قانون الفجوة المالية: بين منطق المعالجة وحدود الشرعية الدستورية

لا يمكن التعامل مع قانون الفجوة المالية بوصفه تشريعًا ماليًا عاديًا. فهو يعيد رسم العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين.

  • لا يمكن التعامل مع قانون الفجوة المالية بوصفه تشريعًا ماليًا عاديًا.
    لا يمكن التعامل مع قانون الفجوة المالية بوصفه تشريعًا ماليًا عاديًا (أرشيف).

أقرّت الحكومة اللبنانية في أواخر كانون الأول 2025 مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع»، في لحظة بالغة الحساسية من تاريخ الانهيار المالي. وقد قُدِّم المشروع بوصفه إطارًا تشريعيًا يهدف إلى معالجة الفجوة المالية وتنظيم استرداد الودائع وإعادة التوازن إلى النظام المصرفي. غير أنّ أهمية القانون لا تُقاس بحجمه أو بتعقيد مواده، بل بمدى التزامه بالقواعد الدستورية التي تنظّم إنتاج القوانين المالية ذات الأثر البنيوي على الدولة والاقتصاد وحقوق المواطنين.

المسألة الجوهرية لا تكمن في رفض مبدأ المعالجة أو في التقليل من خطورة الأزمة، بل في السؤال الآتي: هل جاءت هذه المعالجة في إطار دستوري وقانوني متكامل، أم أنّها تنطوي على اختلالات منهجية قد تنقل لبنان من فجوة مالية إلى فجوة دستورية وقانونية؟

أولًا: طبيعة القانون ومسار إقراره

لا يمكن التعامل مع قانون الفجوة المالية بوصفه تشريعًا ماليًا عاديًا. فهو يعيد رسم العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين، ويحدّد آليات توزيع خسائر تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، كما يرتّب التزامات تمتد لسنوات طويلة وتطال الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من هنا، يبرز نقاش دستوري مشروع حول طبيعة هذا القانون: هل هو مجرّد قانون مالي تصحيحي، أم أنّه يرقى إلى مستوى «الخطة الشاملة والطويلة الأمد» التي تستوجب احترام أصول خاصة في الإقرار؟ هذا السؤال لا يُحسم بالنيات السياسية، بل بطبيعة الآثار القانونية والمالية التي يُحدثها النص، وبمدى التزامه بمبدأ المشروعية الدستورية الذي يشكّل الأساس الأول لأي إصلاح قابل للاستمرار.

ثانيًا: معالجة النتائج قبل تشخيص الأسباب

الإشكالية الأعمق في المشروع لا تتعلّق بالشكل وحده، بل بالمضمون. فالقانون ينتقل مباشرة إلى تنظيم نتائج الأزمة: سداد، تقسيط، شهادات مدعومة بأصول، إعادة رسملة… من دون أن يسبق ذلك تشخيص قانوني واضح لأسباب تكوّن الفجوة المالية.

إنّ أي تشريع يُعنى بإعادة توزيع خسائر بهذا الحجم يفترض، من حيث المبدأ، تحديد مصدر هذه الخسائر، ومسؤوليات الأطراف المختلفة، والتمييز بين ما نتج عن سياسات عامة مشروعة، وما نتج عن ممارسات استثنائية أو مخالِفة للقانون. غياب هذا التشخيص يحوّل القانون من أداة إصلاح إلى تسوية محاسبية، ويُضعف بعده العدلي والرقابي، ويجعل المحاسبة مسألة مؤجّلة أو غائبة.

ثالثًا: العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان

تتجلّى هذه الثغرة بوضوح في الباب الخامس من القانون، المتعلّق بالتزامات الدولة تجاه مصرف لبنان. فالنص يتعامل مع هذه العلاقة وكأنها علاقة دين متبادل تُسوّى لاحقًا بقرار حكومي، في حين أنّ قانون النقد والتسليف يميّز بوضوح بين دور مصرف لبنان كوكيل ومنفّذ للسياسة المالية ضمن حدود محدّدة، وبين حالات التمويل أو التسليف الاستثنائية التي تخضع لشروط شكلية وموضوعية صارمة.

القفز فوق هذا التمييز، والاكتفاء بتسوية لاحقة للدين من دون تثبيت قانوني لأسبابه وحدوده، يضع مجلس النواب أمام معادلة دقيقة: إقرار تسوية مالية من دون تحديد قانوني لمسؤوليات نشوء الدين، ما يعرّض التشريع لمخاطر دستورية وقضائية مستقبلية.

رابعًا: حقوق المودعين وتراتبية المسؤوليات

لا يمكن إنكار أنّ مشروع القانون تضمّن عناصر إيجابية، أبرزها ضمان سداد الودائع حتى سقف مئة ألف دولار خلال أربع سنوات، وتثبيت حد أدنى للسحوبات الشهرية، ورفض المساس باحتياطات الذهب خلافًا للقانون النافذ. غير أنّ هذه الضمانات تبقى هشّة إذا لم تُربط بآليات محاسبة واضحة، وبتراتبية حقوق صارمة تمنع تحميل المودعين الخسائر قبل استنفاد رساميل المساهمين ومعالجة مكامن الخلل داخل النظام المصرفي نفسه.

فمن دون محاسبة متلازمة مع الإصلاح، يتحوّل القانون إلى مظلة تنظيمية لإدارة الخسائر، لا إلى مدخل فعلي لاستعادة الثقة بالنظام المالي، وتكريس مبدأ العدالة بين الفئات المتضرّرة.

خامسًا: دور مجلس النواب

أمام هذه المعطيات، لا يُطلب من مجلس النواب أن يكتفي بدور التصديق أو الرفض، بل أن يمارس وظيفته الدستورية الكاملة. أي إخضاع مشروع القانون لمراجعة معمّقة، وإدخال التعديلات اللازمة التي تضمن:

● تشخيص أسباب الأزمة قبل تسوية نتائجها،

● احترام قواعد قانون النقد والتسليف في تحديد الالتزامات،

● تثبيت آليات تدقيق ومحاسبة فعليّة،

● حماية حقوق المودعين ضمن تراتبية عادلة ومعلومة.

بهذا المعنى، يصبح النقاش النيابي حول قانون الفجوة المالية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الانهيار إلى بناء مسار قانوني للخروج منه. فالإنقاذ المالي لا يقوم على النيات وحدها، بل على نصوص محكمة، ومؤسسات تحترم الدستور، وتشريعات تعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطارًا للعدالة واليقين القانوني، لا مجرّد أداة لتقنين الخسائر.