أميركا غادرت العراق.. وتركت عملاءها في كل مكان!
بعد احتلال دام 23 عاماً انسحبت القوات الأميركية من العراق تاركة خلفها إرثاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً بل وحتى دينياً سيئاً وخطيراً ساهم في تدمير هذا البلد العربي بكلّ مكوّناته القومية والدينية والطائفية.
-
معظم الأنظمة العربية والإسلامية تتواطأ مع الكيان العبري.
تاريخ العراق السيّئ لم يبدأ بالاحتلال الأميركي بل بإيصال صدام حسين إلى السلطة بعد الإطاحة بالرئيس أحمد حسن البكر في تموز/يوليو 1979 أي بعد خمسة أشهر من الثورة الإسلامية في إيران، وقبل الاحتلال السوفياتي لأفغانستان في كانون الأول/ديسمبر 1979.
وما بينهما وقبلهما الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال ضياء الحقّ المدعوم أميركياً في تموز/يوليو 1977 ضدّ رئيس الوزراء اليساري ذو الفقار علي بوتو، والانقلاب الذي قام به الجنرال كنعان إيفرين المدعوم أميركياً أيضاً في تركيا في أيلول/سبتمبر 1980.
وجاء قرار الحرب الذي اتخذه صدام حسين ضدّ إيران في أيلول/سبتمبر 1980 ليضع المنطقة على طريق السيناريوهات المعقّدة والخطيرة التي أوصلت العراق والمنطقة إلى ما وصلت إليه الآن.
حيث قدّمت واشنطن والعواصم الخليجية كافة أنواع الدعم لصدام حسين في عدوانه على إيران للانتقام من ثورتها ضدّ الشاه العميل للصهاينة، والتي وقفت منذ اليوم الأول إلى جانب القضية الفلسطينية التي خانتها معظم العواصم المذكورة وما زالت.
وبعد ثماني سنوات من هذه الحرب شجّعت واشنطن صدام حسين هذه المرة لاحتلال الجارة الكويت ليكون ذلك ذريعة التدخّل الأميركي الشامل في المنطقة لصالح الكيان الصهيوني الذي حقّق أول انتصاراته في مؤتمر مدريد في تشرين الثاني/نوفمبر 1991.
وحظي الكيان المذكور آنذاك باعتراف مسبق به من كلّ الدول العربية بعد أن وقّعت مصر معه على اتفاقية كامب ديفيد في 1978، ليلحق بها الأردن باتفاقية وادي عربة 1994، وقبل ذلك استسلام عرفات في أوسلو 1993.
وبالعودة للعراق فبعد هزيمة صدام حسين في الكويت فرضت واشنطن وحليفاتها على العراق سلسلة من العقوبات وطبّقت عليه حصاراً شاملاً دام 12 عاماً مع حماية عسكرية للمناطق الكردية شمال خط العرض 36 التي كانت تحت إشراف قوات المطرقة الأميركية والبريطانية ومقرّها جنوب شرق تركيا.
ومن دون أن تمنع كلّ هذه الإجراءات واشنطن وحليفاتها في الغرب والمنطقة من الاستمرار في سياسات العداء التقليدي لإيران، وعلى الرغم من أنها كانت ضحية للعدوان العراقي المدعوم من أنظمة الخليج وعواصم الغرب الإمبريالي حليفة الكيان العبري الذي استغلّ علاقاته مع العملاء في المنطقة للانتقام من إيران الثورة التي دعمت كلّ من كان عدواً أو مناهضاً له في المنطقة وخارجها.
ومع ذلك لم يخجل البعض من الحديث عن أنّ إيران كانت المستفيد الأكبر من احتلال العراق الذي تواطأ البعض من كرده وسنته وشيعته وتركمانه ومسيحييه مع الأميركيين وعملائهم في المنطقة، واستمروا في تآمرهم على إيران لأسباب عديدة، وأهمها أحاديث الصهاينة عن "خطر الثورة الشيعية على دول الجوار"، ومعظم حكّامها من المتواطئين مع المحتل الأميركي الذي نهب المتحف الوطني في اليوم الأول من سقوط بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003.
ورأينا لاحقاً كيف أنّ الكثير من مقتنيات هذا المتحف قد وصلت إلى "تل أبيب" التي تتغنّى بأحلامها في "الدولة" اليهودية الكبرى من النيل إلى الفرات ودجلة وهما في العراق، وكما كان إبراهيم ويعقوب عليهما السلام هناك.
ومع التذكير بأنّ تركيا الحليف الاستراتيجي لأميركا كانت المستفيد الأكبر نفسياً واقتصادياً من العراق منذ العدوان العراقي على إيران، ولاحقاً هزيمة الكويت ثمّ الاحتلال وحتى يومنا هذا، حيث نفّذت الشركات التركية ما قيمته عشرات المليارات من الدولارات من المشاريع الإنشائية، وقامت شركات أخرى بتصدير ما قيمته أكثر من ذلك بكثير إلى العراق طيلة السنوات الماضية.
فيما استمرت أبواق الخليج المأجورة في حملاتها المذعورة ضدّ إيران، تارة بسبب "ثورتها الشيعية" وتارة أخرى بسبب "برنامجها النووي"، وأخرى بسبب "نظام الملالي". وكأّنّ دولهم كانت "علمانية وديمقراطية وحرة" و"إسرائيل" لا تملك القنابل النووية.
وأما حديث البعض من الأبواق العميلة عن "تعاون طهران السري مع تل أبيب" فقد كان الأكثر سخافة ووقاحة إلى أن سقطت هذه الأبواق في مستنقع الكذب والتلفيق عندما تبنّت إيران الثورة وبمفردها كلّ قضايا الأمة في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا وباقي بقاع العالم.
فتحوّلت إلى الهدف المباشر للعدوان الصهيو -أميركي ليس الآن فقط بل منذ أن طردت السفير الإسرائيلي بعد أسبوعين من الثورة الإسلامية، وأثبتت بعد ذلك للجميع أنها القوة الوحيدة التي تستطيع أن تصمد في وجه كلّ المؤامرات وتلقّن الكيان الصهيوني الدرس الذي يستحقه.
في الوقت الذي كانت فيه معظم الأنظمة العربية والإسلامية تتواطأ فيه مع الكيان العبري، الذي لولا هذا التواطؤ لما كان له مكان في خارطة المنطقة التي ما زال الكثيرون فيها يتآمرون على إيران بعد خروج الأميركيين من العراق. وما زال فيه من يفكّر بل ويخطط للتآمر ضدّ إيران التي لولا صمود شعبها الأسطوري لما خرج الأميركيون من العراق، ولكانت المنطقة تحت أمرة الثنائي ترامب ونتنياهو، وكلاهما يتنافسان ويتسابقان لإهانة واستحقار دول وشعوب المنطقة من العرب والفرس والترك والكرد وغيرهم.
وعلى أمل أن يستخلص حكاّم المنطقة البعض من العبر والدروس من تجارب السنوات الخمسين الماضية، ويقارنوا بين الكيان العبري وإيران، فقد حان الأوان بالنسبة لهم جميعاً أن يجيبوا وبعيداً عن العقد النفسية المعروفة على عدة أسئلة بسيطة وهي:
ما الذي فعلته إيران ضدّهم؟ وأيّ خطر أصابهم وكان مصدره إيران؟ وهل كان دعم إيران لسوريا وحزب الله والعراق واليمن يشكّل خطراً على أيّ بلد عربي ومسلم. ولماذا تآمرت معظم أنظمة المنطقة على سوريا وحزب الله وأنصار الله والعراق وكانت جميعاّ هدفاً للتحالف الصهيو - أميركي؟
ولماذا سمح هؤلاء الحكّام بإقامة القواعد الأميركية في بلادهم ضدّ إيران وليس ضدّ الكيان الصهيوني وهو عدو الجميع؟ وهل في إيران أيّ قاعدة أجنبية ضدّ أيّ دولة عربية أو مسلمة؟ لماذا لم تستطع أيّ دولة عربية أو إسلامية أن تردّ الصاع صاعين على عدوان الكيان الصهيوني على هذه الدول التي رجّحت على ذلك التواطؤ مع هذا الكيان على الرغم من أنها الأغنى اقتصادياً والأقوى بشرياً وثقافة وتاريخاً؟
ثمّ ألا يرى هؤلاء الحكّام وأبواقهم كيف ضحّت إيران بعدد كبير من قادتها في سبيل القضية الفلسطينية والعربية والإسلامية، ولولا هذه التضحيات لكانت الآن من أعظم وأقوى وأغنى دول المنطقة، ولكنها رجّحت على ذلك أن تعيش بكرامتها وشرفها وكبريائها كما هو الحال في تصدّيها للعدوان الإمبريالي والصهيوني الأخير؟
وأخيراً هل سيقبل هؤلاء الحكّام وأتباعهم، والجواب بالنسبة لي نعم، بسيطرة الكيان العبري على المنطقة برمّتها في حال سقوط إيران وحلفائها، ليكونوا جميعاً عبيداً لليهود الصهاينة وفق نصوصهم الدينية وأساطيرهم السخيفة التي يردّدها نتنياهو وبن غفير وأمثالهما باستمرار؟
وباختصار ومن دون العودة إلى هذا الماضي المرير من تاريخ المنطقة ومعظمه تواطؤ وخيانة وعمالة، فقد بات واضحاً أنّ إيران ومن معها من دول وشعوب وقوى المنطقة والعالم استطاعت أن تمنع الانهيار التامّ للأمتين العربية والإسلامية التي تآمر عليها العديد من حكّامها قبل وخلال وبعد الاحتلال الأميركي للعراق.
وكما هم فعلوا ذلك قبل وخلال وبعد قيام "الدولة" العبرية على أرض فلسطين، والتي لم يعد أحد يدافع عن شعبها ومقدّساتها سوى إيران وحلفائها الذين دفعوا ثمن ذلك غالياً جداً.
ولكن ليس أغلى من دماء كلّ من استشهد على هذا الطريق، ودموع كلّ من بكى على هؤلاء الشهداء العظام في إيران وفلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا وباقي دول العالمين العربي والإسلامي، ولولا إيران لكانت جميعاً في وضع لا تحسد عليه أبداً ودائماً وربما إلى الأبد.