مأزق الحرب غير الشرعية: واشنطن تبحث عن مخرج وطهران توسّع معادلة الردع
لم تعد هذه الحرب مجرّد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى صراع يعيد رسم خرائط القوة في المنطقة.
-
لم تعد هذه الحرب مجرّد مواجهة عسكرية تقليدية (أرشيف).
بعد أسبوعين على اندلاع العدوان الذي شنّته الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضدّ الجمهورية الإسلامية في إيران، متجاوزة كلّ المواثيق العالمية التى تنظّم العلاقات الدولية وقت السلم والحرب بشتى أشكالها السياسية والدبلوماسية حفاظاً على الأمن والسلم الدوليين بغية إنشاء منظّمة الأمم المتحدة سنة 1945، لم تعد صورة الحرب كما أرادتها واشنطن و"تل أبيب".
ما خُطِّط له كضربة خاطفة تعيد تثبيت معادلة الردع في المنطقة، تحوّل سريعاً إلى أزمة استراتيجية متشعّبة، عسكرية واقتصادية وسياسية وقانونية، تضع الإدارة الأميركية أمام مأزق معقّد.
فمنذ الساعات الأولى للهجوم، راهنت واشنطن على تفوّقها العسكري والتكنولوجي، وعلى قدرتها على فرض وقائع جديدة خلال أيام قليلة.
لكنّ الردّ الإيراني دفاعاً عن النفس وفقاً للمادة الـ 51 من ميثاق الأمم المتحدة جاء على نحو مختلف تماماً. فقد شهدت المنطقة موجات من الضربات الصاروخية الدقيقة التي استهدفت القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج باعتبارها أراضي تابعة لدولة العدوان، ما ألحق أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية واللوجستية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في عملياتها وأفقدها حرية المناورة والسيطرة.
غير أنّ التحوّل الأخطر في مسار الحرب لم يكن عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً أيضاً. فالمفاجأة جاءت مع قيام الجمهورية الإسلامية بوضع مضيق هرمز الحيوي للإمدادات النفطية تحت نظام وإدارة القوة البحرية الإيرانية وتعطيل الملاحة فيه بمنع مرور السفن التابعة لدول العدوان أو تهديدها، دخل العالم مرحلة من القلق الاقتصادي الحادّ، إذ من المعلوم إنه يمرّ عبر هذا المضيق جزء أساسي من تجارة النفط العالمية بمعدل 25 بالمئة. والنتيجة كانت ارتفاعاً سريعاً في أسعار النفط وتوتر الأسواق المالية، وسط مخاوف من أزمة طاقة قد تضرب الاقتصاد الدولي.
وفي خضمّ هذا المشهد المتوتر، برز تطوّر جديد يزيد من تعقيد الحسابات الأميركية. فقد لوّحت القوى اليمنية المنخرطة في محور المقاومة بأنها ليست على الحياد في الحرب التى تشنّها أميركا وأنها ستدخلها في دعم إيران عبر التدخّل العسكري المباشر، مهدّدة باستهداف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، إضافة إلى احتمال إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الدولية.
يشكّل هذا التهديد تطوّراً بالغ الخطورة، لأنّ باب المندب يُعدّ واحداً من أهمّ الممرات البحرية في العالم، حيث تمرّ عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا. وإذا ما أضيف إغلاق هذا الممر إلى تعطيل مضيق هرمز، فإنّ العالم سيواجه احتمال شللٍ في اثنين من أهمّ شرايين التجارة الدولية في وقت واحد.
هذا السيناريو، إن تحقّق، سيضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مزدوجة غير مسبوقة، وقد يؤدّي إلى ارتفاعات قياسية في أسعار النفط والسلع الأساسية، ما يزيد الضغوط على الحكومات الغربية التي تواجه أصلاً تحدّيات اقتصادية داخلية.
وسط هذه التطوّرات، تبدو الإدارة الأميركية في حالة ارتباك واضح. فبدلاً من لغة الحسم العسكري التي سادت في الأيام الأولى للعدوان، بدأت واشنطن تتحرّك عبر قنوات دبلوماسية متعدّدة، باحثة عن وساطات إقليمية ودولية مع طهران لوقف الحرب. وتشير المعلومات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية إلى أنّ الولايات المتحدة طلبت من أكثر من دولة التدخّل لإقناع إيران بقبول وقف لإطلاق النار، وفي ظل من جهة ثانية عدم استجابة دولية لواشنطن بالانخراط بهذه الحرب وفي طليعتها إسبانيا باعتبارها حرباً غير شرعية وتشكّل اعتداءً على إيران .
هذا التحوّل يعكس حقيقة باتت أكثر وضوحاً: الحرب التي كان يُراد لها أن تعزّز النفوذ الأميركي في المنطقة وتمكّن إدارة ترامب من نهب ثرواتها أكثر وتحقيق حلمه بوضع يده على نفط إيران بدأت تتحوّل إلى اختبار صعب لقدرة واشنطن على إدارة صراع متعدّد الجبهات يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
أما "إسرائيل"، التي كانت شريكاً أساسياً في إشعال هذه المواجهة والتحريض الدائم بالعدوان على إيران، فقد تجد نفسها أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً من حرب الأيام الـ12 الماضية.
فإذا اتجهت الولايات المتحدة الأميركية، تحت وطأة الخسائر الاستراتيجية في الجنود والكلفة الباهظة وضغط الطاقة وتأثير كلّ هذا على الداخل الأميركي، إلى تخفيف انخراطها العسكري أو البحث عن تسوية سياسية، فإنّ "تل أبيب" قد تضطر إلى مواجهة تداعيات حرب واسعة متروكة وحدها في بيئة إقليمية مشحونة ومفتوحة على احتمالات التصعيد حتى إنهاكها كلياً.
غير أنّ أخطر ما يكشفه هذا العدوان الصهيو ـــــ أميركي، إلى جانب تداعياته العسكرية والاقتصادية، هو الاستخفاف الصارخ بقواعد القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول الذي يشكّل حجر الأساس في النظام الدولي المعاصر. فالقانون الدولي، كما كرّسه ميثاق اللأمم المتحدة، وضع قاعدة واضحة لا لبس فيها، إذ تنصّ المادة (2/4) على امتناع الدول عن التهديد باستخدام القوة أو استعمالها ضدّ سلامة أراضي أيّ دولة أو استقلالها السياسي. وهذه القاعدة ليست مجرّد نصّ قانوني، بل هي إحدى الركائز التي قامت عليها منظومة السلم الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي ضوء هذه القاعدة، فإنّ أيّ عمل عسكري عابر للحدود لا يمكن تبريره قانوناً إلّا في حالتين محدّدتين: الدفاع الشرعيّ عن النفس وفق المادة الـ51 من الميثاق، أو صدور تفويض صريح باستخدام القوة من قبل مجلس الأمن الدولي وما عدا ذلك، فإنّ اللجوء إلى القوة يُعدّ في الفقه القانوني الدولي انتهاكاً لمبدأ السيادة وتهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين.
ومن هنا، فإنّ لجوء الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" إلى العدوان على إيران ووسعيهما على توسيع نطاق العمليات العسكرية في منطقة حسّاسة مثل الشرق الأوسط، لتوريط دول المنطقة لاستهداف دولة ذات سيادة واستقلال مثل دولة إيران خارج إطار الشرعية الدولية، لا يمثّل فقط خرقاً قانونياً، بل يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تضرب أسس النظام الدولي برمّته. فحين تُهمَّش قواعد القانون الدولي وتُستبدل بمنطق القوة، يصبح العالم أقرب إلى شريعة الغاب، حيث تتراجع سلطة القانون لصالح موازين القوة العسكرية، ويتحوّل الأمن الدولي إلى رهينة قرارات أحادية قد تدفع المنطقة والعالم نحو مزيد من الحروب وعدم الاستقرار.
في المحصّلة، لم تعد هذه الحرب مجرّد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى صراع يعيد رسم خرائط القوة في المنطقة. فمع اتساع نطاق الردود العسكرية، وتهديد أهمّ الممرات البحرية في العالم، بات السؤال الذي يشغل العواصم الدولية اليوم ليس كيف بدأت هذه الحرب، بل كيف يمكن إنهاؤها قبل أن تتحوّل إلى أزمة عالمية شاملة تهدّد الأمن والسلم الدوليّين.