كوبا بين استحقاقات الإصلاح وضغوط المواجهة: تحولات اقتصادية في لحظة مفصلية
بين ضغوط الحصار الخارجي وتعقيدات الواقع الداخلي، تدخل كوبا مرحلة جديدة تراهن فيها على الإصلاح الاقتصادي كأداة لتعزيز الصمود وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار.
-
كوبا.. : تحوّلات اقتصادية في لحظة مفصلية.
في لحظة توصف بأنها من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ كوبا الاقتصادي الحديث، شهدت البلاد خلال أيام متقاربة انعقاد دورة استثنائية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي، تلتها دعوة إلى جلسة استثنائية للجمعية الوطنية للسلطة الشعبية، لمناقشة حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي يعتبرها كثير من المراقبين الأوسع والأجرأ منذ انطلاق عملية تحديث النموذج الاقتصادي الكوبي قبل أكثر من عقد.
وتأتي هذه الإجراءات في ظلّ ظروف استثنائية تجمع بين تشديد العقوبات والضغوط الأميركية من جهة، وتفاقم الأزمات الداخلية المرتبطة بنقص الوقود والطاقة والتضخّم وتراجع الإنتاج من جهة أخرى، ما جعل القيادة الكوبية أمام تحدّي البحث عن أدوات جديدة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إصلاحات تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد
تقوم الحزمة الجديدة على مجموعة من المحاور التي تستهدف تحديث آليات إدارة الاقتصاد من دون التخلّي عن الدور المحوري للدولة.
فعلى مستوى الإدارة الحكومية، تتجه السلطات نحو تقليص البنية البيروقراطية وإعادة هيكلة المؤسسات المركزية بهدف رفع الكفاءة وترشيد الإنفاق العامّ في ظلّ الضغوط المتزايدة على الموازنة.
وفي الوقت نفسه، تمنح الإصلاحات البلديات صلاحيات أوسع في إدارة التنمية المحلية، بما يشمل إمكانيات أكبر للاستيراد والتصدير والاستفادة من الموارد المتاحة محلياً. ويعكس هذا التوجّه رغبة في نقل جزء من القرار الاقتصادي إلى المستوى المحلي، بما يسمح بإيجاد حلول أكثر سرعة ومرونة للمشكلات المرتبطة بالإنتاج والخدمات.
أما الجانب الأكثر لفتاً للانتباه فيتمثّل في التسهيلات الجديدة الممنوحة للقطاع الخاصّ: فالإجراءات ترفع القيود المفروضة على حجم الشركات الخاصة، وتسمح للشخص الواحد بامتلاك أكثر من شركة، كما تقلّص قائمة الأنشطة المحظورة وتوسّع مجالات الاستثمار والعمل أمام الفاعلين الاقتصاديين غير الحكوميين مع السماح بالتراخيص للبنوك وموسسات الصرافة الخاصة .
وتشمل الإصلاحات أيضاً منح حقوق انتفاع واستثمار أوسع في العقارات والأراضي، إضافة إلى السماح للقطاع الخاص باستيراد وبيع الوقود بالتجزئة، في خطوة تعكس حجم التحدّيات التي تواجهها البلاد في مجال الطاقة وسعي الحكومة إلى توسيع دائرة المساهمين في معالجة الأزمة.
الزراعة والاستثمار في صلب المعالجة الاقتصادية
تحظى الزراعة بحضور بارز في الحزمة الجديدة، إذ تسمح الإجراءات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالمشاركة المباشرة في النشاط الزراعي، كما توسّع المساحات التي يمكن منحها للمنتجين، في محاولة لزيادة الإنتاج الغذائي المحلي والحدّ من الاعتماد على الاستيراد الذي يشكّل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الكوبي.
وفي المقابل، تمنح الإصلاحات الشركات الحكومية مرونة أكبر في إدارة مواردها وأرباحها وأنشطتها الاقتصادية، بما يساعدها على التكيّف مع المتغيّرات الاقتصادية وتحسين مستويات الكفاءة والإنتاجية.
كما تتضمّن الحزمة إجراءات مالية تهدف إلى تشجيع استثمارات الكوبيين المقيمين في الخارج، والسماح للشركات الوطنية بمرونة أكبر في تعاملاتها المصرفية والمالية، بما يساهم في جذب رؤوس أموال جديدة وتوفير مصادر إضافية للعملة الصعبة.
لماذا تُطرح هذه الإصلاحات الآن؟
في مقابلة خاصة مع الميادين أشار رافائيل مونتيخو فيليز- الأستاذ في جامعة هافانا والمتخصص في المجال المالي والاقتصادي، إلى أنّ هذه الإصلاحات ليست تحوّلاً مفاجئاً، بل تمثّل استكمالاً لمسار إصلاحي جرى النقاش حوله منذ سنوات. غير أنّ الظروف الحالية دفعت إلى تسريع خطوات التنفيذ.
العامل الأول يتمثّل في تصاعد الضغوط الأميركية التي تجاوزت، وفق الرؤية الكوبية، إطار العقوبات التقليدية لتطال قطاعات حيوية مرتبطة بالطاقة والتمويل والتجارة، وهو ما انعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين وعلى قدرة الاقتصاد على العمل بصورة طبيعية.
أما العامل الثاني فيرتبط بالأزمة الاقتصادية الداخلية، حيث تواجه البلاد تحدّيات متراكمة تشمل التضخّم ونقص السيولة الأجنبية وتراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الاستيراد، وهي عوامل جعلت البحث عن أدوات اقتصادية جديدة أمراً ملّحاً.
ويضاف إلى ذلك عامل ثالث يتمثّل في سعي القيادة الكوبية إلى بناء توافق سياسي ومؤسساتي واسع حول هذه الإجراءات، من خلال مناقشتها داخل مؤسسات الحزب والدولة ما يمنحها قدراً أكبر من الشرعيّة والقدرة على التطبيق.
التحدّي الحقيقي: من النصوص إلى الواقع
يرى مونتيخو أنّ الاختبار الحقيقي لا يكمن في طبيعة الإصلاحات بحدّ ذاتها، بل في كيفيّة تنفيذها. فنجاح هذه الإجراءات سيعتمد على سرعة تطبيقها، وقدرة المؤسسات المحلية على استيعاب الصلاحيات الجديدة، واستعداد الجهاز الإداري للتخلّي عن بعض أنماط الإدارة المركزية التقليدية التي رافقت الاقتصاد الكوبي لعقود.
كما أنّ تحقيق نتائج ملموسة يتطلّب متابعة مستمرة وتقييماً دائماً للإجراءات، مع الاستعداد لإجراء تعديلات عند الحاجة، بما يضمن تحوّل الإصلاحات من قرارات وتشريعات إلى آثار حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
بين الانفتاح الاقتصادي والثوابت السياسية
بالنسبة لمونتيخو لا تقتصر دلالات الحزمة على الجانب الاقتصادي فقط، بل تحمل أبعاداً سياسية أيضاً. فبينما توسّع الدولة من مساحة المبادرة الاقتصادية والاستثمار الخاص، تؤكّد في الوقت نفسه تمسّكها بالثوابت السياسية.
ومن هذا المنطلق، تبدو القيادة الكوبية وكأنها تسعى إلى بناء معادلة تجمع بين قدر أكبر من المرونة الاقتصادية والحفاظ على الاستقرار السياسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية والتحدّيات الداخلية.
مرحلة جديدة أم اختبار جديد؟
يرى الأستاذ في جامعة هافانا أنّ الإصلاحات الحالية تمثّل واحدة من أكثر المحاولات شمولاً لإعادة تنشيط الاقتصاد الكوبي خلال السنوات الأخيرة. فهي تفتح المجال أمام دور أكبر للقطاع الخاصّ، وتمنح الشركات الحكومية مرونة أوسع، وتعزّز اللامركزية الاقتصادية، وتراهن على زيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات.
وبحسب مونتيخو إنّ نجاح هذه الرؤية سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تجاوز العقبات التنفيذية، وبمدى انعكاس الإجراءات على الملفات التي تشغل المواطن الكوبي يومياً، من الكهرباء والوقود إلى الغذاء والأسعار والدخل.
وبين ضغوط الحصار الخارجي وتعقيدات الواقع الداخلي، تدخل كوبا مرحلة جديدة تراهن فيها على الإصلاح الاقتصادي كأداة لتعزيز الصمود وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار، فيما تبقى الأشهر المقبلة كفيلة بإظهار ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنجح في إحداث التحوّل المنشود أم ستصطدم بالتحدّيات نفسها التي واجهت محاولات الإصلاح السابقة.