إيران تفوز أخلاقياً بمونديال كأس العالم 2026
على أرض الملعب، قدّم الإيرانيون أداءً استثنائياً بالفعل، مُجسّدين جمال كرة القدم بجمال إضافي للعبة، وبفلسفة كروية تُعطي الأولوية للعمل الجماعي وروح الفريق.
-
إيران هي الفائزة المعنوية والأخلاقية بكأس العالم 2026.
في يومٍ من الأيام الغابرة، زعمت بعض الأساطير أنّ "ربّة" الرياح قبّلت قَدَم الإنسان، تلك القدم التي أُسيئت معاملتها وجرى ازدراؤها، ومن تلك القبلة وُلد نجم كرة القدم. وُلد في مهدٍ من القشّ في كوخٍ ذي سقفٍ من الصفيح، ودخل العالم متشبّثاً بكرة.
يقول الكاتب والروائي الاسكتلندي، جون وايت، عندما يُكتب التاريخ غير الرسمي – وسيكون بالتالي تاريخاً جادّاً وموثوقاً – لمونديال كأس العالم 2026، فسيُسجّل أنّ الجغرافيا السياسية، وليست كرة القدم، هي التي تصدّرت قلب مشهد هذا المونديال. في هذا السياق الخاصّ جداً، فإنّ تجربة منتخب كرة القدم الإيراني في وقائع هذه البطولة العالمية لا تدع مجالاً للشكّ في ذلك.
ميناب 168
وكان رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، مهدي تاج، قد صرّح قبيل سفره من مدينة تيخوانا المكسيكية (حيث يتمركز المنتخب الإيراني) إلى الولايات المتحدة بأنّ مهمة المنتخب في هذا المحفل العالمي: "تتمثّل في المشاركة تحت عنوان ميناب 168"، في إشارة حزينة إلى شهيدات مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات بمدينة ميناب، والتي استُهدفت في أول أيام العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وقد رفعت الجماهير الإيرانية بمدرّجات المونديال لافتة: "ميناب 168" استحضاراً لمأساة هؤلاء الأطفال.
لقد وصل منتخب كرة القدم الإيراني للمشاركة في كأس العالم الذي تأهّل له بجدارة ونزاهة، كاللصوص في الليل! هذا الوصف قائم على المعاملة السيئة التي لاقاها المنتخب من قبل زمرة المتعصّبين ودعاة الفوقيّة البيضاء في واشنطن. بالنسبة لهؤلاء المتعصّبين، فالعالم لا ينتمي إلى فئة الأسرة البشرية التي يُحتفى بها بكلّ تنوّعها الرائع. بل إنّ هذا العالم بالنسبة لأولئك يُمثّل مسماراً صُنعت المطرقة لأجله.
وكانت السلطات الأميركية قد رفضت منح تأشيرات دخول لأعضاء الدائرة الإعلامية الرسمية للمنتخب الإيراني، مما فاقم القيود المفروضة التي قوّضت قدرة المنتخب على تقديم تغطية إعلامية دقيقة ومباشرة للحقائق كما هي على أرض الواقع.
وقد لوحظ وجود وسيلة إعلامية ذات سجل حافل بالأنشطة المناهضة لإيران في محيط فندق إقامة الفريق والمؤتمرات الصحفية الرسمية، رغم عدم حصولها على أيّ اعتماد رسمي من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا". وركّزت حصرياً على تحرّكات مجموعة صغيرة من الأفراد الذين سُمح لهم بالتظاهر ضدّ إيران تحت حماية الشرطة الأميركية، لتقديم صورة مشوّهة ومضلّلة عن الأجواء المحيطة بالمنتخب.
وقد فرضت رقابة متعمّدة وتجاهلت تماماً تجمع مئات المشجّعين الإيرانيين الذين احتشدوا بحماسة خارج فندق الفريق طوال فترة إقامته بمدينة سياتل لترديد هتافات "إيران، إيران" دعماً للمنتخب الإيراني.
الكرة تقود الأوركسترا
رغم إقامة جميع مبارياتهم في دور المجموعات بكأس العالم في الولايات المتحدة، اضطرّ المنتخب الإيراني إلى التمركز في تيخوانا شمال المكسيك، لكنه رغم ذلك أضفى على البطولة رونقاً وجمالاً نادراً من حيث الروح الرياضية والنزاهة، والأهمّ من ذلك، الروح المعنوية العالية. أما المكسيكيون، فقد احتضنوا الإيرانيين في قلوبهم بحفاوة بالغة، باعتبارهم مثلهم ضحايا لغضب وعدوانية واشنطن، التي تُشيطنهم وتشُوّه صورتهم وتُجرّدهم من إنسانيتهم، في ما يُعتبر حقاً وسام شرف في عصرنا هذا.
على أرض الملعب، قدّم الإيرانيون أداءً استثنائياً بالفعل، مُجسّدين جمال كرة القدم بجمال إضافي للعبة، وبفلسفة كروية تُعطي الأولوية للعمل الجماعي وروح الفريق.
بعبارة أخرى، الكرة هي ذاتها قائد الأوركسترا، والفريق هو الأوركسترا، حيث يؤدّي كلّ لاعب دوره في خدمة مصلحة الفريق انطلاقاً من مبدأ أنّ الكرة هي كلّ شيء.
بحسب وايت، في مباراة المنتخب الأولى في دور المجموعات مقابل نيوزيلندا، بدا وكأنّ سحراً يتشكّل أمامك، حيث رفض الإيرانيون الاستسلام، بل وتأخّروا مرتين قبل أن يُدركوا التعادل الإيجابي بهدفين لكلّ من المنتخبين. أثبتت النتيجة النهائية 2-2 أنهم لم يأتوا للمشاركة فحسب في أهمّ بطولة عالمية لكرة القدم، بل للتألّق باسم قضية أسمى من مجرّد المصالح الذاتية. سجّل الهدفين محمد محبي ورامين رضائيان، وقد شهدت المباراة أرقاماً لافتة للمنتخب الإيراني؛ حيث أصبح رضائيان (صاحب الهدف والتمريرة الحاسمة) أول لاعب في تاريخ إيران يسجّل ويصنع في مباراة واحدة بكأس العالم لكرة القدم.
ثمّ جاء دور بلجيكا
من حيث التصنيف الكروي العالمي، يُعتبر المنتخب البلجيكي من بين أفضل منتخبات كرة القدم في العالم. فمع وجود لاعبين من طراز كيفن دي بروين، ويوري تيليمانس، وروميلو لوكاكو، ودييغو موريرا، وأمادو (أحمد) أونانا في صفوفه، كيف يُمكن اعتبارهم أقلّ من ذلك؟
لكنّ الإيرانيين لم يتأثّروا أو يتردّدوا أمام تحدّي المهمة الشاقة التي تنتظرهم. فمن الهجوم إلى الدفاع، بدءاً من حارس المرمى علي رضا بيرانوَند، الذي أنقذ مرماه عدة مرات ببراعة طوال المباراة، وصولاً إلى خط دفاع متماسك يتحرّك كوحدة واحدة، يُغذّي خط الوسط الذي يهيمن عليه سعيد عزت اللهي وعلي رضا جهانبخش، ومع مهدي طارمي في الهجوم، أثبت المنتخب الإيراني جدارته وكفاءته أمام منافسه الأوروبي في واحدة من أكثر مباريات دور المجموعات إثارة في البطولة، والتي انتهت بالتعادل السلبي 0-0، بعد إلغاء هدف طارمي وطرد لاعب بلجيكي.
كان رامين رضائيان القلب النابض لهذا المنتخب الإيراني، داخل الملعب وخارجه. مثّل هذا اللاعب المخضرم، البالغ من العمر 36 عاماً، منتخب بلاده في جميع المباريات الثلاث في دور المجموعات بقلب ثائر وعقل متمرّد وروح وعزيمة لا تلين.
تعادل مثير للجدل
وعلى وجه الخصوص، تُعدّ مقابلة رضائيان بعد المباراة، عقب تعادل الفريق المثير للجدل 1-1 في مباراته أمام مصر، وهي النتيجة التي أنهت مشاركة إيران في بطولة كأس العالم 2026 الملطّخة بالعار، من اللحظات الخالدة في تاريخ كرة القدم.
وبمشاعر جيّاشة، بعد أن احتُسب هدف إيران في الدقيقة الأخيرة ظلماً – ويا له من ظلم! – تسلّلاً، عبّر رضائيان ببلاغة عن مشاعر الملايين الذين شاهدوا المباراة في إيران، والعديد من عشرات الملايين الذين تابعوا هذه الملحمة الكروية الإيرانية من مختلف أنحاء العالم.
في الحقيقة، لم تكن الفيفا، بقيادة رجل الأعمال جياني إنفانتينو، مؤهّلة فعلاً للقيام بدورها. وبحرصه ومحاولته التملّق المبتذل لترامب، أكّد إنفانتينو أنّ مجرّد خدمة السلطة أهمّ وأكثر أولويّة عنده من خدمة كرة القدم. كان أعضاء المنتخب الإيراني ضحايا لهذه الديناميكية الشاذّة، لكنهم لم يكتفوا بالتغلّب عليها، بل تفوّقوا عليها.
من أجل ذلك، يمكننا القول، وبكلّ تأكيد، إنّ إيران هي الفائزة المعنوية والأخلاقية بكأس العالم 2026.