مشروع تهجيري جديد

مشروع سمير جعجع الرئاسي، كما يتبلور اليوم، ليس مشروع إنقاذ للبنان ولا مشروع تمثيل مسيحي فعلي، بل هو إعادة تدوير لوصفة فاشلة جرّبتها البلاد ودفع ثمنها الجميع.

  • انتهت التجربة الكتائبية–القواتية في الحكم إلى فشل سياسي كامل (أرشيف).
    انتهت التجربة الكتائبية–القواتية في الحكم إلى فشل سياسي كامل (أرشيف).

في كلّ مرحلة انسداد داخلي لبناني، يعود بعض الفاعلين السياسيين إلى قراءة اللحظة الإقليمية والدولية بوصفها «فرصة تاريخية» لإعادة إنتاج مشاريع قديمة بثياب جديدة. في هذا السياق، يندرج رهان سمير جعجع على تطورات البيئة الدولية المحيطة بلبنان، إذ يبدو أنه ينظر إلى اختلال موازين القوى الإقليمية، وإلى الحرب المفتوحة أو شبه المفتوحة بين "إسرائيل" والمقاومة، باعتبارها لحظة مواتية لتكرار تجربة بشير الجميل: تحالف صريح أو ضمني مع "إسرائيل"، انخراط ميداني في مشروعها العسكري، ثم ترجمة ذلك سياسياً بوصوله إلى رئاسة الجمهورية.

في هذا التصور، يصبح العائق الأساسي أمام جعجع هو الرفض الشيعي الصلب له رئيساً، وهو عائق يتوهم أن الحرب قادرة على إزالته أو تهميشه، تماماً كما توهّم بشير الجميل ومن حوله في مطلع الثمانينيات.

غير أنّ هذا الرهان، في جوهره، لا يعكس قراءة واقعية للتاريخ اللبناني الحديث، بل يعكس إنكاراً متعمداً لدروسه. فجَعجع يتصرّف وكأن تجربة آل الجميل – وتجاربه الشخصية في الحرب – يمكن تجاوزها بمجرد الادعاء بأنه تعلم من أخطاء الماضي، فيما الوقائع تشير إلى أنه يكرر الأخطاء نفسها، بل يرتكبها عن وعي وإرادة. فالتاريخ الذي يحاول القفز فوقه لم يكن مجرد تفاصيل عابرة، بل كان سلسلة هزائم سياسية وعسكرية وأخلاقية انتهت بفشل ذريع لمشروع الحكم الكتائبي–القواتي.

في مطلع الثمانينيات، لم يكن المشروع الذي قاده بشير الجميل مشروع «دولة» بقدر ما كان مشروع سلطة محمولة على الدبابة الإسرائيلية. ظنّ بشير، كما يظن جعجع اليوم، أن التحالف مع قوة احتلال قادرة على إعادة رسم الخريطة اللبنانية سيمنحه شرعية داخلية بالقوة، أو على الأقل سيكسر توازنات الداخل.

لكن الوقائع الميدانية جاءت معاكسة تماماً. فحين حاولت القوات اللبنانية بقيادة بشير اقتحام بيروت الغربية من محور المتحف، تكبدت هزيمة منكرة كشفت حدود القوة العسكرية التي كان يُروَّج لها. لم تكن بيروت الغربية فراغاً سياسياً أو عسكرياً، ولم يكن المجتمع اللبناني قابلاً لأن يُساق بالقوة إلى مشروع أحادي، مهما بلغ حجم الدعم الخارجي.

ثم جاءت اللحظة الأوضح: القوات الإسرائيلية نفسها، التي قُدِّمت على أنها الضامن النهائي لمشروع بشير، اضطرت إلى الفرار من بيروت تحت وطأة هجمات المقاومة. لم يكن الانسحاب مجرد تفصيل عسكري، بل كان انهياراً لرهان كامل بُني على فكرة أن الاحتلال يمكن أن يفرض نظاماً سياسياً مستقراً. ومع أن بشير الجميل اغتيل قبل أن يكتمل مشهده الرئاسي، فإن التجربة التي حملها أخوه أمين الجميل إلى الحكم لم تكن أقل فشلاً. فقد ظلّ حكم الجميل يواجه الضربات واحدة تلو الأخرى، على الرغم من استخدامه القوة الوحشية ضد الضاحية الجنوبية، وعلى الرغم من كل محاولات القمع والترهيب. لم تنتج تلك السياسات دولة، بل عمّقت الانقسام، وسرّعت في تفكك السلطة، وأثبتت أن الحكم القائم على الإلغاء لا يعيش.

انتهت التجربة الكتائبية–القواتية في الحكم إلى فشل سياسي كامل، لا يمكن تبريره بالظروف أو بالمؤامرات الخارجية وحدها. فالمشكلة كانت في جوهر المشروع نفسه: مشروع يرى لبنان ساحة لتصفية حسابات إقليمية، ويختزل شرعية الحكم بالتحالف مع الخارج ضد جزء أساسي من الداخل. وهذا بالضبط ما يعيد جعجع إنتاجه اليوم، وإن بصياغة لغوية مختلفة. فهو يراهن على عدوان إسرائيلي، وينتظر لحظة انفجار شامل، وينخرط – سياسياً وربما ميدانياً – في هذا المسار، على أمل أن تُفتح الطريق أمامه إلى قصر بعبدا.

لكن هذا الرهان ليس فقط مغامرة سياسية، بل هو وصفة سريعة لتجديد حرب أهلية تكون عواقبها وخيمة على جميع اللبنانيين، وعلى المسيحيين منهم بشكل خاص. فالمعادلات الديموغرافية التي يتجاهلها جعجع ليست تفصيلاً ثانوياً. المسيحيون اليوم، بحسب أقصى التقديرات، لا تتجاوز نسبتهم 18% من المواطنين. أي مغامرة عسكرية أو سياسية كبرى تُبنى على منطق الإلغاء أو الاستقواء بالخارج لن تنتهي إلا بتهميش إضافي للمسيحيين، لا بتعزيز موقعهم. التاريخ اللبناني القريب يثبت أن كل محاولة لفرض «زعامة مسيحية» بالقوة انتهت إلى إضعاف الجماعة التي ادّعت تمثيلها.

ثم إن جعجع يتوهم أن أثر أي ضربة إسرائيلية، مهما بلغ حجمها، يمكن أن يُترجم سياسياً لمصلحته. في حين أن التجربة التاريخية تشير إلى العكس تماماً. ففي مطلع الثمانينيات، كانت "إسرائيل" في ذروة قوتها العسكرية، وكانت البيئة الدولية أكثر تساهلاً مع عدوانها، ومع ذلك فشلت في فرض مشروع حليفها اللبناني. اليوم، ورغم كل الدمار الذي قد تُلحقه أي حرب بلبنان، فإن المجتمع اللبناني – وخصوصاً البيئة الشيعية التي تشكل العائق الأساسي أمام جعجع – أكثر قدرة على مواجهة مشروعه الرئاسي مما كانت عليه في تلك المرحلة. فالتجربة السياسية والعسكرية والاجتماعية التي راكمها هذا المجتمع خلال العقود الماضية جعلته أقل قابلية للانكسار السياسي، حتى في ظل أقسى الضغوط.

وفي الموازاة، يبدو الحديث عن مشروع سيطرة سورية جديدة على لبنان أقرب إلى السخرية السياسية منه إلى التحليل الواقعي. فالسلطة السورية الناشئة، التي يلوّح بها البعض كفزاعة أو كأمل، لا تسيطر فعلياً لا على نفسها ولا على الجغرافيا السورية بكاملها. أي قراءة جدية للمشهد الإقليمي تُظهر أن دمشق ليست في موقع يمكّنها من إعادة إنتاج وصاية على لبنان، لا عسكرياً ولا سياسياً. استخدام هذا الشعار لا يخدم سوى تبرير مشاريع داخلية مأزومة تبحث عن عدو خارجي لتغطية فشلها.

الأهم من ذلك كله أن جعجع واهم إذا كان يظن أن مكونات لبنانية أساسية أخرى يمكن أن تقبل به رئيساً. فالرهان على وليد جنبلاط أو على البيئة السنية هو رهان بلا أساس. جنبلاط، بخبرته الطويلة، يدرك كلفة الانتحار السياسي، ولن يضع نفسه في موقع الشريك في مشروع إلغائي مدعوم إسرائيلياً. أما السنة، الذين خبروا نتائج التحالفات الكارثية خلال الحرب الأهلية، فلن يجدوا في جعجع خياراً مقبولاً أو جامعاً. وفوق ذلك، فإن شريحة واسعة من المسيحيين أنفسهم لا تزال تنظر إليه باعتباره رمزاً للعنف الأهلي، و”أزعر حرب” لا رجل دولة، مهما حاول إعادة تقديم صورته بخطاب سيادي أو إصلاحي.

في الخلاصة، مشروع سمير جعجع الرئاسي، كما يتبلور اليوم، ليس مشروع إنقاذ للبنان ولا مشروع تمثيل مسيحي فعلي، بل هو إعادة تدوير لوصفة فاشلة جرّبتها البلاد ودفع ثمنها الجميع. إنه مشروع يقوم على وهم القوة الخارجية، وعلى إنكار المجتمع، وعلى تجاهل دروس التاريخ. وأخطر ما فيه أنه، إذا ما أُتيح له أن يتقدم خطوة إضافية، لن يسقط وحده، بل قد يسقط معه ما تبقى من السلم الأهلي الهش، ويدفع لبنان، وخصوصاً مسيحييه،  – إلى ثمن جديد لا قدرة لهم على احتماله.