إيران بين الاعتداءات الأميركية والإسرائيلية وفشل واشنطن في احتواء الصين

محاصرة الصين عبر السيطرة على إيران، كانت من الأسباب الرئيسية لاتخاذ الرئيس الأميركي لقرار الاعتداء على إيران، ومن المؤكد أنها من أسباب الكيان الصهيوني للتحريض على هذا الاعتداء كذلك، لكنها ليست السبب الأول في الواقع.

  • إلى أي مدى يمكن أن يصل الأميركيون والصهاينة؟
    إلى أي مدى يمكن أن يصل الأميركيون والصهاينة؟

يخطئ من يعتقد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تعرض للخديعة أو للضغوط من قبل نتنياهو كي يقوم بالاعتداء على إيران صباح يوم الـ 28 من شباط/فبراير الماضي.

ربما تعرض للضغوط في موعد الاعتداء، لكن من المؤكد أن فكرة الاعتداء على طهران كانت مطروحة على الطاولة، كأحد خيارات ترامب لترويض الجمهورية الإسلامية، بمعنى أنه إما أن تخضع إيران أو أن تسقط إيران؛ وفي كل الأحوال لم يكن هناك خيارات أمام ترامب ضمن مواجهته لتطور وصعود القوة الصينية إلا الاصطدام بإيران.

يدرك كل الدارسين للتاريخ هذه الحقيقة: من يسيطر على إيران يسيطر على آسيا. وطالما كانت إيران أقرب أو متحالفة مع الموقف الصيني، ومعادية تماماً للأميركيين والغرب والكيان الصهيوني، فإن محاصرة التمدد الصيني وإيقافه مستحيلة.

بل إن كل الترتيبات التجارية التي فرضها ترامب مثل مبادرة باكس سيليكا، والاتفاقية التجارية بين أميركا وكل من الهند وتايوان، وحتى اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي، والممر التجاري الرابط بين الهند وأوروبا عبر الشرق العربي، كلها ستكون تحت رحمة إيران، ولو أرادت الأخيرة إيقافها فلن يمكن مواجهتها. وهو ما أثبتته الحرب الدائرة حالياً.

إذاً، فإن محاصرة الصين عبر السيطرة على إيران، كانت من الأسباب الرئيسية لاتخاذ الرئيس الأميركي لقرار الاعتداء على إيران، ومن المؤكد أنها من أسباب الكيان الصهيوني للتحريض على هذا الاعتداء كذلك، لكنها ليست السبب الأول في الواقع.

في العام 2019 صرح قائد سلاح البحرية الصهيوني الأدميرال إيلي شربيت: "علينا أن نوسع نطاق عمل الأسطول الإسرائيلي ليشمل البحر الأحمر والمحيط الهندي، لأن السيطرة على هذه الممرات تمنع إيران وحلفاءها من تهديد التجارة العالمية أو عزل إسرائيل اقتصاديًا.". ولم يكن إيلي شربيت الوحيد من قادة الكيان الصهيوني الذي انتبه لهذه المشكلة، فقد سبقه رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت سنة 2016: "الممرات البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي تمثل خطوط إمداد استراتيجية لإسرائيل، ويجب أن نكون مستعدين لحمايتها من أي تهديد إيراني أو إرهابي.". 

إذاً، ففكرة مشاركة الكيان الصهيوني في السيطرة على الممرات البحرية والتجارية مطروحة منذ فترة، لكن السيطرة على هذه الممرات، بل والمشاركة فيها كعقدة لوجستية تربط بين الشرق والغرب، مستحيلة بوجود المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن ومن خلفهم الجمهورية الإسلامية، والأهم أن التوسع الصهيوني على الأرض سواء في سوريا أم في غزة أم في لبنان كي يتطور وضع الكيان إلى مركز استقطاب رأسمالي، لا يمكن تحققه أو استقراره طالما كانت المقاومة التي تدعمها إيران موجودة، وبالتالي، فقد كان على الكيان الصهيوني الدخول إلى هذه المعركة مهما كان الثمن، وإلا فإن الكيان الصهيوني سيواجه مشكلة الانزواء في حدوده الصغيرة، الأمر الذي سيجعله يعاني من مخاطر كثيرة في حال تراجعت الهيمنة الأميركية أمام الصعود الصيني.

لكن هذا لا يعني أنه لا توجد خلافات بين الأميركيين والصهاينة. يرغب الأميركيون في إسقاط النظام الإيراني واستبداله بنظام عميل وتابع لمشروعاتهم، بينما يرغب الصهاينة في تفكيك إيران وإسقاط قطعة الدومينو الأولى والتي ستؤدي إلى إعادة هندسة الحدود السياسية في المنطقة كلها لاحقاً.

وبالرغم من أن هذه الطموحات لقادة الكيان الصهيوني لا تتفق مع مخططات ترامب الذي يسعى دائماً للتأكيد على أنهم وكيانهم مجرد أدوات وأتباع للمشروع الأميركي، إلا أن كليهما أدرك في هذا التوقيت أنه لم يعد هناك خيارات، فإما مواجهة إيران وإخضاعها أو إسقاطها، وإما الفشل الأميركي أمام الصين وانزواء الكيان الصهيوني حتى سقوطه، ولا يوجد خيار ثالث.

ما الذي كان يراهن عليه الأميركيون والصهاينة؟

الأسلوب الذي جرى فيه الاعتداء يشير بوضوح للرهانات الأميركو-صهيونية، وهو أسلوب مكرر من حرب الـ12 يوماً التي وقعت في حزيران/يونيو الماضي، ضربات جوية خاطفة أدت إلى اغتيالات في صفوف القادة، ومن بينهم قائد الثورة الإسلامية الشهيد السيد علي الخامنئي (قده)، كان من المتوقع أن ينتج عنها حالة من الاضطراب في الأداء الحكومي والأمني، بما يسمح للمعارضة والمجموعات الانفصالية بالعمل، لكن يبدو أن الإيرانيين كانوا مستعدين لمثل هذا المخطط، وقبل مرور ساعة على هذا الاعتداء الذي جرى بمئات الطائرات الأميركو-صهيونية كان ردهم حاضراً بقوة، وهنا بدأ التورط الأميركي والصهيوني في هذه الحرب.

من المؤكد أن القادة الأميركيين والصهاينة قد أدركوا بالفعل أنهم تورطوا في حرب استنزاف غير متوقعة، وإلا لما ظهرت عليهم سريعاً مشكلة نقص الذخائر، بما يعني أنهم اتخذوا قرار الحرب من دون خطة واضحة، على عكس كل ما يقال عن أن الحرب ضد إيران يخطط لها منذ أشهر، وهي تصريحات تهدف إلى طمأنة الجماهير في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بأن القادة العسكريين لديهم أهداف وسيناريوهات لنتائج الحرب. لكن في كل الأحوال لم يعد بإمكانهم التراجع حالياً، فهذه الحرب يجب أن تنتهي بنتائج مرضية لكل منهما، ولا توجد نتيجة ترضي الأميركيين أو الصهاينة سوى سقوط النظام الإسلامي في إيران أو على الأقل خضوعه، لكن بالنسبة لرئيس الحكومة الصهيونية، فالنتيجة الوحيدة هي سقوط إيران وتفكيكها.

لذلك طرح سريعاً فكرة الاستعانة بالمجموعات الكردية والبلوشية الانفصالية، إلا أن كليهما خذله حتى هذه اللحظة على الأقل. ولو تأخرت إيران في الرد على الاعتداء، فلربما كانت تخوض مواجهات بالفعل مع المجموعات الانفصالية من الجهتين الغربية والجنوبية الشرقية.

هل إيران فقط هي المستهدفة من الحرب؟

في الـ25 من شباط/فبراير الماضي وخلال المؤتمر الصحافي المشترك مع رئيس الوزراء الهندي، قال نتنياهو: "الهند وإسرائيل، مع شركائنا الآخرين، يشكلون جبهة جديدة ضد القوى الراديكالية في المنطقة، سواء كانت شيعية أم سنية. هذا التحالف يفتح صفحة جديدة في النظام العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا."، وهنا يشير رئيس حكومة الكيان الصهيوني إلى كل من تركيا والسعودية وباكستان كذلك، وهم من يصفهم بالقوى الراديكالية السنية.

كما ذكرت سالفاً، فإن الهدف الأول بالنسبة للأميركيين هو الصين، وإسقاط إيران يعني تقريباً القضاء على مبادرة الحزام والطريق. لكن بالنسبة لرئيس الوزراء الصهيوني فهناك أهداف أخرى، فإسقاط إيران وتفكيكها سوف يؤديان من دون جهد كبير إلى تفكيك الدول المحيطة بإيران كذلك، عبر مجموعات عرقية يدعمها كل من الكيان الصهيوني والهند، وخاصة المجموعات الكردية والبلوشية الانفصالية، والتي تختلف مع الحكومة الإيرانية عرقياً وطائفياً، فعن طريق الكراد سوف يتم ضرب وحدة كل من إيران والعراق وتركيا وسوريا، وعن طريق البلوش سوف تتحطم وحدة إيران وباكستان وأفغانستان، الأمر الذي يمكّن الكيان الصهيوني من التواصل مع الهند عبر طريق بري مكون من دويلات عرقية، ويصل إلى كيانه في النهاية بعد سيطرته على الجولان والسويداء، ثم إلى مينائه في حيفا، ليتمكن من تحقيق عدة أهداف بضربة واحدة. ولعل أهم هذه الأهداف هو القضاء على السلاح النووي الباكستاني.

لا يمكن اعتبار زيارة رئيس الوزراء الهندي للكيان الصهيوني، والصدام بين الحكومة الباكستانية والانفصاليين البلوش، أو الصدام بين باكستان وأفغانستان، وكلها أحداث سبقت الاعتداء على إيران مباشرة، مجرد مصادفة بقدر ما هي محاولة لتحضير المشهد كي يتمكن الانفصاليون البلوش والكراد من التحرك بعد الاعتداء المفاجئ على طهران، ولولا سرعة الرد الإيراني وشدته لاختلفت النتائج كثيراً. لكن هذه الأهداف ما زالت مطروحة على الطاولة، وفي حال نجح الأميركيون والصهاينة في إسقاط إيران (لا قدّر الله) فإنها ستتحقق بسرعة كبيرة ومن دون مجهود يذكر.

لكن الأسوأ من تحقق هذه النتائج في وسط وجنوب آسيا، هو أن هناك مشروعات أخرى يسعى نتنياهو لتحقيقها في غرب آسيا أو في المنطقة العربية، لعل أهمها الاعتداء على الأردن والتي يرى نتنياهو أنها بالأساس أرض صهيونية وأن بريطانيا جاملت العرب بأن منحتهم إياها، بالإضافة إلى مناطق أخرى مثل الجولان والسويداء ودرعا وجنوب لبنان وشمال المملكة العربية السعودية، وهي مناطق لا يتكلف نتنياهو وقادة الكيان الصهيوني إخفاء نواياهم وأطماعهم فيها.

إلى أي مدى يمكن أن يصل الأميركيون والصهاينة؟

إن الهدف الأول الذي يتفق عليه كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو، وهو إسقاط النظام الإسلامي في إيران، يبدو صعباً للغاية، والأمر لا يتوقف عند كون النظام يمتلك قوة عسكرية وأمنية، بقدر كونه يعبّر عن بنية أصيلة في المجتمع الإيراني، الذي تتعدد بيئاته وعرقياته ولغاته ولكنها تجتمع على كون إيران ذات غالبية إسلامية شيعية، وبالتالي فالحوزة العلمية الشيعية هي رمز وحدة إيران التاريخية، ومهما تعرض النظام لضربات، بل حتى لو قامت أميركا بغزو بري وتمكنت من إسقاط النظام، فإنه سيعيد إنتاج نفسه مرة أخرى في خلال وقت قليل لا يتجاوز 10 سنوات. الأمر الذي يجعلنا نفهم لماذا يرتكز الأميركيون والكيان الصهيوني والهنود على عرقيتي البلوش والكرد، كونهم يختلفون عرقياً وطائفياً، كما أنهم ينتشرون في أراضٍ تتمتع بعوازل جغرافية عن المركز في طهران. متناسين أن هناك عوامل اتفاق أخرى تعتمد عليها طهران بذكاء، ترتكز على المشترك الإسلامي العام واتفاق الأصول العرقية، حيث ينتمي كل من الفرس والبلوش والكرد للقبائل الآرية الغربية.

لكن المشاكل لا تتوقف عند هذا الحد، فالتصريحات الإعلامية لكل من ترامب ونتنياهو تشير بوضوح لاختلاف مشروعات الحكومتين. بالنسبة لترامب يبدو أن طموحاته تواضعت كثيراً حيث بدأ يتحدث عن المشاركة في اختيار قائد الثورة الجديد، بما يشير لتقبله لفكرة بقاء النظام مع تعديل سلوكه بحسب تصوره. بالنسبة لترامب فالهدف يتلخص في محاصرة الصين والاستيلاء على ثروات إيران والتي تمتلك ثورة نفطية تبلغ 208,6 مليار برميل أي 15,5% من الإجمالي العالمي، وثروة من الغاز الطبيعي تبلغ 34 تريليون متر مكعب أي 15,9% من الإجمالي العالمي، بما سيتيح لأمريكا التحكم في سوق الطاقة العالمي؛ هذا بالإضافة لثرواتها المعدنية خاصة المعادن الحيوية وتبلغ 37 مليار طن من إجمالي الاحتياطيات المثبتة وما يتجاوز 57 مليار طن كاحتياطيات محتملة بقيمة تقديرية تصل إلى 770 مليار دولار. ومن المؤكد أنه لن يتقبل بسهولة تفكيك إيران بحيث تنتشر الاضطرابات في المنطقة والحروب العرقية والطائفية بما قد يستنزف قواته ويضر بحكومات يعتبرها حليفة.

في المقابل لا تتوقف طموحات نتنياهو عند هذا الحد ولا يمكنه أن يتقبل بقاء إيران، بينما يدرك من خلال تجربة أميركا في أفغانستان قدرة النظام على العودة إلى السلطة مرة أخرى، ومن المؤكد أن هذه الاختلافات سوف تبرز بوضوح عندما تصبح كلفة الاعتداء على إيران أكبر من طاقة ترامب على التحمل، الأمر الذي سيجبره على محاولة الخروج بأكبر قدر من المكاسب مهما كانت وهمية، بينما نتنياهو يعرف أن القضاء على إيران هو مشروع وجودي بالنسبة له ولكيانه. ولعل أكثر ما يخيف نتنياهو بالفعل، هو أن يلجأ ترامب إلى مفاوضات منفردة مع إيران كما حدث سابقاً مع اليمنيين.

أما المشكلة الثالثة فهي في كلفة الحرب على أميركا والكيان الصهيوني، سواء اقتصادياً، أم سياسياً، وهو ما يثبت أن هذه الحرب لم يكن مخططاً لها بصورة كاملة. فعلى المستوى الاقتصادي، نجحت إيران في إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه 20% من الطاقة إلى العالم، ولكنها لم تتوقف عند هذه النقطة، فقد قامت بقصف شركات النفط كشركة دانة غاز في إقليم كردستان العراق ومستودعات شركتي هاليبرتون وكيه بي آر الأميركيتين في البصرة ومصفاة نفط البحرين، إضافة إلى ضرب ناقلات النفط التي تخالف القرار الإيراني بمنع المرور، وعندما حاولت أميركا تحريك حاملة طائراتها أبراهام لنكولن للسيطرة على مضيق هرمز قامت بقصفها كذلك، ما أجبرها على الابتعاد إلى مسافة 1000 كيلومتر.

بديهي أن هذه الأحداث أوقفت إنتاج الطاقة في الخليج خاصة في الكويت وقطر والعراق، ما أثر سلباً على أسعار النفط، فارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 10.07% خلال التعاملات ليصل إلى مستوى 94.01 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر/ أيلول 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 150 دولاراً، وهذا يمثل خطورة على الداخل الأميركي ذاته وعلى الاتحاد الأوروبي، وكلاهما لا يحتمل ارتفاع أسعار الوقود، ويضاف إليه تكلفة الحرب على إيران، والتي أعلن عن أنها تبلغ أكثر من مليار دولار يومياً، مع أنباء بأن أميركا أنفقت 11 مليار دولار حتى الآن في هذه الحرب، إضافة إلى مطالب إدارة ترامب من الكونغرس بتخصيص 50 مليار دولار لهذه الحرب بعد تراجع كميات الذخائر، واضطرارها لوضع تغطية تأمينية بقيمة 20 مليار دولار للسفن التجارية العابرة إلى مضيق هرمز.

مع إيقاف حركة الملاحة في مضيق هرمز، أعلنت شركة ميرسك عن إيقاف خدمتي FM1 (التي تربط الشرق الأقصى بالشرق الأوسط) وME11 (التي تربط الشرق الأوسط بأوروبا) بشكل كامل. كما توقفت الشركة عن قبول حجوزات البضائع الجافة والمبردة والمواد الخطرة من وإلى (الإمارات، السعودية "ميناءي الدمام والجبيل"، الكويت، قطر، البحرين، وعمان). وهذا الإجراء يؤدي إلى أضرار على أوروبا التي تعتمد على الممرات البحرية الآسيوية للحصول على أجزاء التكنولوجيا؛ وتوقف خدمات ميرسك، يعني أزمة تصنيع حادة في القارة العجوز خلال أسابيع.

لكن مشكلة توقف إمدادات الطاقة ليست هي المشكلة الوحيدة، فاقتصادات الدول الخليجية توقفت بشكل كامل تقريباً، وتشهد عمليات مغادرة واسعة من قبل المستثمرين الأجانب إلى جهات أخرى كسنغافورة وهونغ كونغ، وهذه الدول تمثل أهمية للاقتصاد الأميركي نتيجة تعاملها التجاري بالدولار الأميركي، وبالتالي فإن خسائرها في الواقع تصب في خسائر الاقتصاد الأميركي ذاته. ومن الصعب جداً أن تتمكن هذه الدول من استعادة مكانتها الاقتصادية في القريب العاجل بعد انتهاء الحرب، وهو ما اعترف به وزير الطاقة القطري في تصريحاته لصحيفة فايننشل تايمز.

لقد بدأت نتائج هذا الاهتزاز الاقتصادي الأميركي في الظهور سريعاً، فمع تضرر سلاسل الإمداد، تعرض 92 ألف أميركي لفقدان وظائفهم وارتفع معدل البطالة إلى 4.4%، وهو ما سيخلق ضغطاً من المجمع المالي في وول ستريت لإيقاف الحرب عندما يتأكد كل الحالمين بتعويض خسائرهم لاحقاً أنها دخلت إلى المجهول.

بالنسبة للكيان الصهيوني فالوضع أسوأ، فقد كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن الكيان الصهيوني يخسر 3.7 مليارات دولار يومياً بسبب توقف المرافق الاقتصادية، وأشارت إلى أن القطاعات المتضررة هي: التكنولوجيا، السياحة، والإنشاءات، إضافة إلى تكاليف استدعاء مئات الآلاف من الجنود، إضافة إلى تخصيص الحكومة الصهيونية لمبلغ 3 مليارات دولار، إضافة إلى وزارة الدفاع لتغطية العمليات العسكرية. واستمرار الخسائر على هذا النحو يمثل كارثة إذا ما وضعنا في الاعتبار خسائر الكيان في حرب الـ12 يوماً العام الماضي ضد إيران والتي تجاوزت 28 مليار دولار، بينما خسر الكيان بصورة عامة بعد طوفان الأقصى 67 مليار دولار رغم الدعم الأميركي. لكن هل يمكن لأميركا تقديم الكثير من الدعم للكيان الصهيوني في هذه الظروف؟ وإلى أي مدى يمكن للكيان الصهيوني وأميركا والاتحاد الأوروبي احتمال هذه الأزمة؟

على المستوى السياسي، أدت الحرب إلى خسائر كبيرة للمشروع الأميركي والتي تمكن الأميركيون من تحقيقها طوال عقود في هذه المنطقة، وأدت الضربات الإيرانية إلى تدمير قواعد أميركية وأجهزة رصد وإنذار مبكر ودفاعات جوية ومكاتب للـ CIA، لدرجة اضطرار الجنود الأميركيين إلى الرحيل عن المنطقة بشكل مهين، ووصول الصواريخ الإيرانية إلى أهدافها في هذه القواعد وداخل الكيان الصهيوني من دون رصد أو حتى مواجهة من الصواريخ الاعتراضية. ومثل هذه الخسائر لن يمكن تعويضها بسهولة، حتى لو توقفت الحرب قريباً، خاصة بعد أن ظهرت أميركا كعاجزة عن حماية الدول الحليفة لها، مقابل تركز اهتمامها على حماية الكيان الصهيوني، إلى درجة اضطرارها لسحب رادارات AN/TPY-2  وبطاريات ثاد وباتريوت من كوريا الجنوبية لنقلها إلى الكيان الصهيوني. 

إذن فقد تركت أميركا هذه الدول الحليفة مكشوفة في مواجهة إيران وكوريا الشمالية والصين، وبالتأكيد سوف يؤدي هذا الموقف إلى ردود أفعال من قبل هذه الدول تجاه مبادرة باكس سيليكا، التي تقوم بالأساس على مفهوم الأمن الشامل باعتبار أميركا هي الضامن الوحيد والآمن لسلاسل التوريد الرقمية والمادية.

على الجانب الصهيوني، كان نتنياهو يتباهى بأنه قضى على قوة حزب الله في لبنان خلال الحرب السابقة، ويتبجح بأنه أزاح قوات الحزب لشمال الليطاني، لكن هذا الاعتداء على إيران ووصول معلومات عن خطة صهيونية لبدء اجتياح بري للبنان، دفع الحزب إلى المبادرة بالهجوم، واكتشف الكيان الصهيوني مع توالي عمليات الحزب أن الأخير يحتفظ بقواته وبمقاتليه، بل وأجبر المستوطنين تحت التهديد على إخلاء 23 مستوطنة شمال فلسطين لمسافة 5 كيلومترات، فارضاً منطقة عازلة وتهجيراً مضاداً رداً على تهجير سكان الجنوب اللبناني. ولا مجال الآن لأي مفاوضات مقبلة أن تجبر الحزب على العودة إلى شمال الليطاني بعد 15 شهراً من الانتهاكات الصهيونية للاتفاق الأخير وعمليات الاغتيال لعناصره.

لكن الأسوأ بالنسبة لهذا الكيان، هو أن هذه الحرب قضت تقريباً على مشروعه بالتحول إلى مركز استقطاب رأسمالي وتكنولوجي، ودمرت مشروعه الممتد من 35 عاماً لتحقيق التطور في هذا القطاع، كما أسقط أي إمكانية لأن يكون له دور في صراع الممرات التجارية الدائر حالياً.

ثمة خاسر آخر من دون ناقة أو جمل في هذا الصراع وهو الهند، فصمود إيران يعني فشل ممره المدعوم أميركياً كمنافس لمبادرة الحزام والطريق، وسيكون عليه المكافحة لمحاولة الاحتفاظ بممر الشمال – الجنوب الذي يربطه مع إيران وروسيا، ومحاولة الوصول إلى حلول مرضية مع الصين وباكستان، ما سيعد هزيمة قاسية لرئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي، والذي كان في زيارة مثيرة للجدل للكيان الصهيوني قبل الحرب معلناً انحيازه المباشر للمحور الأميركي، وهو ما دفع ثمنه سريعاً كما يقول الباحث الاقتصادي المصري الدكتور أحمد مصطفى: "بينما ارتفع مؤشر DAX في ألمانيا على إثر أنباء اتفاق بكين، شهدت بورصة بومباي موجة بيع، حيث انخفض مؤشر Nifty 50 بمقدار 400 نقطة في غضون ساعات من المصافحة في تل أبيب. خشي المستثمرون من أن الهند تضحي بدورها كقائدة للجنوب العالمي لتلعب دور ”الشريك الصغير“ لـ دولة منبوذة." 

إذاً، فحتى الآن ورغم تبجح القادة في أميركا والكيان الصهيوني بنجاحهم في اغتيال قائد الثورة الإسلامية الشهيد السيد علي الخامنئي (قده)، فالواقع أنهم لم يحققوا أي إنجاز يذكر على أرض الواقع، بل تعرضوا وحلفاءهم لخسائر بذلوا كثيراً من الجهد طوال عقود ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي لتحقيقها، وهو ما يفرض عليهم مواصلة الحرب بحثاً عن أي إنجاز وبالتالي مواصلة استنزاف قواهم الاقتصادية والسياسية، فأي تراجع سوف يبدو كهزيمة صريحة في هذه اللحظة.

يجب أن نقول أيضاً، إن هذه المعركة التي تخوضها إيران هي الجولة الفاصلة في سلسلة معارك طوفان الأقصى التي بدأت في الـ7 من أكتوبر 2023. صمود إيران يعني فشل المشروعات الأميركية، بما فيها اتفاقياتها مع الهند وتايوان، وحتى الاتفاقيات الأوروبية مع الهند كمحاولة لإبطاء التفوق الصيني، فقد ذهبت فعلياً أدراج الرياح بعد زيارة المستشار الألماني ميرتس للصين في الـ25 من شباط/فبراير الماضي، وتوقيعه اتفاقية التكامل الأوراسي الكبرى، والتي مثلت إعادة هيكلة لسلسلة التوريد العالمية بلغت 12.5 تريليون دولار، وستربط الصين بأوروبا عبر شبكة سكك حديد تمتد من شنغهاي إلى لشبونة في البرتغال، أي إن أوروبا فعلياً أصبحت جزءاً من مبادرة الحزام والطريق الصينية. الأمر الذي قد يفسر لنا الرفض الأوروبي للمشاركة مع أميركا في هذه الحرب، واقتصار بعض الدول، تحت الضغط الأميركي، على المشاركة الدفاعية.

فشل الأميركيين في فرض إرادتهم على إيران، مهما بلغت خسائر الأخيرة، سيسقط هيبتهم كقوة عظمى قادرة على حماية حلفائها، وسيجبرهم على الدخول في حالة من الانزواء والهبوط التدريجي، وهو ما سينعكس على الكيان الصهيوني، الذي بدوره سيفقد كل ما له من وهج وفاعلية كقاعدة متقدمة للأعمال الغربية القذرة، على حد تعبير المستشار الألماني فريدريش ميرتس. وباختصار فإن هذه الحرب التي شنها الأميركيون والصهاينة على إيران ربما تكون هي نقطة النهاية لنظام ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.