترامب رجل صفقات يحسب التكاليف والأرباح لأي خطوة عسكرية أميركية، وإذا لم يكن الهدف هو إطاحة النظام في طهران، وهو هدف لا يرغب أحد في واشنطن في دفع ثمنه حالياً، فلا منطق في شن حرب. وما دام الهجوم الأميركي على إيران لن يحقق هدفاً استراتيجياً واضحاً، وأن تكاليفه أكثر من أرباحه، وربما يُشعل سلسلة من ردود الفعل التي من شأنها زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله، فبالإمكان التقدير أن ترامب لا يزال يبحث عن معادلة تُحقق إنجازاً أقصى بكلفة أقل وفي وقتٍ أقصر. 

حتى الآن، يصعب تخيل سيناريو تستجيب فيه القيادة الإيرانية لجميع شروط ترامب، ليس فقط بسبب الانكسار الذي ينطوي عليه ذلك، بل لأن قبولها سيفتح الباب أمام ضغوط داخلية متواصلة تهدد استقرار النظام، ونفترض أنه إذا ما تعاملت إيران بذكاء في لقاء الجمعة، وهم بلا ريب بارعون في ذلك، فسيصل ترامب إلى نتيجة مفادها أن هذه الحرب في حال اندلعت ووقفت دون تحقيق أهدافها، فستكون خسارة كبيرة لأميركا وإسرائيل، وبالتالي ربما من الأفضل أن يصل الجانبان الآن إلى اتفاقٍ ولو كان "جُزئياً".