لم تنجح الحرب الخاطفة.. الولايات المتحدة و "إسرائيل" على أعتاب حرب كبيرة
في أي نتيجة قد تنتهي إليها الأحداث في الشرق الأوسط ستواجه الولايات المتحدة صعوبات في الخروج من الصراع مع إيران من دون فقدان ماء الوجه.
-
تتجه الأوضاع في الشرق الأوسط نحو مزيد من الفوضى (أرشيف).
تتطور العملية العسكرية السريعة التي شنتها الولايات المتحدة و "إسرائيل" ضد إيران منذ البداية على نحو لا يتوافق مع الخطة الأصلية، إن كانت لدى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو خطة أساساً.
فقد استشهد زعيم البلاد، آية الله علي خامنئي، وأكثر من أربعين مسؤولاً رفيع المستوى في السلطة الإيرانية. كما شُنّت ضربات جوية على أهداف عسكرية ومدنية داخل البلاد. وأسفر هجوم على مدرسة للبنات في مدينة ميناب عن مقتل أكثر من 160 شخصاً، كان معظمهم من الأطفال.
في طهران لم يحدث الأمر الرئيسي الذي كان دونالد ترامب يعوّل عليه، وهو اندلاع احتجاجات جماهيرية ضد السلطة في الجمهورية الإسلامية. بل خرج الناس إلى الشوارع دعماً للنظام القائم. وما زالت الدولة تحتفظ بقدرتها على إدارة شؤونها، كما لم ينهر نظام الحكم في إيران. وتواصل القوات المسلحة الإيرانية مقاومة ما تصفه بالعدوان الجديد بإصرار وبنجاح حتى الآن.
أما المعارضة الإيرانية فمن غير المرجح أن تكون قادرة على الاستيلاء على السلطة. كما أن الجناح الإصلاحي في طهران – وهو موجود بلا شك – فقد أهم ورقة سياسية لديه، وهي الحجة القائلة إن من الممكن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة أو استخدام المفاوضات كضمانة لعدم التعرض لهجوم. فقد تبيّن أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق. وللمرة الثانية خلال عام واحد تقطع الولايات المتحدة و"إسرائيل" المفاوضات مع إيران بشن ضربات عسكرية.
ففي فبراير أيضاً، بينما كانت المفاوضات جارية مع الإيرانيين في جنيف، كان ممثلو واشنطن وتل أبيب يعدّون للهجوم وينتظرون اللحظة المناسبة لاغتيال آية الله علي خامنئي. وقد ضربوا إيران بعد يوم واحد فقط من إعلان الوسيط العُماني في المفاوضات عن تحقيق اختراق معين. ومن الجدير بالذكر أن الشروط التي طرحتها الولايات المتحدة على إيران كانت منذ البداية غير قابلة للتنفيذ. فترامب لم يكن يسعى بجدية إلى السلام، ولم يكن حتى ينتظر ذريعة لضرب طهران.
وبعد أحداث الـ28 من شباط/فبراير وما تلاها، فقدت إيران ثقتها تماماً في إمكانية التفاوض مع الولايات المتحدة. فقد صرّح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن المفاوضات فقدت أي معنى. وليس هذا فحسب، بل إن قادة دول أخرى، يحاول دونالد ترامب دفعهم إلى عقد صفقات مختلفة، بدأوا هم أيضاً يفقدون الثقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن. فمن سيصدق ترامب بعد الآن؟
تتجه الأوضاع في الشرق الأوسط، بسبب الإجراءات العدوانية للقوات المسلحة الأميركية والإسرائيلية، نحو مزيد من الفوضى، بل فوضى غير قابلة للسيطرة. إذ تنفذ قوات الحرس الثوري الإيراني ضربات صاروخية على قواعد عسكرية أميركية في الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين والأردن. كما وصلت الصواريخ الإيرانية إلى ولاية هاتاي في تركيا.
وضربت إيران حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، مستهدفة أكثر منشآتهم ضعفاً: مصافي النفط ومحطات التصدير والمطارات والفنادق. ونتيجة لذلك أعلنت شركة “قطر للطاقة”، أكبر منتج للغاز في العالم، توقفها الكامل عن العمل. كما أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث إمدادات النفط العالمية، أصبح عملياً مغلقاً. ووفقاً لبيان البنتاغون فإن الأسطول الأميركي لا يستطيع ضمان أمن السفن التي تعبر المضيق. وقد توقفت نحو 150 ناقلة نفط عند مدخل المضيق، فيما تضررت ثلاث ناقلات أوروبية بشدة. ولم يتأخر تأثير ذلك، إذ ارتفعت أسعار الغاز والمنتجات النفطية في العالم إلى مستويات عام 2022.
وبذلك لم تحصل دول الخليج على مساعدة فعالة من الولايات المتحدة خلال فترة الخطر العسكري. مع أن القواعد العسكرية الأميركية أُنشئت في المنطقة أصلاً بزعم حماية أمن ممالك الخليج في حال وقوع نزاع مسلح. فقد عملت الولايات المتحدة منذ البداية على دمج قواتها المسلحة في منظومة الدفاع لدول الخليج، وجعلت طائراتها وجنودها عنصراً حيوياً في قدرات الجيوش العربية. لكن اتضح الآن أن هذه الجهود كانت بلا جدوى، إذ لم تسارع الولايات المتحدة إلى ضمان أمن العرب، أو ربما لم تستطع ذلك.
وقد وجّه الملياردير الإماراتي خلف أحمد الحبتور رسالة إلى دونالد ترامب يسأله فيها: من أعطاك الإذن لجرّ سوقنا إلى حرب مع إيران؟ وعلى أي أساس اتخذت هذا القرار الخطير؟ وهل فكّر ترامب في أن أول من سيتضرر من ذلك هم دول الشرق الأوسط نفسها؟ وعلى الأرجح أن الرئيس الأميركي لم يفكر في مثل هذه العواقب بالنسبة لحلفائه في المنطقة، ولذلك تركهم عملياً بلا حماية. وعلى الأقل لم يصدر أي رد على رسالة الملياردير العربي.
في الوقت نفسه تدمّر إيران محطات الرادار الأميركية، ما أدى إلى "إعماء" أنظمة الدفاع الجوي لدى خصومها. كما تمكنت طهران من تعطيل إدارة المؤخرة الأميركية في الشرق الأوسط وضرب منشآت الدفاع الجوي المخصصة لحماية دول الخليج.
وإذا شعرت الملكيات العربية بأنها أصبحت ضحية للصراع وانخرطت في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة و "إسرائيل"، فإن ذلك سيسمح بتكثيف الضربات على طهران. لكنه سيعني أيضاً اندلاع حرب كبرى في الشرق الأوسط، لن تنتهي بشيء جيد بالنسبة لبقية العالم.
فهل الولايات المتحدة نفسها مستعدة لمثل هذه الحرب حتى بالتحالف مع "إسرائيل"؟ فترامب لم يعلن رسمياً الحرب على إيران، بل لا يزال يصف ما يجري بأنه عملية عسكرية. ولهذا السبب لا يرى الكونغرس الأميركي في أفعال الرئيس انتهاكاً لدستور البلاد.
وقد طال أمد العملية العسكرية المسماة "الغضب الملحمي". وتنفق الولايات المتحدة يومياً نحو مليار دولار على العمليات العسكرية، وقد طلب البنتاغون بالفعل من الكونغرس تمويلاً إضافياً قدره 50 مليار دولار. ووفق البيانات الرسمية قُتل أكثر من ستة جنود أميركيين وأصيب 18 بجروح خطيرة نتيجة الهجمات الإيرانية. في المقابل يقدّر الحرس الثوري الإيراني خسائر الولايات المتحدة بأكثر من 500 شهيد وجريح، وهو ما لم تؤكده أي مصادر أخرى.
ومن المرجح أن تظهر بيانات خسائر الولايات المتحدة تدريجياً، لأن نشرها لا يصب في مصلحة فريق ترامب. كما أن مخزون الذخيرة لدى البنتاغون العامل في الشرق الأوسط محدود نسبياً: إذ تشارك في العمليات 200 مقاتلة إسرائيلية و500 طائرة قتالية أميركية، بينما تمتلك السفن الأميركية ما بين 500 و1000 صاروخ من طراز توماهوك.
أما إيران فتمتلك ما بين ألفين وأربعة آلاف صاروخ بالستي، ولا تزال هذه الترسانة تتزايد رغم كل التصريحات الصاخبة عن تدمير مجمعها الصناعي العسكري. ولم تحقق الضربات الجوية والصاروخية الأميركية النتائج المرجوة، كما أن العملية البرية غير مجدية للبنتاغون. فالولايات المتحدة لا تمتلك سوى عشرات الآلاف من الجنود في الشرق الأوسط، فضلاً عن أن مثل هذه العمليات كانت غير ناجحة للجيش الأميركي في العقود الأخيرة (العراق وأفغانستان).
وفي الأيام الأخيرة ظهرت معلومات تفيد بأن دونالد ترامب يحاول إشراك الكرد العراقيين في العمليات العسكرية، وهو أمر لا يريده لا العراقيون ولا الأتراك.
ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة تحاول الآن التنصل من مسؤولية اغتيال آية الله علي خامنئي، وإلقاء اللوم على "إسرائيل". ومن الواضح أنه في أي نتيجة قد تنتهي إليها الأحداث في الشرق الأوسط ستواجه الولايات المتحدة صعوبات في الخروج من الصراع مع إيران من دون فقدان ماء الوجه. كما أنها لن تستطيع خوض حرب طويلة لأسباب سياسية وقانونية ومالية وعسكرية.
أما رد فعل الأمم المتحدة على الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران فكان لافتاً أيضاً. إذ خلصت بعثة دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أن تصرفات "إسرائيل" والولايات المتحدة ضد إيران لا تتوافق مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة، وهذا كل ما قررت المنظمة الدولية القيام به حتى الآن.
وقد صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في الأمم المتحدة إسماعيل بقائي بأن الحرب في الشرق الأوسط يمكن إيقافها إذا تم وقف المعتدي. وأضاف أن مجلس الأمن الدولي يمتلك الصلاحيات اللازمة لاتخاذ إجراءات إذا أراد ذلك. لكن المجلس لم يتخذ أي خطوة حتى الآن.
ولذلك فإن مسار الأحداث يعتمد بالكامل على تصميم الأطراف المشاركة – الولايات المتحدة و "إسرائيل" وإيران – وكذلك على مواقف ملكيات الخليج العربي، التي ليست مستعدة للتخلي عن رفاهها القائم على احتياطيات النفط والغاز.