كيف أعاد حزب الله هندسة الحرب في الجنوب؟
ما يجري في جنوب لبنان هو حرب لا تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالمراوغة، والاستنزاف، والقدرة على تحويل تفوّق الخصم التكنولوجي إلى عبء ميداني عليه.
-
كيف حوّل حزب الله التوغّل الإسرائيلي إلى فخ ناري؟ (أرشيف).
في الحروب التقليدية، كان التفوّق يُقاس بعدد الطائرات، وكثافة النيران، وحجم الترسانة. أمّا في الجنوب اللبناني، فقد تبدّلت المعادلة بالكامل، إذ تحوّلت المواجهة إلى صدام بين عقلين عسكريين: عقل يراهن على التكنولوجيا الثقيلة والتفوّق الجوي، وآخر يتقن استنزاف هذه التكنولوجيا وتحويلها إلى عبء.
خلال الأشهر الأخيرة، فرضت المقاومة واقعًا ميدانيًا جديدًا أربك المؤسسة الأمنية في كيان الاحتلال، بعدما نجحت في نقل المعركة من نمط القصف الصاروخي التقليدي إلى حرب "الاصطياد الذكي" عبر مسيّرات FPV الانقضاضية الموصولة بالألياف الضوئية، وهي مسيّرات صغيرة ودقيقة يصعب التشويش عليها أو اعتراضها بالوسائل التقليدية.
بهذه الأداة، تحوّل الجنود الإسرائيليون داخل الجنوب إلى أهداف مكشوفة تحت مراقبة دائمة، ودخلت وحدات النخبة الإسرائيلية واحدة من أكثر بيئات القتال تعقيدًا منذ حرب تموز 2006 وعدوان 2024.
ما يجري هو إعادة صياغة كاملة لقواعد الاشتباك؛ عنوانها الواضح أن كل تقدّم إسرائيلي داخل لبنان يعني اقترابًا أكبر من دائرة الموت.
كيف حوّل حزب الله التوغّل الإسرائيلي إلى فخ ناري؟
لطالما اعتبر "جيش" الاحتلال أن التقدّم البري داخل الأراضي اللبنانية يمنحه أفضلية ميدانية عبر السيطرة النارية والمراقبة المباشرة، لكن ما حدث في الجنوب قلب هذه النظرية رأسًا على عقب. فبدلًا من منع التوغّل بأي ثمن، بدا أن المقاومة تتعامل معه كجزء من استراتيجية تهدف إلى تحقيق خسائر أكبر؛ فكل قوة إسرائيلية تدخل قرية أو تتقدّم نحو تلة حدودية تتحوّل تلقائيًا إلى هدف مرصود داخل مساحة نارية محكمة.
تكمن المعضلة الأساسية في أن الجنود الإسرائيليين باتوا يقاتلون داخل بيئة يعرفها الحزب حجرًا حجرًا، فيما تُراقَب تحركاتهم من الجو عبر مسيّرات صغيرة منخفضة الارتفاع يصعب كشفها. ومع كل متر يتقدّم فيه الاحتلال، تصبح خطوط الإمداد، والآليات، وحتى تجمعات الجنود أكثر هشاشة أمام الضربات الدقيقة.
وقد عكست تقارير إسرائيلية هذا التحوّل بوضوح؛ إذ نقلت قناة "كان" عن جنود احتياط مشاركين في القتال داخل لبنان قولهم: "نحن مكشوفون بالكامل، ونواجه مسيّرات حزب الله بشِباك صيد وسط غياب حلول حقيقية". كما وصفت "القناة 13" هذا السلاح بأنه "فتّاك"، مؤكدة أن "إسرائيل لا تملك له حتى الآن حلًا فعّالًا"، وأنه "لا يمكن تغطية كل جنوب لبنان بالشباك، وحزب الله يدرك ذلك".
وقد كشف تقرير نشرته صحيفة "معاريف"، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين، أن الحزب استخدم عشرات المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية، وأن هذا النوع "أفشل جزءًا مهمًا من قدرات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية".
وذهبت بعض التحليلات الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هذا التهديد لا يربك الخطط العملياتية فقط، بل "يضع الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها على الحدود الشمالية أمام خطر الانهيار"، إذ إن أي تمركز ثابت أو تحرّك مكشوف قد يتحوّل، خلال ثوانٍ، إلى هدف مباشر.
من الصواريخ الثقيلة إلى حرب الاستنزاف الذكي
في الحروب السابقة، اعتمد حزب الله بصورة أساسية على الصواريخ بعيدة المدى والقصف الكثيف لفرض معادلات الردع. أمّا الحرب الحالية، فقد أظهرت تحوّلًا واضحًا نحو مفهوم أكثر تطورًا: الاستنزاف العسكري والاقتصادي الذكي.
فالصاروخ التقليدي، رغم قوته التدميرية، يبقى سلاحًا مرتفع الكلفة وسهل الرصد نسبيًا. في المقابل، تمنح المسيّرات الصغيرة نتائج ميدانية ضخمة بكلفة محدودة للغاية؛ فمسيّرة FPV لا يتجاوز ثمنها بضع مئات من الدولارات، قد تُدمّر دبابة تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات، أو تُعطّل منظومة حساسة، أو تُوقع إصابات مباشرة داخل وحدة نخبة.
هذا التحوّل لا يعكس مجرد تبدّل في الأدوات، بل يكشف فهمًا عسكريًا متقدمًا لمفهوم "الحرب غير المتكافئة"، أي استخدام أدوات بسيطة ومنخفضة الكلفة لإلحاق خسائر كبيرة بخصم يتفوّق تكنولوجيًا وماليًا.
بالتوازي، لم يعد الحزب يعتمد على مخازن ضخمة أو بنى عسكرية تقليدية يمكن لسلاح الجو الإسرائيلي استهدافها وتدميرها بسهولة، بل انتقل إلى نموذج "الخلايا المرنة": مجموعات صغيرة، ومنصات إطلاق متنقلة، وتمويه دائم يقلّص فرص الاستهداف ويعقّد عمليات الرصد.
وهنا برزت المعضلة الإسرائيلية الكبرى: كيف يمكن لجيش صُمّم لمواجهة جيوش نظامية وبنى عسكرية واضحة أن يخوض حربًا ضد خصم لا يمنحه هدفًا ثابتًا ليضربه؟
أين اختفى بنك الأهداف الإسرائيلي؟
خلال عدوان أكتوبر 2024، تباهى الاحتلال بامتلاك "بنك أهداف" واسع يضم مخازن أسلحة، ومنشآت، ومراكز قيادة، واستند إلى هذا التفوّق الاستخباري لتنفيذ سلسلة اغتيالات طالت عددًا من كبار قادة حزب الله، وفي مقدمتهم شهيد الأمة السيد حسن نصر الله. أمّا اليوم، فتبدو الصورة مختلفة تمامًا.
وعلى الرغم من آلاف الغارات الجوية، لا تظهر مؤشرات حقيقية على نجاح الاحتلال في توجيه ضربات حاسمة إلى البنية العسكرية الأساسية للمقاومة، بل إن جزءًا متزايدًا من القصف بات يتركّز على المنازل والمباني والبنية المدنية، في وقت تتراجع فيه الإعلانات الإسرائيلية عن استهداف مخازن استراتيجية أو قدرات نوعية مؤثرة.
هذا التحوّل يعكس أزمة استخبارية عميقة؛ إذ نجح الحزب في تفكيك صورته العسكرية التقليدية وتحويل نفسه إلى شبكة قتالية مرنة وموزّعة، يصعب اختراقها أو تتبّعها أو إنتاج "بنك أهداف" واضح ضدها.
والأهم أن هذه الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بإخفاء الأهداف، بل بظهور تهديدات جديدة لم تكن ضمن الحسابات الإسرائيلية أصلًا، وعلى رأسها مسيّرات FPV الموصولة بالألياف الضوئية، التي فرضت على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الاعتراف بأن جزءًا من معركتها الحالية هو البحث عن حل لمشكلة لم تكن مستعدة لها.
حتى رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أقرّ، وفق تقارير إسرائيلية، بأن مواجهة هذا التهديد "ستحتاج إلى وقت" قبل الوصول إلى حلول فعّالة؛ وهو اعتراف نادر بحجم المأزق الذي فرضه هذا التحوّل في ساحة المعركة.
الحرب النفسية… حين تصبح الكاميرا جزءًا من المعركة
لم تعد المسيّرات مجرد أداة قتل، بل تحوّلت أيضًا إلى سلاح نفسي وإعلامي بالغ التأثير.
فالمشاهد التي تُظهر استهداف القوات والمدرعات الإسرائيلية، أو جنودًا يحاولون إسقاط مسيّرات صغيرة بأسلحة فردية، تحمل وقعًا نفسيًا هائلًا داخل "إسرائيل"، لأنها تضرب واحدة من أكثر ركائز العقيدة الأمنية الإسرائيلية حساسية: صورة "الجيش الذي لا يُقهَر".
ورغم فرض الاحتلال تعتيمًا إعلاميًا واسعًا على نتائج عمليات المقاومة، إلى جانب رقابة مشددة على وسائل الإعلام وتحذيرات من نشر صور أو معلومات تتعلق بالخسائر أو المواقع المستهدفة، فإن مؤشرات القلق بدأت تتسرّب من الداخل الإسرائيلي نفسه.
فقد وصفت صحيفة "معاريف" المشهد على الجبهة الشمالية بعبارة لافتة: "الجيش الإسرائيلي يغرق في الوحل اللبناني"، في توصيف يعكس حجم التعقيد والاستنزاف اللذين تواجههما القوات البرية.
كما نقل موقع "تايمز أوف إسرائيل" عن عائلات عشرات الجنود في وحدة الاستطلاع التابعة للواء ناهال بريغاد أنهم وجّهوا رسالة إلى بنيامين نتنياهو، عبّروا فيها عن "قلقهم من الأوضاع التي يواجهها أبناؤهم في جنوب لبنان"، واصفين تلك الظروف بأنها "غير معقولة بتاتًا".
وهنا تحديدًا تتجاوز المعركة بعدها العسكري المباشر؛ فهي لم تعد معركة مواقع ونيران فقط، بل معركة صورة وهيبة وردع، حيث يمكن لمشهد واحد تلتقطه كاميرا مسيّرة صغيرة أن يُحدث أثرًا نفسيًا يعادل، وربما يفوق، أثر ضربة عسكرية كاملة.
الجنوب يدخل عصر الحروب الذكية
ما يجري في جنوب لبنان هو حرب لا تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالمراوغة، والاستنزاف، والقدرة على تحويل تفوّق الخصم التكنولوجي إلى عبء ميداني عليه.
لقد نجح حزب الله في فرض معادلة مختلفة: كل جندي يدخل الجنوب يصبح تحت عين المسيّرة، وكل تقدّم بري قد يتحوّل إلى كمين مفتوح، وكل تفوّق تكنولوجي يمكن الالتفاف عليه بأداة صغيرة زهيدة الكلفة.
إنها حرب تُكتب تفاصيلها الآن بلغة جديدة؛ لغة الطائرات الانقضاضية، والشبكات القتالية المرنة، والمعارك التي قد تُحسم بطائرة صغيرة تحلّق على ارتفاع منخفض… لا بسرب من المقاتلات.
وربما يكون الدرس الأوضح في هذه الحرب أن التفوّق العسكري لم يعد يُقاس فقط بحجم القوة، بل بقدرة العقل على إعادة تعريف ساحة المعركة نفسها.