من سباق التسلّح إلى سباق الذكاء الاصطناعي: هل تعيد غرينلاند كتابة درس سقوط الاتحاد السوفياتي؟
تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة يحتاج إلى مراكز بيانات تستهلك طاقة تفوق استهلاك مدن كاملة. التبريد، الكهرباء، والبنية التحتية الرقمية باتت تشكّل "ترسانة" العصر الجديد.من لا يستطيع تحمّل هذه الكلفة، يخرج تدريجياً من السباق.
-
هل تعيد غرينلاند كتابة درس سقوط الاتحاد السوفياتي؟ (أرشيف).
في أواخر القرن العشرين، لم يسقط الاتحاد السوفياتي تحت ضربات عسكرية مباشرة، بل انهار تحت عبء اقتصادي هائل فرضه سباق تسلّح طويل مع الولايات المتحدة. كلفة الصواريخ، والقواعد، والقدرات النووية تجاوزت قدرة الاقتصاد السوفياتي على الاحتمال، فكان الانهيار نتيجة طبيعية لحرب استنزاف باردة.
اليوم، يبدو العالم أمام نسخة جديدة من ذلك السباق، لكن بأدوات مختلفة. لم تعد المعركة حول عدد الرؤوس النووية، بل حول من يستطيع تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي أضخم، وأسرع، وأطول نفساً. وهنا، تعود الجغرافيا لتؤدّي الدور نفسه الذي أدّاه النفط والقدرة الصناعية في القرن الماضي.
سباق بلا دبابات.. وبكلفة مرعبة
تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة يحتاج إلى مراكز بيانات تستهلك طاقة تفوق استهلاك مدن كاملة. التبريد، الكهرباء، الرقائق، والبنية التحتية الرقمية باتت تشكّل "ترسانة" العصر الجديد.
من لا يستطيع تحمّل هذه الكلفة، يخرج تدريجياً من السباق، تماماً كما خرج الاتحاد السوفياتي من سباق التسلّح.
غرينلاند: محاولة لتجنّب الفخ السوفياتي
من هذا المنظور، يمكن إعادة قراءة طرح دونالد ترامب حول غرينلاند. المسألة ليست توسّعاً جغرافياً، بل بحثاً عن وسيلة لخفض كلفة السباق التكنولوجي قبل أن يتحوّل إلى عبء قاتل.
البرودة الطبيعية تعني تبريداً شبه مجاني لمراكز البيانات. الطاقة الكهرومائية تعني كهرباء رخيصة ونظيفة. المعادن النادرة تعني تقليص الاعتماد على سلاسل توريد خاضعة لنفوذ خصم استراتيجي. بعبارة أخرى، غرينلاند تمثّل محاولة لبناء "اقتصاد ذكاء اصطناعي" قادر على الصمود الطويل، لا مجرّد التفوّق اللحظي.
الصين وخطر الاستنزاف المعاكس
في المقابل، تخوض الصين سباق الذكاء الاصطناعي من موقع قوة صناعية وتنظيمية هائلة، لكنها تعتمد بشكل كبير على طاقة كثيفة الكلفة، وعلى تشغيل مراكز بيانات ضخمة داخل بيئات حضرية مكتظة. ومع تصاعد حجم النماذج وتعقيدها، ترتفع الكلفة إلى مستويات قد تتحوّل إلى عبء بنيوي على المدى البعيد.
هنا، يظهر شبح التجربة السوفياتية: التفوّق الكمّي لا يكفي إذا كان غير قابل للاستدامة الاقتصادية. السباق لا يُحسم بمن يصل أولاً، بل بمن يستطيع الاستمرار أطول.
الدرس التاريخي
كما أنّ الاتحاد السوفياتي خسر السباق لأنه لم يستطع تمويله إلى النهاية، قد يخسر أيّ طرف في سباق الذكاء الاصطناعي إذا تجاهل كلفة الطاقة، والتبريد، والموارد. الذكاء الاصطناعي، خلافاً للصواريخ، لا يُبنى مرة واحدة، بل يحتاج إلى تغذية دائمة بالطاقة والموارد.
من ينهار أولاً؟
السؤال الحقيقي ليس من يملك النموذج الأذكى اليوم، بل من يملك القدرة على تشغيل هذا الذكاء لعقود مقبلة من دون أن ينهار اقتصاده. في هذا السياق، تبدو غرينلاند أشبه بخط دفاع اقتصادي استباقي تعتمده الولايات المتحدة ولا توليه الصين الأهمية ذاتها.
في سباق الذكاء الاصطناعي، قد لا يكون السقوط دراماتيكياً أو مفاجئاً، لكنه سيكون حتمياً لمن لا يحسب كلفة السباق.. تماماً كما حدث في الحرب الباردة الأولى.