هرمز: عنق الزجاجة العالمي وطلائع صدمة أشد من صدمة 1973
مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للطاقة والتجارة البحرية، بل بات مركز ثقل جيو-اقتصادي يشبه، في تأثيره، بنكًا مركزيًا عالميًا غير معلن.
-
مضيق هرمز.. السوق لا تنتظر الإغلاق ولا تتعافى بسهولة (أرشيف).
رغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، ما زالت حالة ضعف الثقة وعدم اليقين مسيطرة على الأجواء الإقليمية والأسواق العالمية، والتي انعكست جليًا في إعادة إغلاق مضيق هرمز، وازدياد الترجيحات بانهيار الهدنة في أي لحظة.
هذا الوضع بالمجمل، بما في ذلك الآثار المتراكمة منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، يعيد شبح صدمة 1973 ليخيّم على الأسواق العالمية مجددًا، لكن في سياق بنيوي مختلف. فبينما طالت صدمة السبعينيات نحو 5% من إيرادات النفط العالمي حينها واستمرت نحو خمسة أشهر تضاعف في خلالها سعر النفط بأكثر من أربعة أضعاف، فإن الصدمة الراهنة تأتي في بيئة أكثر تعقيدًا إذ تطال 20% من موارد الطاقة العالمية إلى جانب 11% من التجارة البحرية بما فيها من سلاسل توريد عالمية لمواد رئيسة مثل الأسمدة والمعادن والبتروكيماويات؛ وبخلال أقل من شهر ونصف فقط (والأزمة ما زالت مستمرة)، ازدادت أسعار النفط بنحو 60% والغاز الأوروبي بنحو 70% وبعض المواد الأساسية بنحو 30%.
وبين هاتين الصدمتين يتكرر السؤال ذاته: هل نحن أمام إعادة إنتاج صدمة طاقية كلاسيكية، أم أننا أمام نسخة أكثر تعقيدًا تضرب سلاسل التوريد العالمية الطاقية وغير الطاقية.
التجارة عبر المضيق
يمر عبر مضيق هرمز يوميًا (قبل الإغلاق الحالي) ما يقارب 170 سفينة شحن تنقل أكثر من 11% من التجارة البحرية الدولية، فضلًا عن أكثر من 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال. هذه الأرقام لا تمثّل مجرد حجم تجارة، بل نقطة اختناق لا بديل عملياً لها، على الأقل في الأجل القصير.
السوق لا تنتظر الإغلاق ولا تتعافى بسهولة
تؤكد التجربة الحديثة أن الأسواق لا تنتظر الإغلاق الفعلي. ففي حزيران/يونيو 2025، ومع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، ارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 7% في خلال أيام، رغم عدم تسجيل أي انقطاع فعلي في الإمدادات. بمعنى أن الارتفاع الحادث حينها جاء مدفوعًا بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وكلفة التأمين البحري، وتقلبات العقود الآجلة.
ومنذ بداية الحرب الحالية، ارتفعت أسعار نفط خام برنت حتى لامست 120 دولارًا قبل أن تعود وتتذبذب قرب الـ110 دولارات للبرميل، وسط تعزّز التوقعات بالمزيد من الارتفاعات الحادة باتجاه الـ200 دولار للبرميل مع انخفاض مستويات التخزين لدى الدول.
ومؤخرًا، تشير بعض التقارير والاستطلاعات من دول عدّة إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية (مثل الأرز والسكر والزيت) بما يقارب 30% عما كانت قبل الحرب، متأثرة بارتفاع التكاليف الصناعية والتشغيلية المرتبطة بالطاقة والمواد الأولية المتأثرة بالإغلاق مثل الأسمدة والبتروكيماويات والمعادن وغيرها.
وكما هو معروف عن تضخم الأسعار، فإن مرونة الارتفاع أكبر بكثير من مرونة الهبوط، ما يعني أن هذه الارتفاعات (وفق التحليلات والتوقعات) لن تصحّح قبل أشهر طويلة تلي انتهاء الأزمة الراهنة.
وعلى أي حال، فإن السلوك المعاصر للأسواق العالمية يعكس تحوّلًا بنيويًا في التسعير، والذي لم يعد محكومًا فقط بالعرض والطلب، بل بات عملية وثيقة الارتباط بالتوقعات الجيو-اقتصادية وسيناريوهات الصدمة.
سيناريوهات خطيرة بدأت تتحقّق
على وقع التهديدات التي سبقت الحرب الراهنة، كان بنك "SEB" السويدي قد حذّر (في تقرير تحليلي صادر عنه) من أن إغلاق مضيق هرمز –حتى لو كان مؤقتًا– قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا. ووفق تقديرات البنك، فإن تعطيل تدفقات الإمدادات العالمية عبر المضيق قد يرفع الأسعار بسرعة إلى 150-200 دولار للبرميل، مع احتمال تخطي هذه المستويات في حال طال الإغلاق أو اتّسع التصعيد العسكري. ما يجعل هذه الصدمة أخطر من صدمة 1973، بحسب "SEB"، ليس فقط بحجم الانقطاع ومدّته، بل أيضًا بهشاشة النظام المالي العالمي اليوم: تضخم مرتفع أصلًا، مستويات ديون قياسية، واعتماد واسع على الطاقة الأحفورية.
وفي الإطار نفسه، كان بنك "غولدمان ساكس" قد توقّع بدوره أن خام برنت قد يرتفع إلى مستويات مؤقتة تبلغ نحو 110 دولارات للبرميل إذا انخفض تدفق النفط عبر مضيق هرمز إلى النصف لمدة شهر وظل منخفضًا بنسبة 10% في خلال الأشهر الـ11 التالية.
وفي سيناريو آخر، كان يُتوقع أنه إذا انخفض إنتاج النفط الإيراني بمقدار 1.75 مليون برميل يوميًا لمدة ستة أشهر، فإن السعر قد يصل إلى 90 دولارًا للبرميل قبل أن يتراجع تدريجيًا.
هذه السيناريوهات، رغم تباينها وشرطيتها، تحدّد نطاقات أسعار أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية، وهو ما يشير إلى حالة من المخاطر المركّبة في سوق الطاقة؛ فكيف لو نظرنا إلى الوقائع وهي تسابق أغلب التوقعات!
مقارنة مع صدمة 1973
جاءت صدمة عام 1973 بعد أن فرضت الدول العربية المصدّرة للنفط حظرًا على صادرات النفط إلى الدول التي دعمت "إسرائيل" في وجه سوريا ومصر، مثل الولايات المتحدة وهولندا وسواهما، ما أسفر عن ارتفاع سعر خام النفط من نحو 3 دولارات للبرميل قبل الأزمة (أكتوبر 1073) إلى نحو 12 دولارًا بحلول نهاية عام 1974، ما يعني تضاعف السعر بأكثر من أربعة أضعاف!
واستمرت تداعيات الحظر وتقييدات الإنتاج حينها من تشرين الأول/ أكتوبر 1973 حتى آذار/ مارس 1974، مسبّبة اضطرابات اقتصادية عالمية وتأجيج التضخم وانخفاض الإنتاج الصناعي في الاقتصادات الكبرى.
وتُظهر المقارنة بين الصدمة الحالية المرتبطة بمضيق هرمز وأزمة النفط في عام 1973 اختلافًا نوعيًا في حجم التأثير وسرعة انتشاره وعمقه الجيو-اقتصادي؛ ففي أزمة 1973 طال الخفض الفعلي نحو 4-6% فقط من الإمدادات النفطية العالمية نتيجة الحظر العربي، في مقابل تهديد أكثر من 20% اليوم من النفط العالمي الذي يمر عبر مضيق هرمز، فضلًا عن الغاز المسال وسلاسل توريد سائر المواد المهمة، ما يجعل أي تعطيل فيه ذا أثر بنيوي لا يمكن للأسواق تعويضه سريعًا.
يضاف إلى ذلك أن الأسواق المالية المعاصرة، بفعل التداول الخوارزمي والعقود الآجلة عالية الرافعة والتشابك المالي، أصبحت أكثر حساسية وأقل قدرة على امتصاص الصدمات، بحيث تنتقل المخاطر من سوق الطاقة إلى الأسواق المالية والوظيفية في خلال أيام لا أشهر.
وبناءً على هذه العوامل مجتمعة، تبدو الصدمة الحالية في هرمز أسرع انتشارًا وأكثر عمقًا من صدمة 1973، لا سيما في الأشهر التي ستلي توقف الحرب؛ هذا لم يصب قطاعات الطاقة في المنطقة أي أضرار مُعطِّلة وجوهرية.
هرمز غير قابل للتعويض!
يُطرح أحيانًا (هنا وهناك) النفط الفنزويلي كبديل يغطي جزءًا من صادرات هرمز، خصوصًا بعد سيطرة الولايات المتحدة على مسار صادراته، غير أن الأرقام تُسقط هذه الفرضية سريعًا. فمن ناحية النوع، تكاد تكلفة تكرير النفط الفنزويلي توازي سعر مبيع النفط سابقًا (نحو 70 دولارًا)، أي أنه نفط مكلف جدًا وغير مجدٍ. فمن ناحية الكمّ، وبافتراض ارتفاع الأسعار وتحوّله إلى نفط مجدٍ، وحتى في أفضل السيناريوهات التقنية، يكاد لا يتجاوز إنتاج فنزويلا الحالي مليون برميل يوميًا، وحتى لو عادت –نظريًا– إلى ذروتها التاريخية البالغة 3.5 مليون برميل يوميًا، فإن ذلك لا يعوّض سوى جزء ضئيل من الـ20 مليون برميل التي تمر يوميًا عبر هرمز.
النتيجة: هرمز غير قابل للتعويض بسهولة، لا جغرافيًا ولا زمنيًا.. لا كمًا ولا نوعًا.
لماذا صدمة هرمز اليوم أخطر من صدمة 1973؟
في عام 1973، كان سلاح النفط/ الطاقة يُستخدم عبر حظر سياسي انتقائي محدود نسبيًا. أما اليوم فيجري استخدامه على نطاق أوسع عبر التحكم بنقطة اختناق محورية في سلاسل التوريد العالمية، أشبه بعنق زجاجة عالمي. كما أن حساسية الأسواق اليوم أسرع، والديون أعلى، والاعتماد الطاقوي والمالي المتبادل أعمق. لذلك، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يولّد ارتدادات تضخمية ومالية تكبر مع كل يوم أكثر فأكثر، وقد تنفجر في أي لحظة، وتفوق بنتائجها ما شهدته صدمة السبعينيات، حتى لو كان زمن الصدمة أقصر.
مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للطاقة والتجارة البحرية، بل بات مركز ثقل جيو-اقتصادي يشبه، في تأثيره، بنكًا مركزيًا عالميًا غير معلن. والسيناريوهات المطروحة هنا وهناك ليست تهويلًا فارغًا، بل هي أقرب إلى قراءة واقعية لنظام عالمي بات أكثر هشاشة وأقل قدرة على امتصاص الصدمات.